مقالات سياسية

قوش الذي أغضب الآلهة

إسماعيل عبد الله

يعتبر صلاح عبد الله قوش من أكثر الشخصيات الإخوانية التي أثارت جدلاً كبيراً في الأوساط السودانية, خدم دويلة الحركة الاسلامية بضمير لم يشفع له عندما بلغت معارك كسر العظم بين نافع و علي عثمان مداها, وهو الرجل المحسوب على شرزمة علي عثمان محمد طه, فعصفت به رياح تلك المعارك خارج دهاليز السلطة لضلوعه في محاولة انقلابية شهيرة وفاشلة, قادها مع بعض المغاضبين داخل سور الجماعة, ويقال أن أفراد أمن البشير أذاقوه مر العذاب داخل المعتقل, و أسقوه السم الزعاف الذي كان يسقيه للمختلفين مع مشروع حزبه الفاشي و بذات الكأس.

بعد أن أعاده البشير مرةً أخرى مديراً لجهاز الأمن و المخابرات قبل عام من اندلاع ثورة ديسمبر, تنبأ الكثير من المراقبين و المحللين للأوضاع السياسية, بالدور الذي لعبه لاحقاً في عملية التغيير التي تمت في أبريل من العام الماضي , وذلك لما كانت تمور به نفسه من حقد و ضغينة ودوافع ثأر قديم تجاه إخوة ورفقاء الأمس, كان قرار المخلوع بتعيين قوش مسؤولاً عن إدارة الجهاز الذي كان يمثل عصب حياة الدولة و التنظيم , مثاراً لدهشة كل المتابعين لتطورات الأحداث في ذلك العام الأخير الذي أعقب الطوفان.

بعض التقديرات والتصورات حول تفسير أسباب عودة ديجانقو لرئاسة جهاز الأمن و المخابرات, ذهبت باتجاه تأثير نفوذ قوى اقليمية ودولية جعلت الرئيس المخلوع يصدر مثل ذلك القرار, و البعض الآخر من هذه التقديرات والتأويلات أيّد الرأي القائل بأن الدكتاتور أراد أن يكون قوش آلةً حادةً لتقطيع رؤوس الأفاعي التي كانت تتربص به في القصر الجمهوري, لكن المفاجأة التي حدثت هي أن الرجل أطاح بالدولة وبالمشروع بكل حنكة و اقتدار, كيف لا وهو الذي بنى معهم امبراطورية الفساد والظلم و الطغيان طوبة طوبة, وتأكد هذا الاتجاه التبريري بصورةٍ جلية و واضحة في قصيدة النعي و الرثاء التي ألقاها كادر العنف الاسلاموي الطيب ابراهيم محمد خير (سيخة) عبر الوسائط, والتي حمّل فيها قوش مسؤولية بيعه لــــ (فاطمة السمحة) التي رمز فيها سيخة للحركة الاسلامية.

لكن السؤال الذي ظل يدور في أذهان الناس هو: ما الذي كان يريده صلاح قوش من قيامه بهدم المعبد على رؤوس أصحابه وأصدقائه وعلى رؤوس الأشهاد؟ هل هي صحوة الضمير ومحاولة غسل وتنظيف وجدانه من دنس الجرائم التي ارتكبها بحق الشعوب السودانية؟ أم هو طموحه الشخصي لوراثة عرش النظام الذي شارك في تأسيسه؟, في تقديري أن مدير مخابرات نظام الحركة الاسلامية المباد أراد القضاء على الحزب المجرم وتشييع جنازته لمثواها الأخير, حتى يتسنى له اعتلاء الكرسي الذي سال لعاب الكثيرين من رفاقه للوصول إليه, لما كانوا يعتقدونه من أن شخصية الرئيس المخلوع كانت من الضعف بحيث أن كل من اقترب منه كان يمنّى نفسه بالجلوس على ذات المقعد السيادي بقصر غردون.

بعد تدمير آخر حصن من حصون قوش قبل يومين, تكون الدولة العميقة للنظام البائد قد خسرت آخر معاركها, بقيام القوات المسلحة وقوات الدعم السريع بتكسير الترسانة العسكرية الصلبة لهيئة العمليات التابعة للمؤسسة الأمنية المسرحة و المحلولة, لقد تنفست جماهير الشعوب السودانية الصعداء و تطمأنت على حقيقة زوال الخطر العسكري لهذه الجماعة الأصولية الذي كان يتهدد استقرار وأمن البلاد, و بذلك يكون طموح الفريق أول صلاح عبد الله محمد صالح في العودة لأرض الوطن قد ذهب أدراج الرياح, بل أصبح هذا القوش طريداً وملاحقاً بواسطة الشرطة الدولية, لقد جاء جزاؤه مطابقاً لما تلقاه سمنار من مكافأة.

لكل قاريء للتاريخ ومتأملاً في نهايات الامبراطوريات التي شغلت الناس وغطت سمعتها أركان الدنيا, يجد هناك أن ثمة عامل واحد مشترك يمثل القشة القاصمة لظهر بعير هذه الممالك, ألا وهو الصراع الداخلي بين المكونات الداعمة للملك أو السلطان أوالامبراطور أوالفرعون, لذلك جاءت نهاية مملكة الاخوان بعدما تصدعت داخلياً و فسدت أخلاقياً وبلغ الطمع والجشع والخلاف والتنافس حول السلطة بين رموزها مبلغاً, فارتد عليها سهمان من سهامها الكثيرة والعديدة المكتنزة بها كنانتها, وهذان السهمان هما مؤسستا ( الأمن و الدعم السريع), فكانت النهاية المعلومة.

إسماعيل عبد الله
[email protected]

محتوى إعلاني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..