مقالات وآراء

بنية الزمن

من كتاب القصة النشطين في اتصال انتاجهم . ويتميز بقدرته على التواصل مع مختلف أجيال المبدعين . وأهتمامه بتلك الافكار حول بناء مؤسسات للادب . حتى يتم تداوله وتقييمه على نحو واسع . وقد اسهم عمليا في تأسيس الرابطة الادبية بكوستي في ثمانينيات القرن الماضي . كما اسهم في تاسيس نادي القصة السوداني بالخرطوم في خواتيم القرن الماضي .. وتتميز قصة صديق الحلو بلغتها الشاعرية , وأستلهام الحكاية الشعبية , والقص الديني , في كثير من نصوصه .. وربما لذلك تقلب في توظيفه للزمن بين مختلف التقنيات سواء كان تعاقبيا أو استرجاعا او استشرافا .. وفي هذه القراءة سنتناول الزمن كموضوع لقراءتنا في مجموعته ” غصة في الحلق ” .. ونجد ان أحد ابرز تقنيات الزمن عند صديق الحلو هي تقنية الاسترجاع , وهي تكنيك خاص بترتيب الاحداث وتسلسلها داخل القصة , حيث يترك الراوي الشخصية الاولى ويعود الى الماضي ليصحب الشخصية الثانية , ثم يلتحم مستوى القص الاول مع الاسترجاع , ويستمر سيره بعد ذلك . وهذا النوع من الاسترجاع يقل استخدامه في النص التقليدي , لانه يحافظ على التسلسل الزمني داخل زمن القص . وفيه يترك القاص مستوى القص الاول , ليعود الى بعض الاحداث الماضية , ويرويها في لحظة لاحقة لحدوثها (29).. قراءة عامة في الاسترجاع عند الحلو.. غصة في الحلق : نموذجا ولابد لنا هنا من الاشارة لبعض التقنيات, في بناء الزمن عند صديق الحلو, في مجموعته” غصة في الحلق” , كما تتمثل هذه التقنيات ابتداء, في القصة التي استهل بها مجموعته ” أحلام المواطن جار النبي قسم السيد ” . ففي هذه القصة يعالج الراوي , التحولات التي تطرأ على السلوك الانساني , عندما يرتبط بالسلطة وتحولاتها , فجار النبي قسم السيد ( رجل في الخمسين بادي الوسامة.. في الايام الخوالي اتى مديرا للادارة من العاصمة, منقولا . انفه المستقيم , شعره المسبسب . عيناه غزيرة السواد (..) دهاء يقاوم الخروج وحيل كثيرة تود الظهور (..) الموظفات بهر عقولهن (..) راح يحدثهن في اول لقاء له, عن حقوقهن المهدرة ..(30) ” .. الزمن في هذه القصة تعاقبي , بطيء , اذ نمضي في تتبع حياة جار النبي قسم السيد , من خلال راوي مهيمن , يعالج سلوك جار النبي تجاه رؤساءه وموظفيه ” تقلبت الايام خريف فشتاء (..) صار يمارس هوايته في القسوة عليهم بجبن , اصبحوا يحتقرونه. لقد سلبهم كل شيء حتى امل النصر (31) ويظل جار النبي غارقا في الصراعات والاوهام الى ان يتم اعتقاله ” انتهى جار النبي قسم السيد وقوة مدججة بالسلاح جاءت لاعتقاله بتهمة اختلاس المال العام (32).. كذلك في قصته ” الهرة المتوحشة ” وهي من القصص التي تسفر عن تعاقبية في الزمن منذ لحظة صحو الراوي ” نهض ذات صباح مثقل . ارتشف كوب الشاي الدافيء ..(33) لتستمر في ايقاعها التعاقبي البطيء حتى الخاتمة .. وفي قصته ” الخل الوفي ” , و ” زهور لا تعرف الزبول ” و ” مهر الاميرة ” و ” غابت الزهرة ” و ” النور والنهر ” و ” ايام للتضحية .. ايام للوطن ” واللعبة ” و ” القافلة ” في كل هذه القصص وغيرها, نجد ان الزمن تم بناءه على اساس تعاقبي . وربما يعود ذلك لمحاولة القاص توظيف الحكاية الشعبية, في القصة القصيرة , مثلما تحيل قصة ” الخل الوفي ” و ” غابت الزهرة ” و ” “مهر الاميرة ” و” القافلة ” , الى مرجعياتها في الذاكرة الشعبية , او نتيجة لهيمنة الراوي مثلما في قصة ” زهور لا تعرف الزبول ” كذلك نجد تعاقبية الزمن في ” النور والنهر ” التى نشرت بمجلة حروف العام 1993. وفي قصة ” سارة تموت مرتين ” , نجد ان الزمن يتماهى في تقنية انعكاس المرايا ” وانت يغزوك الحرمان والصد وهجر الحبيب .. في الوطن غربة صهدتك التباريح ابداعا (34)” .. حيث يتبدد الزمن في صوت الراوي المخاطب , وهو يتنقل بين محطات حاسمة, في حياة سارة التي يحب حينا ” كانت سارة حلوة الاماني . متزوجة من فتاها العاشق (35)” وحياته حينا آخر ” تظل تبحث عن الدروب الموصلة عن غيمة تطرز منها ياقات تلاميذ المدارس (36)”.. وفي قصة عيون لا تعرف الغفو, يتحرك الزمن في مسارين . مسار اساسي هو انعكاس المرايا من خلا ل المخاطب ” التقيتها.. صار للعشق لون قوس قزح وللحياة دوران اخر وانداح المدى الاخضر في ذاتك التي تعج بالبوار (37) يتخلل هذا المسار الزمني الاسترجاع من خلال نفس الضمير ” ما بنيته البارحة, جرفه الموج في تعريشة منزلها, الجهنمية الحمراء تزداد احمرارا في الاصيل , تاتي نحوها.. تقترب وفي ذاكرتك ليلة مضت (38)”.. وفي قصته ” عبر الصحراء الى ليبيا ” , على الرغم من ان البنية الاساسية تعاقبية , الا انه يتخللها استرجاع بضمير المتكلم , و باستخدام العبارات المباشرة ” قبل حضوري الى هنا, قالت لي والدتي الحاجة . لقد اخبروني بانك ذاهب الى ليبيا . اذهب على بركة الله (..) وفي الطريق وانا على الجسر الضيق المليء بالعابرين, وجدت صديقي التوم (39) ” وتهيمن تقنية الاسترجاع على قصة ” وتبعد المسافات ” التي يستهلها الراوي المهيمن, ببث تجاربه الذاتية ” فشل يحوطك .. اجمل سنوات عمرك مرت كهباء منثور . صديقك الحميم افتقدته كثيرا . وشرخ اصاب حياتك والدنيا كربات لاتنتهي .. ملل احتواك (40) مستعيدا – الراوي – بعض التجارب ” قالت عفاف انك لا تصلح لشيء . صمتك الزائد . بلاهتك البائنة . اسئلتك الكثيرة . الوقت يمر بطيئا( 41) ” وهكذا تتحرك بنية الزمن على هذين المستويين ( التداعي – الاسترجاع ) ..الى ان تنتهي القصة .. وفي قصته ” حكاية بنت اسمها خدوج ” . نجدها ايضا كسابقتها , يتحرك الزمن فيها على مستويين : زمن تعاقبي تقليدي , يحكم بنية الحكاية التي يرويها راو مهيمن .. وزمن استرجاعي تكشف عنه الحاشية التي تضع النص ازاء هذا السؤال : ما اذا كان الراوي يحكي عن خدوج بطلة القصة . ام ان خدوج وزميلاتها يناقشن قصة في هذا المعنى مع زميلهن القاص ؟!.. ونجد ان من قصص الاستاذ صديق الحلو التي اعتمدت تقنية الاسترجاع في هذه المجموعة: ” وردة بيضاء لعيني ومضة ” و ” ايام للحزن ايام للشجن ” و ” الحلقات ” و البدايات والنهايات ” و ” رياح الجنوب النديانة ” و ” متاهات لا تنتهي ” و ” امونة بت حمودة الراجل ” و” الخروج من القوقعة ” و ” الجذور ” التي تعود الى سعينيات القرن الماضي . وكذلك قصة ” جنوح نهى ” و قد نشرت هذه القصة بصحيفة ” صباح الخير التونسية 1992… وفي قصة ” الذئاب ” نجد ان بنية الاسترجاع تتشكل منذ استهلال الراوي, في كشفه عن خلاصة ما يريد ان يرويه ” لعلك عرفت ان المرأة الاضافة لم تخلق بعد .. ام حسبت ان الحب يضمد الجراح (42)” ليعود الراوي بعد ذلك الى الماضي الذي جعله يتوصل الى هذا الحكم ” قلبن له ظهر المجن وتحولت سهير من بلسم شافي, الى جرح نازف , صار الحنان صحراء بقيع (43)” ” جاءت ايام الجذر .. تراجعت ام سهير بعد ان راته يرفل في سندس اخضر نامي (44)”.. ان استخدام تقنية الاسترجاع في القصة القصيرة, يحقق عددا من المقاصد الحكائية, مثل ملء الفجوات التي يخلفهاالقاص وراءه , سواء باعطائنا معلومات حول سوابق شخصية جديدة دخلت عالم القص , او باطلاعنا على حاضر شخصية, اختفت من مسرح الاحداث ثم عادت للظهور من جديد . وهاتان الوظيفتان تعتبران من اهم الوظائف التقليدية لهذه التقنية الزمنية . وهناك وظائف اخرى للاسترجاع اقل انتشارا ولكنها ايضا ذات اهمية كبيرة , مثل الاشارة الى احداث سبق للسرد ان تركها جانبا , واتخاذ الاسترجاع كوسيلة لتدارك الموقف, وسد الفراغ الذي حدث في القصة , او العودة الى احداث سبقت. بغرض اثارتها او التذكير بها , او حتى لتغيير دلالة بعض الاحداث الماضية . سواء باعطائنا دلالة لما لم تكن له دلالة اصلا . او لسحب تأويل واستبداله بتفسير جديد . وكل ذلك يجعل الاسترجاع, من اهم وسائل انتقال المعنى داخل العمل السردي . ويمكننا بالتالي التحقق مما يرويه السرد, عن طريق الاسترجاعات, التي تثبت صحته او خطأه (45).. بنية الاسترجاع عند الحلو: في (دروب جديدة ) .. سنحاول ان نتناول هنا بتفصيل اكثر _ تطبيقيا _ بنية الاسترجاع في قصص الحلو الثلاث التي نشرت في مجموعة دروب جديدة : افق اول ( منشورات نادي القصة السوداني ) وهي قصة : (1) عشوشة تفتقد الصواب (2) الخالة سكينة (3) البرينسيسة .. ابتداء يمكن التمييز بين نوعين اساسيين من الانظمة , او كما يقول توما تشفسكي في كتابه عن نظرية الادب ” يتم وضع العناصر الموضوعية طبقا لاحد مبدأين : فاما ان تخضع لمبدا السببية , وتنتظم داخل نوع من الاطار الزمني , واما ان تعرض بشكل لا يخضع لمنطق الزمن , ولكنه يتتابع دون مراعاة السببية الداخلية ” ويطلق على النوع الاول اسم ” النظام الزمني ” . كما يسمى الثاني ” النظام المكاني ” .. وعلى خلفية ذلك يمكننا قراءة الاسترجاع في القصص الثلاثة موضوع تطبيقاتنا العملية (46)”.. (1) الحكاية في عشوشة تفتقد الصواب: انها حكاية شيخ- سليمان – عاشق لزوجته ” كانت تحبه وكان يضللها, والحياة بينهما شد وجذب (47).. يعالج الراوي في هذه القصة, احدى مظاهر السلوك الانثوي السلطوي ” فقدت عشوشة صوابها, وهي تأمره ان يبني لها قصرا, من الريش يفوق ما اتى به الاولين طرا (48)”.. والحكاية في تأويلها , اسقاط لقصة( سليمان الحكيم مع بلقيس ملكة سبأ) .. فعندما جاء الهدهد بعد تأخر طال , كانت اجابته ” – ذهبت احصي عدد النساء اكثر ام الرجال .. قال سليمان : – وماذا توصلت ؟ قال الهدهد : – وجدت ان النساء مع الرجال الذين يسمعون رايهن اكثر , عندها فهم سليمان ! .. وامر جموع الطير بالعودة الى وكناتها . طارت الطيور وفي زحمة طيرانها تساقط الاف الريش, الذي يشيد قصرا فاكثر (49) وتنتهي القصة بامتلاك سليمان معرفة جديدة فيما يخص النساء , تكون دليله للتعامل مع زوجته عشوشة . ولكن ايضا تحصل عشوشة على مرادها- بالمصادفة – ” كانت عشوشة المشتهاة تسند رأسها على راحتها وفي عينيها دفء دلال , مليء بالرضا . ما احلى الولوج ببطء, في متاهات الاحلام. في شتاء ليل طويل . لقد ارخت لحلمها وما تشتهي. وبذرت بحماسها والغنج نبتة مورقة, واستراحت .. وتابع سليمان سرب الطيور المغادرة, حين راى الهدهد في زيل السرب يطير دون ان تسقط منه ريشة واحدة (50)”.. تعتمد هذه القصة في دلالاتها, لا على الذاكرة المشتركة على مستوى المجال الثقافي العام ( قصة سليمان الحكيم ), بل وعلى مستوى احد مستويات هذا المجال ( السودان : اذ تسمى فيه احدى العصافير النزقة بعشوشة ) .. (2) الحكاية في الخالة سكينة: وهي حكاية عائلةيكيد افرادها بقيادة امهم المستبدة لزوج اختهم ” الخالة سكينة وجهها الشبيه بوجه جرز هرم , تدير المكائد : قالت لحسن زوج ابنتها سميرة , انك تثير المشاكل وسوف تقابلك نتائجها .. من يومها وهي تنفخ في المزمار , بناتها يصفقن لها ويرقص الجميع على انغام ديسكو خفي بلا حياء . انه شخص لايرجى منه , قالت الخالة سكينة . بخيل وقذر. ارسلت الخالة سكينة لحسن اهوالا باظافر وانياب (51) ويشارك الام ” الخالة سكينة ” زوجها ضعيف الشخصية ” قال زوج الخالة سكينة الذي دائما ما يتظاهر بانه يفهم كل شيء(..) سميرة الضعيفة تحضر نقودها من المدرسة لتنفقها في منصرفات المنزل المتعددة (52)”يحاول الراوي في هذه الحكاية, معالجة ازمة عائلية , بالكشف عن اسبابها المتمثلة في خيبة امل هذه الاسرة, ذات الاحلام المحلقة , في واقع حال هذا الزوج الذي لا يلبي هذه الاحلام العريضة . فيتضارب واقع حاله مع احلامهم , ويبداون في تسريب كل ما يسيء اليه ومن هنا ينشب الصراع بينه وبين هذه العائلة التى تفسد حياته الزوجية , الى ان تصل الامور بينه وزوجته الى حد الانفصال . فيشعر بانه خسر الرهان ” غام العالم في عيني حسن . لقد خسر الرهان . ضيق الم به وعرف ان المكائد وصلت ذروتها (53)” .. ونجد قصة البرينسيسة هي بمثابة اعادة انتاج لهذه القصة .. (3) الحكاية في البرنسيسة: لكن تختلف قصة البرنسيسة عن الخالة سكينة في انها تسلط الضوء اكثر على زوايا اخرى من ازمة يعيشها زوج وزوجته الى حد الانفصال عن بعضهما بسبب تسلط الام ” الام البرنسيسةتتحدث كالعواء . ازماتها النفسية والاخفاقات قالت لنا ان ننسى كل تلك المرارات ورددن خلفها بناتها الثلاث في غضب وتحدي (..) ريم اختهن التي بالعاصمة سكبت كثير من الماء المراق على امل ضائع (..) والدهن المترهل رغم امراضه العديدة الا انه مكابر (..) اماني كالبغلة تهدده بالطلاق (..) قال لاخته العجوز ليأتي احمد وياخذ ابناؤه (54)” وهكذا تحاول هذه القصة تسليط الضؤ على النفسية المعقدة لافراد هذه الاسرة , التي جعلت زوج ابنتهم ” احمد ” يبتعد ليحلق في سماوات لا تطالها اجنحة احلامهم .. الزمن والاسترجاع: في التصور الفلسفي الزمن هو: كل مرحلة تمضي لحدث سابق الى حدث لاحق.. على حين ان غيوم ينظر الى الزمن على انه ” لا يتشكل الا حين تكون الاشياء مهيأة على خط بحيث لا يكون الا بعدا واحدا هو( القول) ” وقد يكون الزمن من المفاهيم الكبرى, التى حار الفلاسفة والعلماء والرياضيون, في الاجماع على تعريفها , مما يدع الباب مفتوحا لكل مجتهد وما يفترضه من تعريف . ولكل مفكر وما يتمثل له من تحديد . ويبدو ان اللغة البشرية لا تزال عاجزة عن عكس مفهوم الزمن حين يراد الدلالة عليه بشيء من الدقة والصرامة . فاللغة يرضيها ان تتحدث عن هذا الزمن في المستوى التقريبي , تاركة المبادرة لالات القياس الزمنية الجديدة التي تحاول الدلالة عليه . والزمن مظهر وهمي يستغرق الاحياء والاشياء , فتتاثر بمضيه الوهمي غير المرئي . فالزمن مظهر نفسي لا مادي , ومجرد لا محسوس , ويتجسد الوعي به من خلال تاثيره لا من خلال مظهره في حد ذاته . لكنه ياخذ مظهره في الاشياء المجسدة (55) ومما يساعد العلماء على تصور النظام الزمني ربط الزمن بالحيز , حيث لا يرون اى وضع حيزي الا مصبوبا في وضع زمني , كدوران الة من الالات او محرك من المحركات , فان الحركة تدل على الزمن و( تظرف) فيه . اذ يستحيل حدوث اى حركة خارج نطاق النظام الزمني المتسلط (56).. ونجد ان الزمن السردي – خاصة – أنه هو الزمن الانساني الواقعي . كما أنه الزمن الباطني المتدفق بحيث يشكل ذلك الجانب الغامض في التجربة الشعورية , وهكذا يرادف معنى الزمن في السرد معنى الحياة الداخلية , معنى الخبرة الذاتية للفرد . ورغم تغلغلها في اغوار النفس البشرية فهي خبرة جماعية , والزمن السردي هو الصورة الحقيقية لهذه الخبرة . ومن ثم فالزمن السردي زمن نفسي , بمعنى انه لا يعني الزمن الموضوعي الذي يتم الاهتداء اليه بمعالمه الفلكية (..) لم يعد الزمن مجرد خيط وهمي يربط الاحداث بعضها ببعض .. اصبح السرديون يرهقون انفسهم في اللعب بالحيز واللغة والشخصية , فاصبحت الاعمال السردية فنا للزمن (57) ومن هنا نجد ان الحلو في قصته” عشوشة تفتقد الصواب ” التي يستهلها بزمن المضارع المستمر ” الطرق العاشقة والعشب ذو النكهة المارقة على مد البصر وعشوش تحمل قلبا يضحك مع الضحى , تكفكف اساورها , وتتمنى لسدرة روحها ان تثمر , والشيخ صلى ركعتين , وشرب مزيج القرنفل والنعناع , ومسبحته تتساقط قناديلا من الاحلام لمساء رائع (58) يعمد الى استخدام مسنويات زمنية مختلفة , اذ يتداخل زمن المضارع المستمر مع مستوى زمني اخر , هو مستوى الزمن ” الاستباقي ” ” اخبرته زوجته عشوش ان يبني لها قصرا من الريش يفوق ما اتى به الاولين (59) ثم تمضي القصة بصوت الراوي , لتلج مستوى زمنيا اخر هو مستوى الزمن الحاضر ” حل الاصيل جاء الهدهد منتفش الريش , يبدو الاجهاد على محياه (60): الى ان تنتهي القصة في المضارع المؤكد بالافعال ( تابع – يطير – يسقط – تزيح – تجعل – تفيض – يشعلن – تسبح ..) في خاتمتها ” وتابع سليمان بنظره سرب الطيور المغادرة حين راى الهدهد في زيل السرب يطير دون ان تسقط منه ريشة واحدة (..) انها الجذوة والنساء يشعلن بالتهجي حكايات الشجن القديم . عشوش تسبح في موج لهوها في قصر من ريش (61) “.. كذلك في قصته ” الخالة سكينة ” , التي يستهلها بالاسترجاع ” الخالة سكينة وجهها الشبيه بوجه جرز هرم , تدير المكائد : قالت لحسن … (62) ” وينتقل السرد من هذا المستوى الزمني الى مستوى اخر هو مستوى ” الاستشراف ” ” كن يحلمن به يمتلك السيارات المحملة والبوتيكات الممتلئة ذات الاضاءة المتلالئة ليلا (63)”ليعود مرة اخرى لمستوى الاسترجاع ” مرت بخاطر حسن سكينة عند حضورها لابنتها في وضعها الاول (64)” لينتقل من هذا المستوى الى مستوى الاستباق ” ضيق الم به . عرف ان المكائد وصلت ذروتها (65)”.. لنجد من خلال ما تقدم ان الحلو يوظف تقنية الاستباق او الاستشراف , في اطار سياق زمن الاسترجاع . ونلاحظ على قصته ” البرنسيسة “أنه قد وظف الاستشراف في سياق الاسترجاع ” ناسيات ان الدنيا تعقبها اخرة وان الايام مصيرها الى زوال (66)” وما نلاحظه على التقنيات الزمنية المذكورة طبقا لما تقدم , ان الزمن بصورة عامة يتجلى عند الحلو في اللغة , لغة الوعي واللاوعي والاحساس الذي يذكي الخيال فينقلنا من لحظة الى اخرى ومن لذة الى لذة , حينما نسترجع حدثا جميلا مر بنا كالبرق الخاطف , فعبر سماء حياتنا الموحشة في لحظة هي اقصر من اللحظة وقد ينقلنا الخيال من الم الى الم عندما نشعر بفقدان عزيز او ضياع ثمين . وهكذا تحاول الذات المبدعة باسترجاع الماضي الجميل وصنع المستقبل البديل , ايقاف الزمن واللحظة الهاربة , عن طريق الكتابة للتمتع بها او للتحسر عليها . وبهذه الطريقة يتم تمديد لحظة الاحساس قصيرة العمر , حتى تصبح اطول عمرا بزمن القراءة , الذي قد يشغل حيز صفحات كاملة . ان اللغة هي التي تعبر عن كون الزمن يشكل بحضوره المستمر خلفية التجربة , لذا فالزمن داخلي وكامن في طبيعة اللغة المعبر بها في الخطاب , فبنية الكلمات هي البنية العامة الوحيدة لفكرة الزمن الداخلي (67)…نقد احمد ضحية
صديق الحلو
[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..