مقالات وآراء

عسكرة المجتمع… وخطر السلاح خارج أطره النظامية

لم تعد عسكرة المجتمع في السودان نتيجة جانبية للحرب، بل أصبحت خياراً واعياً جرى تبنّيه وتغذيته.
فالسلاح الذي انفلت في الشوارع والقرى لم يخرج من فراغ، ولم يصل إلى أيدي عشرات المليشيات القبلية والحزبية والمناطقية مصادفة.
ما جرى—ويجري—هو عملية تسليح ممنهجة، ارتبطت بحسابات عسكرية ضيقة، سعت من خلالها أطراف الصراع إلى توسيع دوائر الدعم وكسب المعركة، ولو على حساب المجتمع والدولة معاً.
في هذا السياق، تتحمل كلٌّ من القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع مسؤولية مباشرة عن تغذية هذه الظاهرة السالبة.
فبدلاً من حصر السلاح داخل الأطر النظامية، جرى فتح مخازنه وتوزيعه على “داعمين” و“مستنفرين” وأجسام مسلحة، بلا تدريب مهني، ولا انضباط عسكري، ولا خضوع لقانون أو سلسلة قيادة واضحة.
الهدف كان واضحاً: استقطاب الولاءات، وخلق قوى مساندة على الأرض، تُستخدم كرافعة بشرية في معركة كسر العظم.
لكن السلاح الذي يُوزَّع بدافع الانتصار السريع، لا يعرف طريق العودة.
فما إن يُسلَّم إلى مجموعات ذات ولاءات ضيقة، حتى يتحول من أداة قتال إلى وسيلة ابتزاز، ومن “إسناد” إلى سلطة أمر واقع.
وهنا تبدأ الكلفة الحقيقية: سلاح منفلت، ومليشيات تتكاثر، ومجتمع يُدفع دفعاً نحو منطق الغلبة والعنف.
الوقائع على الأرض تؤكد ذلك.
فقد تصاعدت تجاوزات خطيرة ارتكبها مسلحون ينتمون إلى هذه التشكيلات، من السطو المسلح وقطع الطرق، إلى الاعتداء على المدنيين، والقتل العمد، وتسبيب الأذى الجسيم.
هذه الجرائم ليست انحرافات فردية، بل نتيجة مباشرة لتسليح غير منضبط، شجّع على الإفلات من العقاب، وخلق شعوراً زائفاً بالقوة والحصانة.
الأخطر أن الجيش والدعم السريع، وهما يسعيان لتوظيف هذه المليشيات في كسب المعركة، أسهما عملياً في تقويض ما تبقى من فكرة الدولة.
فالدولة لا يمكن أن تقوم على تحالفات مسلحة مؤقتة، ولا على تفويض العنف لجماعات خارج القانون.
وحين يُستخدم السلاح كعملة سياسية أو عسكرية، يفقد معناه كأداة نظامية، ويتحول إلى وقود دائم للفوضى.
إن عسكرة المجتمع بهذا الشكل لا تهدد الحاضر فحسب، بل تدمّر المستقبل.
فهي تعمّق الانقسامات القبلية والمناطقية، وتحوّل الشباب إلى مقاتلين بلا أفق، وتزرع اقتصاداً موازياً قائماً على السلاح والجريمة.
والأسوأ أن هذا السلاح، الذي وُزّع اليوم لكسب المعركة، سيكون غداً في مواجهة المجتمع نفسه: في نزاعات محلية، وجرائم منظمة، وصراعات لا تنتهي.
الحديث عن “الضرورة العسكرية” لم يعد مبرراً.
فكل سلاح يُوزَّع خارج القانون هو رصاصة مؤجلة في صدر المجتمع.
وكل مليشيا تُنشأ لكسب جولة، تُخسِر الوطن سنوات من الاستقرار.
تحميل الجيش السوداني وقوات الدعم السريع مسؤولية هذا المسار ليس استهدافاً سياسياً، بل توصيفاً لواقع، والاعتراف به شرط لأي تصحيح.
إن وقف عسكرة المجتمع يبدأ بوقف تسليحه.
يبدأ بإغلاق قنوات توزيع السلاح، وسحبِه من الأيدي غير النظامية، وحلّ المليشيات، وبناء مؤسسة عسكرية مهنية واحدة تحت سلطة مدنية وقانون واحد.
غير ذلك، سيظل السودان يدفع ثمن معارك تُكسب بالسلاح، وتُخسَر بالأوطان.

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..