
نحن مجتمع تقليدي حتي النخاع فيما يبدو، أنظر إلى مجال الأعمال التجارية بأشكالها المختلفة. ارتيادها عند الغالبية يبدأ ب” قالوا الحكاية دي فيها قروش”. بدأت بالبكاسيوالبرينسات زمان ثم جاءت البقالات والصيدليات والركشات ثم المدارس الخاصة والجامعات الخاصة الخ،
في السياسة فتحنا أعيننا علي أحزابنا التقليدية الكبيرة وقياداتها التأريخية التي تبقى على القيادة إلىحين الوفاة. ثم تلتها أحزب حديثة لكنها سارت على ذات الدرب وأصبح قادتها “شيوخ جدد”، أحزاب اليسار-على صغرها- واليمين الإسلامي المتمثل أساسا في الأخوان المسلمين الذين تسموا بأسماء مختلفة طيلة العقود الماضية وبقي الشيخ مكانه حتيوفاته.وحتي بعد تشظياتالأحزاب بفعل الإنقاذ إلىأحزاب فكة بقيت الرئاسة عند واحد (ربما من عنده المال) كما هو الحال منذ الراعي الطائفي. الجزء المكمل للرئاسة أو الامانة العامة وأحيانا ديكوري الوجود والأهمية هو المكتب السياسي الذي يتم اختياره بالانتخاب،مع “لكن” كبيرة، بالإضافةإلىأعضاء بالتعيين “للوزنة”.
هذا النوع من الهيكلية الحزبية بجموده وثبات كثير من أشخاصه كقيادات حزبية أورث شباب الأحزاب والقيادات الوسيطة لهذه الأحزاب هموما ثقيلة لأن سكة الصعود إلىكابينة القيادة أبوابها مؤصدة عمليا. غير ذلك فإن هذه القيادات الوسيطة والشباب يعلمون أن قرارات الحزب الرئيسية ومواقفه تتخذ بواسطة مطابخ أخرى حزبية صغيرة وغير رسمية أصلا.
الثورة داخل الأحزاب لتجديد دماء قياداتها وإعادة الصلة مع الشباب ضرورية ولكنها صعبة. السبب هو أن تمويل أي حزب في البلدان الناشئة ليس سهلا ولذلك حامت الشبهات وأحيانا التأكيدات حول التمويل الخارجي لكثير من الأحزاب. ولذات السبب-التمويل- ترفض الأحزاب التقليدية تمويل الحزب عن طريق اشتراكات جماهيره لأنه بذلك سيعطي القيادات الوسيطة والشباب نوعا من الاستقلالية لشعورهم بأن لهم وجماهيرهم سهم حقيقي في الحزب.وبدورها ترفض القيادات التأريخية اشتراكات الاعضاء لأنها لا تريد أن تفقد دور “الكفيل” هذا لأنه مكنها تأريخيا من تهميش من لا تريد أو تستلطف. النواب البرلمانيون تتم إدارتهم من وراء ستار مثل مسرح “البانتومايم ” وأصبحت الديمقراطية قليلة التقدير وحكوماتها فاقدة للفعالية والاحترام في تجاربنا الديمقراطية لأن خلافات السادة ومصالح الكفيل والممول الخارجي كانت تنعكس فورا على القرارات والمواقف الحكومية.
لماذا لا تفكرالقيادات الوسيطة والشبابية الخروج من عباءة القيادات التأريخية بتفكير خارج الصندوق باعتبار أن هذه القيادات ومكاتبها السياسية في الغالب ليست مهمومة بالقضايا الحقيقية للناخبين وهي قضايا المعاش والصحة والتعليم والاستقرار. هذه المكاتب المركزية اهتماماتها في الغالب هي اهتمامات من ينامون شباعا، كلابهم تنبح الضيف والحرامي فبيوتهم آمنة، حالهم مستقر، صحتهم تمام وأبناؤهم في التعليم.اهتمامهمبأمهات القضايا -في رأيهم- مثل الدستور والقضية الفلسطينية والعلمانية ومن في حكمها..الخ
عام 2007 كنت في طريقي الي أقاصي دار الكبابيش- الحمرة وام سنطة- بغرض منح الفقراء من المنطقة “شوية” تمويل أصغر من صندوق استحدثته الهيئة العربية للاستثمار لذلك الغرض. كانت محطة مبيتي هي الأبيض وهناك وجدت مجموعة خريجين من شباب حزب الأمة في الأبيض كانوا في أماسيهم يتناولون قضايا المواطنين في الأبيض وكردفانأمام “دكيكين” لأحدهم (ناصر). كانت نقاشاتهم تدل على معرفتهم العميقة بقضايا المنطقة وتحليل من يدرك جذور المشاكل وحلولها. اقترحت عليهم أن ينظموا عملهم ب”لابتوب” يحصرون به عضويتهم وعضوية الناشطين من المعارضة حتي لا يتم اختراقهم في حالة تنظيم أي عمل معارض في شكل وقفات أو مظاهرات الخ ووعدتهم بإرسال “لابتوب” (تم ارساله لاحقا بمشاركة عدد من الزملاء في الهيئة”. الغرض كان أن تطور الفكرة إلىتكوين لجان مستقلة للحزب عن المركز تستهدي فقط بالموجهات العامة له لكن عندما تحين فرصة الديمقراطية تعمم في بقية الاقاليم (أو الولايات) لأنها هي الأدرى بمشاكل وهموم مواطنيها.مستقبلا ستكون هذه اللجان هي التي تفرض أسبقيات سياسة الحزب ولها الكلمة العليا إن لم تكن النهائية في قرارته بما في ذلك تشكيل المكتب السياسي واختيار الوزراء وغيرها. في دول عديد ة أخري يتحدث باسم الحزب من له جماهير فقط وحتى رئيس الحزب إذا لم يفز في دائرته الانتخابية فلا كلمة له. وعندما يدخل المساومة بكرت التمويل و”الكفيل” سيكون الحزب قد خطا خطوة كبيرة نحو الديمقراطية داخله.
صديق أمبده



