إزالة التمكين في الخارجية القرار الصائب

أثارت قرارات لجنة إزالة التمكين بشأن الخارجية جدلا كبيرا ، وضجت مواقع التواصل الإجتماعي بالأراء المادحة والقادحة . وتطرف رواد الطرفين في ارائهم حول القرار الذي أعلن مساء السبت الماضي بإحالة (109) من سفراء ودبلوماسيين وإداريين الي الصالح العام بناء علي قانون إزالة التمكين الذي أجيز قبل عدة أشهر. من ضمن الأراء التي أثيرت ماهي شرعية وقانونية هذا القرار ، وهل يتنافي مع القوانين الأخري مثل قانون الخدمة المدنية أو قانون السلك الدبلوماسي ولوائحهما . وقبل الحديث عن هذه القرارات نشير هنا الي أنها لم تكن الأولي في تاريخ السودان، فقد سبقتها قرارات منذ في اعقاب ثورة أكتوبر بقانون الصالح العام ولجنة تطهير الخدمة المدنية والعسكرية والتي كان من أعضائها عزالدين علي عامر ومحمد صالح عمر وعزالدين السيد، وفعلت مافعلت في الخدمة المدنية وفي كل القطاعات حيث فقدت البلاد الناشئة والخارجة للتو من الإستعمار خيرة أبناء السودان المؤهلين واللذين أسسسوا الخدمة المدنية والعسكرية وكانو نواة لدولة يمكن أن يبني عليها (يمكن الرجوع لكتابات منصور خالد وعزالدين السيد وغيرهم في هذا الصدد) .
ثم جاءت مايو 1969م وأيضا فعلت مافعلت بالصالح العام ، حتي أنه من النوادر أن كان هناك (11) وزارة في بداية عهد مابو كان هناك (9) من وكلاء هذه الوزارات من الحلفاويين ، كلهم أقيلوا للصالح العام .كذلك فعلت مايو في نسختها الثانية بعد فشل الأنقلاب الشيوعي نفس التصفية في الخدمة المدنية والقوات النظامية والقضاء والجامعات ، كما حدث في اكتوبر ومايو الأولي .تكرر ذلك في أعقاب إنتفاضة أبريل 1985 من خلال إجراءات كنس أثار مايو ، والتي لم يسلم منها أعمدة قاعة مجلس الشعب (البرلمان) حيث هناك (25) عمود تم تكسير إحداها لتصبح(24) لان (25) مايو هو تاريخ إستيلاء النميري علي الحكم وكان عيد يحتفل به حتي اللذين أصدروا قرار تكسير العمود الأخير .
وجاءت الإنقاذ من خلال إنقلاب عسكري علي الشرعية الديمقراطية المنتخبة ، بتخطيط ودعم ومشاركة أساسية لحزب الجبهة الإسلامية ، المشاركة في الحكومة الديمقراطية من خلال (51) نائبا كانوا أعضاءا فاعلين في الجمعية التاسيسية .واصدرت قانون الصالح العام عام 1990م ،والذي بموجبه تم فصل وتشريد مئات الالاف من الخدمة المدنية وكل القوات النظامية والقضاء والعدل ، والسبب في معظم الحالات إن لم يكن في كلها الشك في الإنتماء الديني وضعف الإسلام في نفوس المفصولين وسوء علاقتهم بربهم وأن إسلامهم غير صحيح وأن نواياهم غير صادقة في عبادة الله وانهم من المبشرين بالنار لأنهم فاسقين وفاسدين دينيا وأخلاقياً، وهذا ماتم فصل السفراء و الدبلوماسيين و(الدبلوماسيات) والإداريين بسببه من وزارة الخارجية . إذن في عهد الإنقاذ أخذ الفصل للصالح العام طابعاً عقائدياً ، بخلاف الفترات السابقة والتي كان طابعها سياسيا بحتا .
وكأن متخذي القرار حصلوا علي موافقة ربانية ، وتنزل عليهم الوحي وأسر إليهم بأسماء هؤلاء الفاسقين . وتخيلوا أن هذه المجموعة التي نفذت هذه المجازر كانت بقيادة عوض الجاز والطيب سيخة ومجذوب الخليفة وتحت إشراف مباشر من العقيد محمد الأمين خليفة بعد موافقة تنظيم الأخوان المسلمين عليها ومباركتها بهدف التقرب الي الله ودخول الجنة.
إذن نحن أمام تاريخ طويل من الإقصاء والفصل وقطع الأرزاق ، إلا أن ما فعلته الإنفاذ كان أفظع للأسباب أعلاه .لكن الأهم ماذا فعلت الإنقاذ ؟؟؟ إستبدلت المفصولين للصالح العام بتعيينات كانت بحق كارثة علي الخدمة المدنية والعسكرية ، وما يهمني هنا الخدمة المدينة والتي عملت فيها لفترة طويلة وخرجت منها طائعا الي الإغتراب بعد ضيق الحال.
وما دفعني للكتابة الكشف الأخير الخاص بالخارجية من إزالة التمكين بهذه الوزارة السيادية المهمة جدا . وبحكم صلاتي من نسب وعلاقات أسرية وناس دفعة في الجامعة أعرف الكثير عن وزارة الخارجية وقصصها ونوادرها وفضائحها في عهد الإنقاذ ، وعندما اقول عهد الإنقاذ لأن منتسبيه اللذين يدعون الطهر والعفاف والعفة والكفاءة ، كا أن أسوا من غيرهم ، لأنهم في الأساس لم يعكسوا حقيقة ما إدعوا تمثيله ، وهو الإسلام وما يمثله من قيم .وأول هذه القيم العدالة حتي فيما بينهم إذا تجاوزنا مؤقتا ظلمهم لغيرهم .
تم الإستيعاب في الخارجية عبر أسلوبين ، أحدهما التعيين بقرارات جمهورية لمجموعة من الأخوان المسلمين في شكل مجموعات أو أفراد كل خبراتهم أنهم عملوا في منظمة الدعوة الإسلامية أو الوكالة الإفريقية الإسلامية للإغاثة أو كانو في سكرتيرين لمسؤولين في التنظيم وهم ماشملهم الكشف الأول من إزالة التمكين (16) سفير .
سبقهم البعض بالإحالة للمعاش ، وكانت سيرة هؤلاء في وزارة الخارجية أسوأ سيرة وأسوأ سلوك في السفارات وقد رايناهم عندنا هنا في دول الخليج وسمعنا قصص بعضهم في الدول الأخري ، وهؤلاء هم من سيطر علي الخارجية وكانوا يعدون كشوفات الصالح العام .
أعقبهم إستيعاب مجموعتين عام 89 و92 وهي التي أعلن عن وظائفها ، ولكن كان للتمويه بينما كانت كشوفات التعيين جاهزة والمضحك أن من بينهم راسبون حتي في الإمتحان الصوري الذي تم وضعه . والدفعة الأولي 89كانت من رؤساء الإتحادات الطلابية وقيادات الطلاب في الداخل والخارج ، حتي أن أحد اقربي جلس لهذه الأمتحانات أخطره واحد من دفعته وقال له بالحرف إنت تعبان ساكت نحنا كشفنا جاهز قبل الإمتحانات وما حاتتدخل معانا، وبالفعل تم ذلك.
كذلك الدفعة الثانية 92 رؤساء إتحادات طلابية طبعا من الأخوان وقيادات طلابية وبعض عساكر جهاز الأمن ممن عملوا وسط الطلاب وكانو يعملون في تأمين المواقع أيام الإنقاذ الأولي.
إذن بعد فصل العشرات للصالح العام تم إستبدالهم بهاتين الدفعتين دون إمتحانات حقيقة ومعايانات ومنافسات شريفة، فكان أن إستوعبت الخارجية حوالي (60) دبلوماسي خلال الثلاث أعوام الأولي كان بمثابة طلائع الكيزان لوضع لبنة الدبلوماسية الرسالية، فكانت الفاجعة ولأن كل إناء بما فيه ينضح فشلوا فشلا ذريعا في ديوان الوزارة وفي السفارات لأدائهم الضعيف وعدم الألمام باللغات والبروتوكول وطبيعة ومهام الدبلوماسي وحتي الأتفاقيات الدولية التي تحكم العمل الدبلوماسي.
وأغلب هؤلاء هم القائمة الثانية التي تضم (34) سفيرا ، لانه بحكم الوقت تمت الترقيات ووصلوا الي درجة السفراء ، هم والمجموعة الأخري التي تلتهم والتحقت بالخارجية عام94 حيث حاولت جماعة الإنقاذ إعمال أسلوب الإمتحانات والمعاينات، ولكنها أيضا سارت علي ذات درب الدفعات السابقة وكان معظم هذه الدفعة ضمن القائمة الجاهزة ودخلوا الإمتحان صوريا من ضمنهم سكرتيرة امين مجلس الصداقة الذي أصبح وزبرا وسكرتيرن مسؤؤلين في التنظيم ومنظماته الطلابية وغيرها .هكذا أضيف (30) آخرين للمجموعة أعلاه.
وذلك في إطار تمكين الدبلوماسية الرسالية، إلا بعض مسؤلي التنظيم المسؤليين من الشأن الخارجي إكتشفوا هذا الفشل الكبير وما ترتب عليه من فضائح في الاداء والسلوك الغير أخلاقي والفساد المالي والإداري، والصراع الذي تولد بين هذه المجموعات حول الغنائم والنقل الي السفارات المميزة، فبدأوا يكيدون لبعضهم البعض ويتلاعبون كل حسب نفوذه في أعمال وإستحقاقات النقل الي السفارات والترقيات .وفي هذه الفترة حدث الإنشقاق داخل التنظيم وإرتقي الجهل والكذب والخداع والنفاق سنام الخارجية ممثلا في مصطفي عثمان، الذي يوصف بأنه أسوأ وزير خارجية مر علي هذه الوزارة في تاريخ السودان.
لما يتمتع به من جهل وحقد والأسوأ الكذب ووصله لهذا الموقع بالنفاق ولحس الأحذية للبشير وعبد الرحيم محمد حسين.
فكانت وزارة الخارجية إمبراطوريته الخاصة التي عمل فيها تنكيلا وتشريدا لأفضل الدبلوماسيين وقرب منه عصابة للاسف منها دبلوماسيون من عهود سابقة، وكان يتلاعب بالترقيات ويغير اللوائح والقوانين حسب مزاجه ويتدخل في كل كبيرة وصغيرة كما ذكر لنا العالمون ببواطن الأمور، والأسوا من ذلك كان يتسول دول الخليج الدعم لمؤتمرات مزعومة ويستلم أمولا طائلة لاتدخل في حسابات الحكومة ويتصرف فيها شخصيا دون علم أي أحد، ولا حتي المسؤولين في الدولة يعلمون كم جني من هذا التسول.
إضافة الجهله باللغة الإنجليزية وحتي العربية، لكنه كان يقضي حوائج البشير وعبد الرحيم . والإنهيار والتدهور المريع في عهده مازالت تعاني منه وزارة الخارجية حتى الآن، وقد سمعت الكثير من السفراء والدبلوماسيون يرددون تفاصيل كذبه وأسلوبه المفضوح في الكذب والتسلق وأكل مال التسول .كذلك هناك الكثير من القصص في تعيناته بوزراة الخارجية والتي كان يخدع فيها البشير بأنهم خبراء، أو أنه أجري معاينات تحت إشرافه وكثيرمن اساليب الكذب والخداع في هذه التعيينات.
كذلك سمعنا الكثير عن تجاوزات علي كرتي، والذي إلتقيته في فترة سابقه في السعودية، وعندما حدثني البعض وقرأت عن تعيينه لزوجته وأقاربه وتجاوزاته، لم أكن مستغربا لذلك ولكن ماأثار دهشتي كيف اصبح صاحب المغلق الذي رايته داخل مغلقه في بحري وزيرا للخارجية . هذه من عجائب الإنقاذ ، وقد حكي لي زميل دراسة عمل بالخارجية والآن هو بالمعاش أنه تم تعيين سفراء ودبلوماسيين كانو يعملون في وظائف تصنف بانها محلية في سفارات دول عربية في امريكا وأوريا والدول العربية، حتى أن من بينهم من عمل جزاراً في بقالة اليابان، وتم تعيينه سفيرا في اليابان ؟؟؟؟؟؟؟!!!!!!!!
هذه من عجائب عقلية التنظيم العقائدي الذي جثم علي صدر هذه البلاد(30) عاما حسوماً.هناك الكثير من الفضائح والفظائع التي إرتكبها دبلوماسيو التمكين يعرفها كثيرون في العديد من الدول ، ولكن أشير فقط الي فضيحة أحد الدبلوماسيين هنا في إحدي دول الخليج عندما كان وزيرا مفوضا وهو حقيقة شخصا مفوهاً قرأت إسمه ضمن السفراء المفصولين بعد إعادته من دولة آسيوية، عندما حملت منه سفاحا إحدي الفتيات السودانيات، وقام هو بترتيب زواجها من شخص يعمل داخل السفارة، وقيل لي أن ذات القصة تكررت في الخليج مع فلبينية وفي مصر مع قنصل سابق في القاهرة .بالله عليكم أين الدبلوماسية الرسالية والكفاءة التي يتحدثون عنها . هذا غير الفساد المالي وإستغلال النفوذ المزعوم في السفارات لتحقيق أغراض شخصية.
حسناٌ فعلت لجنة إزالة التمكين أولا بإعادتها المفصولين تعسفيا ، وفصلها لهذه المجموعة التي تتميز بتارخ سئ حسب علمنا داخل وزارة الخارجية ملئ بالفشل وضعف الأداء والمؤامرات والتجاوزات والفساد المالي والإداري ، كل فرد في هذه المجموعة لديه تأريخ من الفشل والسوء يعرفه هو جيدا ، ولسوء حظهم نشرت أسماؤهم وبدا الناس يتساءلون عن تارخ كل واحد فيهم منذ دخوله المدرسة الأولية /الإبتدائية وحتي تخرجه من الجامعة وكيفية تعيينه في وزارة الخارجية وسيرته فيها ، فليصمتوا حتي لاتخرج لهم الناس ملفاتهم القذرة وتاريخهم في أوساط الطلاب وأثناء توظيفهم.
فالسودان لا تخفي فيه خافية ويمكن أن تكون المعلومات المتداولة أكثر بكثير مما يعرفه العامة.
أما الناحية القانونية فإنه بالطبع إستند علي قانةن تفكيك نظام الإنقاذ الذيأجازه الإجتماع المشترك لمجلسي السيادة والوزراء إستنادا علي الوثيقة الدستورية .ولكن المهم ثم ماذا بعد؟ لأن وضع الخارجية يختلف عن وزارة أخرى، لابد من أن يكون الكادر مؤهلا للتعامل مع العالم الخارجي، وهذا يعني أن لايكون الشخص من القيادات أو الكوادر السياسية ، وليس بالضرورة كل من عمل في المنظمات الدولية دبلوماسيا ناجحا أو عاش في أوروربا يصلح للعمل الدبلوماسي.
لابد من فتح هذه الوظائف والإعلان عنها للتنافس الحر ثم يخضع اللذين تم إختيارهم للتدريب علي الأقل لتسعة أشهر داخل السودان ، ثم الكورسات الخارجية حتي لاتتكرر الفضائح والتجاوزات في العمل الدبلوماسي في السفارات في الخارج.
وهناك نقطة مهمة يعتقد البعض أن بعض الدبلوماسيين في السفارات يتجاوزون علي المغتربين أو المقيمين في الخارج ، وفي الحقيقة هؤلاء هم ضباط الأمن المنتدبين من جهاز الأمن للسفارات ، وهم بما يتوفر لديهم من ميزاينة كبيرة يشترون المصادر وسط الجاليات ويتدخلون في تكوين الروابط حتي في الدول الأوربية ، ولابد من مراجعة وضع هؤلاء في السفارات لأن مهامهم التعامل مع الأجهزة المماثلة ومتابعة التهديدات الأجنبية للسودان إن وجدت ،ولكن ليس القيام بمهام السفارة في كل شئ ، والمشكلة أنهم يتفاخرون أمام الناس برتيهم العالية وأموالهم المبذولة .لذا نجد أن الكثيرين لايفرقون بين الدبلوماسيين وضباط المن في السفارة .
عصام دريسة
[email protected]



