مقالات وآراء

أغاني وأغاني… الغناء فوق الجرح

د. أحمد التيجاني سيد أحمد

في زمنٍ صارت فيه الحرب بلا معنى،
حربٍ جاءت استجابةً لفتوى فجّة: يا نحكمكم… يا نقتلكم،
يطلّ برنامج «أغاني وأغاني» لا بوصفه ترفيهًا رمضانيًا،
بل كفعل بقاءٍ ثقافي،
ومحاولة واعية لإنقاذ ما تبقّى من الذاكرة السودانية
من تحت ركام الخراب.

لم يعد البرنامج مجرّد احتفاء بالأغنية،
بل صار نافذةً مفتوحة على جرحٍ جماعي،
وجلسة استماع صادقة أمام الذات،
في بلدٍ تتفتّت أيامه
كما يتفتّت الخبز في يد الجائع.

في هذا السياق،
ويجيء حضور الصديق البارع، المثقّف الحنون، مصعب الصاوي.
لا يتقدّم كمؤرّخٍ أو مقدّم برامج يبحث عن الضوء،
بل كوسيطٍ هادئ
بين الغناء والمغنّين،
وبين الغناء نفسه.
يتهادى بحذر من يعرف
أن الصوت العالي لا يداوي الألم،
وأن الطرب الحقيقي
لا يحتاج إلى استعراض.

الأغنيات في «أغاني وأغاني» اليوم
ليست كما كانت.
كلّها جراح.
كلّها قروح مفتوحة.
لكن المفارقة — على نحوٍ مدهش —
أنها سريعة الرتق.
لا لأنها تنكر الألم،
بل لأنها تعترف به،
وتضعه أمامنا بلا رتوش.

نحن، السامعين،
لا نخرج من الحلقات منتشين،
بل متذكّرين.
نمضي سائلين،
ونجلس كأننا أمام
نوافذ اعترافٍ جماعي.
نحن السامعين، لا يغيب عن أعيننا ولا عن مسامعنا
ما أحاق بشباب وشابّات السودان من قتلٍ وإبادة،
ولا ما خلّفته الحرب من فجيعةٍ مفتوحة
في الذاكرة والوجدان.

نستعيد عبر الأغنية
ما تفرّق مثل دقيق الحلاّج.
وليس بعيدًا عن هذا المعنى قول الشاعر أبي العلاء المعرّي:
«إنَّ حظّي كدقيقٍ فوقَ شوكٍ
بعثروهُ… ثم قالوا لحفاةٍ يومَ ريحٍ: اجمعوه»؛
صورةٌ قديمة لاستحالة الجمع بعد التبعثر،
تستعاد اليوم لا بوصفها بيت شعر،
بل وصفًا دقيقًا لما فعلته الحرب بالناس والذاكرة.

وينك يا طرب؟
السؤال حاضر،
لكن الإجابة تأتي بهدوء:
الطرب هنا…
ليس ضحكًا ولا صخبًا،
بل قدرة الغناء
على أن يبقى حيًّا
وهو واقف فوق الجرح،
لا هاربًا منه.

ومن بين هذه العتمة الثقيلة،
يتسلّل أملٌ خجول،
يأتي على استحياء،
لا يعد بانتصارٍ قريب،
لكنه يذكّرنا فقط
بأن هناك أيامًا قادمات؛

أيامٌ
يتعانق فيها الدليب مع المردوم،
وتنبسط سهول كردفان
ليرقص فوق رمالها
حملة الطار
والطنبور النوبي،
ويركض في ساحاتها
فرسان دارفور،
ومصارعو جبال النوبة.

وربما لا نطلب من الغناء
أن يُنقذ وطنًا،
يكفينا أن يُنقذ
معنى الوطن فينا.
فحين تُغنّي الذاكرة،
لا تموت البلاد،
بل تنتظر.

د. أحمد التيجاني سيد أحمد

روما – إيطاليا

٢٣ فبراير ٢٠٢٦

‫3 تعليقات

  1. يا دكتور قائل:”إنَّ حظّي كدقيقٍ فوقَ شوكٍ
    بعثروهُ…إلخ” هو الشاعر السوداني المرحوم إدريس جماع، وليس أبو العلاء المعري!

    1. يت المشهور:

      «إنَّ حظّي كدقيقٍ فوقَ شوكٍ نثروهُ
      ثم قالوا لحُفاةٍ يومَ ريحٍ اجمعوهُ»

      قائله هو أبو العلاء المعرّي.

      وهو من أشهر أبياته في تصوير قسوة الحظ واستحالة جمع المبعثر—تشبيه بالغ الذكاء ظل يُستشهد به قرونًا

  2. عفوا أنا اخطات و انت اخطات قصيدة منسوبة لابن زيدون
    البيت الشعري:
    والسيفُ في الغمدِ لا تُخشى مضارِبُهُ
    وسيفُ عينيكِ في الحالينِ بتّارُ

    النسبة الأدبية:
    يُنسب هذا البيت إلى الشاعر الأندلسي ابن زيدون، ويَرِد في سياق غزله المعروف الذي يجمع بين صورة الفروسية وسطوة العيون في خطاب الحب.

    ملاحظة توثيقية:
    يرد البيت منفردًا في عدد من المختارات والدواوين، ويُستشهد به كثيرًا كمثال على المقابلة البلاغية في الغزل الأندلسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..