مقالات سياسية

هل “نحن كدا” 

 د. زاهد زيد 

بعد مقالي الأخير في الراكوبة ” أنا والراكوبة وصورتك الخايف عليها ” وردت لي كثير من الرسائل ، التي تعبير عن مشاعر الحب والتقدير والاحترام لما أكتب . فلكل من كتب الشكر والتقدير . 

من ضمن ما وردني ، اتصال تلفوني من صديق عزيز ، تفصل بيني وبينه آلاف الأميال ، مع القرب الوجداني الذي لم تضعفه الأيام  

قال لي صديقي الذي غادر السودان في نفس العام الذي حدث فيه انقلاب الكيزان اللئام ، واختار المنفى الإختياري في بلاد بعيدة وهادئة في السهل الأوربي ، ولم يعد للسودان إلا مرة واحدة فقط ، قال لي : لو تذكر ما قلته لك يوم أن ودعتني في مطار الخرطوم في ذاك اليوم من عام 1989م وبالتحديد في الخامس من اكتوبر ، حينما قلت لك أن سبب مغادرتي هو أن هذه البلد ( يعني السودان ) لن ينصلح حاله مع حالة الجهل والفقر والمرض ، واعترفت لك أنني عاجز عن المقاومة ، وأنني فار بجلدي لأن العمر نعيشة مرة ، ولست على استعداد لأضيعه هنا .  

قلت له نعم أذكر كل ذلك وأذكر أنك قابلت اتهامي لك بالهروب والضعف ، بضحكة وقلت لي عاجلا أم عاجلا ستفهم موقفي . ثم أردف قائلا لقد قرأت مقالك الأخير في الراكوبة ، وقلت في نفسي هل تذكر صديقي و فهم كلامي وأنه يقاتل طواحين الهواء .؟ 

اعترف لكم أن كلامه لمس في وترا حساسا ، فهزني ولم يهزمني . فالاحباطات كثيرة والمحبطات أكثر ، ولكن لي جولات وصولات مع الجهل بكافة أشكاله ، لم تنل من عزيمتي أبدا .  

للراحل الفاضل سعيد مسرحية في الستينات شاهدتها على التلفزيون وعلى اليوتيوب عشرات المرات ( نحن كدا ) ناقدا فيها المجتمع ومبرزا صوره السالبة .لكن كم من صورة سالبة سببها التعصب والجهل تقابلنا كل يوم . 

واحد من الأصدقاء الصحفيين ، كنت أرى فيه ملامح الصحفي الناجح ، وكنت اشجعه للكتابة إلى أن حدثت مشكلة شرق البلاد أو قل فتنة الشرق حتى خلع رداء القومية ولبس لباس القبلية وكتب مهددا بانفصال الشرق ، هكذا ببساطة سقط ومثله كثير . 

( نحن كدا ) علينا أن نعترف بأنا على هامش الحياة في كل شيء حتى في انتماءاتنا الحزبية ، رجل حزب الأمة المثقف يمكن أن تجده ببساطة مؤمن بمهدية المهدي وتسلط عائلة المهدي على حزب الأمة وراثة لا ينازعهم فيها أحد . ورجل حزب اليسار تجد ظاهره الايمان بالديمقراطية والويل لك إن خالفته ، ورجل حزب الجهل والضلال الكيزاني “مدعي العلم والفقه ” أبعد ما يكون عن شعارات حزبه الإسلامية . وقس على هذا . 

كثيرون لا يعلمون أن الترابي لم يوظف عبقريته في تكوين جماعته إلا كردة فعل لسيطرة الحزبين الأمة والاتحادي على الحياة السياسية ، ولأنه كان ذكيا جدا لم يجد ما يقارعهم به غير استخدام الدين ليحقق به مآربه السياسية، وكان اختيارا ضمن له التأييد من قطاعات واسعة من الناس ، ليس حبا فيه ولكن أملا في أن يجدوا فيه المخرج الدنيوي والأخروي من تسلط آل المهدي والميرغني على البلاد  

ولكن كان واضحا ان الامر لم يكن امر دين ولا وطن ، وليس امر حزب شمولي يريد ان يفرض اطروحاته بالقوة ،و سرعان ما تشخصنت الامور لاشباع الذات الانانية فمنهم من اهتبلها فرصة للقفز على المناصب ومنهم من وجدها فرصة للغنى المحروم منه ، وكان الترابي نفسه أول ضحية للغرس الذي زرعه . 

ونعود لنسأل عن أحزاب أخرى شمولية كانت أم مدعية للديمقراطية، ما نصيبها مما تتبناه من شعارات ، الكثيرون ولا أعمم ، لا يفهمون الديمقراطية إلا في اتجاه واحد وهو اتجاه حزبهم، حتى لو دخل الحزب جحر ضب لدخلوا خلفه، والمخالف لهم كافر في عرف الكيزان اللئام ، وكوز مندس في عرف اليسار . 

وتعود الساقية للدوران من جديد، الكيزان ومن لف لفهم يعقدون أن الحكومة هذه حكومة اليسار وعلى رأسهم الشيوعية، وقد حاولوا من البداية محاربتهم باتهامهم بالكفر، ولكنهم فشلوا في ذلك لأن الناس يعرفون أنهم أبعد الناس عن الدين وقد انخدعوا بهذا مرة فلا يمكن أن ينخدعوا به مرتين . 

اليسار وخاصة الشيوعيين من الصعب عليهم تسويق فكرهم مهما استماتوا في توضيح أن الشيوعية لا تحارب الدين وأنهم مؤمنون بالديمقراطية ، ولكنهم لا زالوا يكابرون ، وأفعالهم تناقض كلامهم . 

لن يستطيع حزب الأمة الفكاك من عائلة المهدي مهما ادعوا من تحديث للحزب ، ينشق منهم من يشاء ويرجع من يشاء والسيطرة معروفة لمن .  

هل بقي من اسم الاتحاد الديمقراطي شيء غير اسمه ، لايبدو ذلك فالحزب مملوك لآل الميرغني شاء من شاء وأبي من أبي . 

أنت أيها الصديق العزيز  واخاطب صديقي  حيث منفاه الاختياري آثرت الهروب من هذا الواقع المؤلم الذي لم يسفر إلا عن ثلاثة انقلابات من عبود للنميري وأخيرا الانقاذ ، ولا يزال البعض يائسا يبشرنا بانقلاب رابع . 

أما ما أراه أنا فشيء آخر تماما سيقلب الصورة رأسا على عقب ، شيئا يتشكل في الأفق الملئ بالضباب ، سيغير كل هذا المشهد الكئيب . 

لن يكون الحل في انقلاب عسكري ، ولا في أحد الأحزاب التي نراها الآن ، الرهان على شباب الثورة ، وعلى قيادة شبابية واعية تشكل سودان ما بعد التيه والضلال الذي كنا نعيش فيه . 

ولنا عودة إن شاء الله .

د. زاهد زيد
[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..