مقالات وآراء

زوزو,,

زوزو مطرب سوداني من حي الوادي (نيالا), أطل على ليالي الغناء في المدينة الشهيرة تجارياً وأدبياً و ثقافياً, كان يؤدي أغنيات المبدع العبقري الذي لم يجد مكانته التي تليق به في خارطة الغناء السوداني, الأستاذ الفنان القدير والمميز الامبراطور (الهادي الجبل) الفلتة التاريخية, الذي يعتبر ملهماً وأباً روحياً للأسطورة الخالدة (محمود عبد العزيز), فقد رفد الهادي محمود بكل الابداعات و التجليات التي أخرجت الحوت إلى فضاء الغناء السوداني الواسع الشاسع, الهادي هو عبقري الغناء السوداني الذي لفظته الأجندة الخفية والشكلانية في مجتمع يعاني الاستلاب الثقافي, فقد منعته هذه الأجندة عن تربع عرش ومسرح الطرب والغناء السوداني دون منازع, وما كان لنا أن نستشعر دفق نبع هذا السلسبيل اللذيذ لولا ابن نيالا وابن حي الوادي الفاخر المغني و المطرب (زوزو).

ما تعودت أخاف من قبلك إلا معاك حسيت بالخوف, عارف وين خطواتك ماشة وأمري معاك ما معروف, كم حاولت أعاند زيك واقسى عليك بي كلمة شوية, إلا غصباً عني قبل عنادي تجي الحنية, درباً سرتو معاك بي قلبي منو بلاك ما بتبقى الجية, أنا المجبور استنى رضاك وانت أريتك ترضى علي , ما فارقت يوم ذكراك وانا ذكراي عندك حنية , كلمات عميقة مشحونة بالشجن والشوق تعبر عن وجدان الإنسان السوداني الذي ينبض قلبه بكل الوفاء والود و الحب و الصدق في الالتصاق بتراب الوطن الحبيب و الحبيب الوطن, (أمري معاك ما معروف؟؟؟؟!!!!) ختام الأغنية يجسد أزمة السودان الثقافية والاجتماعية والسياسية.

حي الوادي من الأحياء العريقة بمدينة نيالا, منه أطلت على سماوات النجومية السودانية كثير من الشخصيات الملهمة للفن والتراث مثل عازف الفلاوت حافظ عبد الرحمن مختار, و صاحب ديوان عيناك و الجرح القديم (محمد سعد دياب) والروائي الشهير (الطاهر الدخيري) صاحب رواية (لن تموت الأزهار) المطبوعة في بغداد في ثمانينيات القرن المنصرم, والراحلة عفاف الصادق حمد النيل رفيقة درب العملاق أبو عركي البخيت, ومصطفى أحمد الخليفة (فرقة الأصدقاء المسرحية).

السؤال الشاهد على مقدرات المطرب (زوزو) واستطاعته نقل الثقافة والغناء السوداني المركزي الأوسطي لمدينة نيالا بجودة عالية, عبر أعمال المطرب صاحب الصوت الثوري الجهور (الهادي الجبل), ونشره عبر مجتمعات وسكان مدن نيالا والفاشر والجنينة وزالنجي, هو كيف استطاع (زوزو) وكيف تمكن من ترجمة أغنية الوسط و جعلها مهضومة لدى إنسان دارفور المتمسك بتراثه الثر والمتعصب له احياناً؟؟, هذا السؤال يجب أن يجيب عليه أساتذة الغناء والموسيقى المركزيين والإقليميين, وحتى نعمل جميعاً على الاجابة على هذا السؤال الجوهري علينا أن نجيب على السؤال الثاني: (ما هو سبب استمرار مأساة السودان الاجتماعية والاقتصادية على الرغم من وجود هذا الكم الهائل من الثراء المادي والثقافي والمعرفي و القيمي و الأخلاقي الكبير؟).

هذه الملاحظات أردت أن أوجه بها رسالة وطنية خالصة مبرأة من الأغراض السياسية, وهي أن الشعوب ولو اختلفت لغاتها وسحناتها فان الموسيقى توحدها, تماماً مثلما يحدث للمبدع السوداني الذي لا ينسجم وجدانه إلا مع الغناء الأثيوبي و الأريتري و الغرب ووسط وشرق أفريقي, والنوبي الأسواني و الجنوب سوداني فالشعوب لا تنسجم إلا مع تراثها, وإذا أردت أن تتعرف على ثقافة شعب فابحث عنها في الموسيقى والايقاعات الشعبية, أغنية زينوبة النوباوية أشعلت حماس ساحات مسارح الدول العربية أكثر من أغنية (دخلوها وصقيرا حام), وأغنية (حمرا الريده جمرة) حركت مسارح بلاد الشام أكثر من أغنية (طبل العز ضرب), وأغنية (دروب سلام) حازت على جائزة تونس حيث لم تتمكن أي أغنية سودانية أخرى من ذلك, وهي للفنان والمطرب السوداني عمر إحساس, وأغنية (القمر بضوي أنا شن بلاني بالنجوم عشان أم زومة ببكي للحول و اصوم) للأزرق (كحل الشيخات) المبدع عبد القادر سالم, والتي شدت بها مطربة اسرائيلية لم تعر انتباهاً لأغنيات الدلوكة و جلد السوط وقطع الرهط, لأن الايقاع و السلم الموسيقي هو الأمضى أثراً على قلوب الناس من اللغة !!!.

أين ذهب هذا الشاب الوسيم (زوزو)؟؟, أتمناه هانئاً سعيداً في إحدى بلاد الله الواسعة, لقد سمعنا عبر صوته الطروب (أقول أنساك) و (سرحتي) وغيرها من أغنيات العملاق الهادي الجبل, فهل سافر زوزو في عيون ما زالت تسأل في أعماق عاطفة متفجرة؟, هل جائه الماضي بالماضي؟ أم هل نظر لذات الماضي وتذكر الشوق الذي لا يعادي؟ أم عاد به الشوق والهيام لذات المحطة؟ أظنه قد عاش ذات تجربة ذلك الحب الذي مضى برغم قساوته ومرارته واستطالة أمده,,!!
إسماعيل عبد الله
[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق