مقالات سياسية

إجرام دخيل على السودان

عبدالله عبيد حسن

14 سبتمبر 2006

تلك الجريمة النكراء التي راح ضحيتها الصحفي المرحوم محمد طه محمد أحمد، رئيس تحرير جريدة “الوفاق” السودانية، هي بكل المقاييس وبالطريقة التي نفذت بها، أمر دخيل على السودان وعلى الأعراف والتقاليد السودانية وعلى الإسلام وقواعده السمحاء الكريمة. وهي جريمة بشعة يتعدى وقعها وأثرها أسرة الأستاذ المغدور وزملاءه، ليشمل المجتمع السوداني كله، وبخاصة قطاعاته السياسية والفكرية المؤيدة والمختلفة مع أفكار وآراء المرحوم محمد طه.

فالجريمة بالبشاعة والكيفية التي نفذت بها، والظروف والأحداث التي سبقت حدوثها، يجب أن تنبه الجميع إلى أن هنالك جسماً غريباً على السودان وقيمه وأخلاقيات وآداب أهله في الاختلاف السياسي والفكري، قد غُرست بذرته في الحياة السودانية، وأن هذا الجسم الغريب لابد قد تربّى وتدرب ونما في تربة غير تربة السودان السياسية والفكرية، وأنه قد ورد إلينا حاملاً كل القبح والبشاعة والاستهتار بالنفس البشرية، وهي أمراض دخيلة على الإسلام والمسلمين. وهي أيضاً أمراض وجدت مناخاتها في هذا الزمن الرديء الذي أُدخلنا فيه بغير إرادة منّا، والذي أصبح فيه الاختلاف في الرأي والاجتهاد -حتى بين أعضاء الجماعة الواحدة ذاتها- يقود إلى التكفير وإلى استباحة دم المخالفين وقتلهم والتمثيل بأجسادهم على نحو تلك الصورة البشعة التي جرى بها قتل الأستاذ صاحب “الوفاق” السودانية، وهي صورة يصعب على القلم أن يعيد رسمها هنا، إكراماً لمشاعر القراء الإنسانية.

نعم، إن تلك الجريمة البشعة التي وقعت لصحفي سوداني، وبالكيفية التي تمت ونفذت بها، هي أمر دخيل على السودان وأخلاقيات أهله وقيمهم، نقول ذلك من باب الاعتزاز بالسودانية وقيمها وأخلاقياتها.

فواقع الأمر أن السودان ومنذ استقلاله، وعلى شدة وكثرة الخلافات والصراعات السياسية التي عاشها، لم يشهد أمراً كهذا أبداً، بل إن الإعدامات السياسية التي تمت في السودان على عهود الأنظمة الديكتاتورية والشمولية قامت بها أجهزة الدولة مستندة -خطأ- على قوانين سنتها الدولة (السلطة الحاكمة). أما أن تُفتي جماعة ما، لا يعرف لها أحد مقراً ولا اسماً، باستباحة دم مسلم خالفها في بعض الرأي، فأياً كانت تلك الجماعة التي خططت ونفذت، فإنها لن تخرج -في حكم كل الشرائع السماوية والبشرية- عن كونها عصابة من القتلة والمجرمين المرضى بأدواء نفسانية، ولم يجدوا بعد الطريق الصحيح لمعالجة أمراضهم.

لذلك فإن الأمر في آثاره وعواقبه يتعدى مأساة أسرة المرحوم وزملائه، ليصبح مأساة بلد وشعب بأسره يواجه منذ اليوم -وبالأمس أيضاً- خطراً حقيقياً ومرضاً وبائياً، إذا لم يكبح ويستأصل الآن، فإنه سيهدد حياتنا السياسية والفكرية، وسيحوّل أرض السودان إلى مسرح عمليات إجرامية شنيعة مثلما نشاهد في بلدان أخرى عزيزة هي أيضاً كالسودان.

والخطر الذي يجب أن تنتبه إليه السلطة الحاكمة، والذي يلقي عليها مسؤولية مضاعفة، كسلطة صاحبة توجه ومشروع إسلامي، هو أن مدية القتلة قد طالت اليوم واحداً من رفاقها مهما اختلف معه الناس في الرأي، فلا خلاف أنه كان واحداً من أكثر جماعتها وحزبها التزاماً بحزبيته ومبدئه منذ عهد بعيد. فالقتلة الذين نفذوا تلك الجريمة بكل تفاصيلها المرعبة، وجهوا ضربتهم الأولى للسلطة وأعلنوا استهانتهم بها، بشكل لم يسبقهم إليه أحد، حتى من خصومها الأداء. وإذا لم ننظر لهذا الحادث المأساوي على أنه افتتح في تاريخنا صفحة تهدد المجتمع كله، فسيكون السودان هو الخاسر الأكبر.
عبدالله عبيد حسن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..