مقالات وآراء

ثورةُ الجياعِ على بابِ الوزيرِ

في مقالات سابقة طالبتُ برحيل بعض وزراء الحكومة الاتنقالية ، كالوزير المتردد فيصل ، والسيدة الفضيلة أسماء ، والوزير المعتذر مدني ، وبعضٍ مِن أولئك الذين لا نرى لهم حساً ولا خبراً كوزير الزراعة و الثروة الحيوانية ولا أعرف أصلاً إذا كان هناك وزير للري . وأخيرا وليس آخراً وزيرَ المالية .
وقلتُ لهم سعيكم مشكوراً وإلى هنا يكفينا منكم ما قضيتموه من وقت ثمين أهدرتموه من عمر الأمة ، دون أن نرى منكم ما يسر الثوار وما يحقق اهداف الثورة المجيدة . وعليكم الاستقالة وفتح الباب لمن هو في قامة الثورة وله من المعرفة والشجاعة ما يستطيع به أن يفعل ما لم تفعلوه .
وقلتُ إن الاستقالة ليست عيباً ولا منقصةً بل هي ثقافة ديمقراطية وأسلوبا حضاريا يتجلى فيها إنكار الذات وتقديم ما هو مصلحة عامة على المصلحة الخاصة .
ولكن ! يبدو أن لهولاء الوزراء فهم آخر لمعنى التكليف لهذه المناصب ، ويرون أنهم مختارون من الشعب بتفويض منه ولن يتركوا مناصبهم إلا بأمر من هذا الشعب ، هكذا صرح بها وزيرُ المالية في مؤتمره الأخير .
لا نعلم إلى الآن كيف أتى هؤلاء الوزراء بتفويض من الشعب فالآلية التي أتت بهم ليس من بينها تفويض واضح بالانتخاب والاختيار الحر ، ولكن لن نناقش هذا ، ولنقل مؤمنين أن وزير المالية كمثال لهؤلاء الوزراء أتى عبر إرادة شعبية حرة ، وأن الثورة أتت به بمشروعتها الثورية ، فهل حقق الوزيرُ مطالب هذه الثورة ، وهل أصدر قراراً واحداً لصالح الثورة والثوار ؟ بل استطيع أن أقول بكل صراحة أن الوزير هذا لم نسمع له قراراً واحدا يصب في مصلحة الثورة ويحقق مصالح الناس .
ليس للرجل إلا طريق واحد يعرفه ولا يعرف سواه وهو رفع الدعم ، هذا هو برنامجه من الألف للياء .
ويظن أن برفع الدعم ستُحلُ وفوراً كل مشاكل البلد الاقتصادية ، ولا أعتقد أنه يؤمن بهذا عن دراسة علمية منهجية ، ولا يملك أي حيثيات تدرس الجوانب الأخرى المتعلقة بقرار خطير كهذا .
فمن السهل ان تقرر رفع الدعم عن اهم سلعتين يعتمد الناسُ عليهما وهما الدقيق والبترول ولكن بكل تاكيد أنت لا تعرف يا سيادة الوزير أثر ذلك على المواطن المطحون ، لانك لا تنظر إلا لجانب واحد فقط . ولو كان الأمر بمثل هذه البساطة فما الذي منع من كانوا قبلك أن يرفعوا الدعم ؟
ثم لا نعرف كيف يُفسر لنا السيد الوزير حديثه عن أنه لن يستقيل إلا إذا طلب من الثوار ذلك ؟ كلام غير منطقي ولا يعرف قائله ما يتحدث عنه ، فهل هناك طريقة ليعبر الناس بها عن مطالبهم لك باستقالته ؟
ألا يكفيه هذه الصفوف المتراصة امام المخابز ومحطات الوقود ليستقيل ؟ ألا يكفيه كل هذا السخط على سياسته التي جعلت الدولار يتضاعف في عهده ليتخطى حاجز المئة ؟
ألا يكفيه ما لحقه من نقد يمسه هو شخصيا ويقدح فيه بسبب شركة فاخر التي مكَّن لها حتى باتتْ تسيطر بطريقة مباشرة على مقدرات البلاد ؟
لماذا تحشر نفسك يا سيدة الوزي في هذا الشق الضيق ؟ حتى تضطر للدفاع عن نفسك ولتبين للناس انك لا تحمل إلا الجواز السوداني و لازلت تسكن في بيتك ، ماذا يهمنا من أمر سكنك وأمر حياتك الخاصة ؟ الناس تنظر لسياساتك وأسلوب إدارتك للعمل ؟
فلو سكنتَ في بيتِ حكومة وقدمت للبلد ما تريده منك ، فمن سيحاسبك على ذلك ؟
ولهذا الوزير موعد قريب ليضطر للاسقالة شاء أم أبى . فهو قريبا سيحصد نتاج عمله . فشركة فاخر حلت لك الأزمة وهو حل مؤقت ، ومكلف ، ولن يمر بسهولة ، وقريبا ستجد نفسك أمام الأزمة من جديد. فماذا أنت فاعل ؟
تماما مثلك مثل وزراء الانقاذ الذين رهنوا موارد البلاد ببضع ملايين لتسيير الحال وفك الضائقة ، وكالمحليات التي باعت الميادين لتسديد نفقاتها ، نفس المنهج الذي هو بداية لا نهاية لها ، كلما حاولت الخروج منه تورطت اكثر .
بيع او رهن موارد البلاد لشركات خاصة مقابل فك ازمة حالية ، ليس حلا يعرف ذلك القاصي والداني وحتى الوزير نفسه يعلم ذلك ولكن هو طريق العاجز الذي لا يهمه الا الحال الآنى ( وبكرة يحلها الحلال )
بكرة ستأتي يا سيادة الوزير، ومادام الحال كما هو فلن تحل الازمة نفسها بنفسها ، والقروض والمنح لو جاءت فلن تكون هي الحل .
والصحفيون وعامة الناس ليسوا هم من سيفكرون بدلا عنك ويقدمون لك الحلول ولا تنتظر حلولا تأتيك على طبق من ذهب ، عندك كادر ومستشارون وخبراء في الداخل والخارج وبيوتات خبرة عالمية ، فبدلا من اجتهادات العاجز التي انت مؤمن بها لماذا لم تستشر هؤلاء وتستمع لهم قبل ان تقرر .
ولا اعتقد أن ما تبقى لك من وقت سيسعفك فقد ضيعتَ الفرصة على نفسك وعلى البلد طيلة هذه الشهور وما عليك الآن إلا أن تللم أشياءك وترحل .
قريبا جدا سيجد هذا الوزير ما طلبه حاضراً ، فالمواطن قد بلغ به شظف العيش مبلغا لا يمكن احتماله وعلى الوزير ان يعلم أن شرارة هذه الثورة كانت قطعة الخبز في ولاية نائية عن المركز حيث قصر السلطان وغرفته الدولارية .
فلو خرج الجياع غدا فسيكون ذلك بسببك أنت وصاحبك عديم الخبرة مخالف الوعد مدني عباس وزير التجارة الذي يسير في ركابك دون وعي ولا دراية .
واللوم لا يقع عليكما ولا على زملائك من وزراء آخرين ولكن على رئيسكم الذي يرى ويعلم ويصمت وعينه على الخارج وانتم ( تصوتون ) فيها في الداخل تظنون أنفسكم آمنين من كل حساب تسندون ظهوركم إلى شرعية متوهمة ، هي نفسها تتبرأ منكم مع دعوات الناس في كل أزمة أن يولي أمر هذه البلاد من يصلح ، ويهديكم إلى باب الخروج بغير عودة

د. زاهد زيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..