مأساة طلاب دارفور (ببخت الرضا)

مأساة طلاب دارفور (ببخت الرضا)
إن الخيبة لكبيرة إزاء ما جرى لطلاب بخت الرضا من أبناء دارفور، ليس الخيبة من المجموعة الحاكمة فهؤلاء عودنا على الخيبات والانكسارات، خيبتنا من أنفسنا، نحن الشعب، لعجزنا عن فعل شيئ يوقف المأساة، اكتفينا بتسقط أخبارهم وبثها للآخرين ليتفرجوا بدورهم على المشاهد المؤلمة التي عاشها الطلاب منذ مغادرتهم الجامعة سيرا على الأقدام حتى الطريق القومي الرابط بين الخرطوم – ربك، ثم منعهم عند بوابة مدخل “العاصمة القومية” من الدخول مثلما منعت إسرائيل الفلسطينيين من الدخول للمسجد الأقصى .. وتتابعت سلبيتنا في التعامل مع أزمة الطلاب المغلوب على أمرهم، ونحن نكتفي بمشاهدة الحصار المضروب عليهم في منطقة “الشيخ الياقوت”، لا هم حققوا مطالبهم بالعودة إلى الجامعة ولا هم تركوهم يصلون الخرطوم ليتدبروا أمرهم والعودة إلى أهلهم، ولا ساعدوهم في العودة إلى اهلهم من هناك بتوفير وسائل نقل، ولا هم تركوا الخيريين الوصول إليهم وتقديم المساعدة إليهم.. فيا لها من خيبة.
الأزمة كشفت أن بعض احزاب المعارضة هي والحزب الحاكم سواسية في انعدام الأخلاق وتقديم الأجندة الحزبية على القضية الإنسانية، وانا أقول بعض الأحزاب المعارضة وليس كلها لأن حزب المؤتمر السوداني اثبت أنه الأكثر تاهيلاً سياسياً واخلاقياً لتقدم الصفوف، حزب لأجل خدمة القضية التي يؤمن بها مستعد ان يدفع قادته ثمنها اعتقالاً وتنكيلاً من السلطات الأمنية، وأن يتخلى عن اجندته ويمشي خلف كل من يسير معه في الإتجاه على الرغم من احقيته في تقدم الصفوف.. وذلك ما عجز ان يفعله الحزب الشيوعي.. عجز ان يتعامل مع القضية في إطاراها الإنساني وأبى إلا أن يقدم اجندته الحزبية على الإنسانية، وأصر ان يستخدمها وسيلة لخدمة برنامجه، الرامي لبناء تحالف سياسي عريض على أنقاض تحالف (نداء السودان) تحت قيادته هو لا قيادة غيره، وهو ما فطن إليه حزب الامة القومي، حيث سارع باستضافة مؤتمر صحفي لرابطة طلاب دارفور في ذات اليوم الذي يستضيف فيه الشيوعي ما يفترض أنه
مؤتمرا صحفيا للمعارضة التي تنضوي تحت التحالف الجديد (العريض)، يحدث هذا في الوقت الذي يفترش فيه الطلاب في “الشيخ الياقوت” الأرض ويلتحفون السماء، وسيارات الدفع الرباعي للشرطة تحيط بهم وتطوقهم تاهباً للانقضاض عليهم، ولا يجدون من الأكل إلا ما جادت به اقداح أهل المنطقة وشيخها الفاضل.. فأية خيبة هذه.
كل ذلك موضوع ثانوي دعونا ندخل إلى موضوعنا الأساسي،
ليس هنالك اي تفسير لما جرى خلاف أنه عمل ممنهج ومدروس ضد أبناء دارفور بالجامعة، الأحداث التي شهدتها الجامعة وتابعناها قام بها جميع طلاب الجامعة، وكان طلاب المؤتمر الوطني هم الذين يحملون ادوات العنف أكثر من غيرهم، ومع ذلك تمت معاقبة أبناء دارفور وحدهم بالاتهامات بالقتل وبالفصل من الجامعة، ولذلك من الطبيعي أن يتضامنوا مع بعضهم البعض، وما حك جلدك غير ظفرك.. فهل كان منتظرا من طلاب دارفور بالجامعة السكات وهم يرون اخوتهم يتعرضون للظلم، ولو أنهم سكتوا فعليهم أن يبلوا رؤوسهم فحتماً سياتيهم الدور متى رفضوا التبعية ومسايرة الباطل.
وتأكيداً على أن الأمر ليس اكثر من استهداف القصد منه إسكات صوت أبناء دارفور بالجامعات الذي يسلط الضوء على المأساة هناك ويفتح وعي جيل مخموم باعلام كذوب، على الحقيقة، اعلام يصور للعامة ان طلاب دارفور محض متمردون يخدمون أجندة الحركات المسلحة، وللأسف هذه الفرية يكاد يصدقها الجميع، حتى فجعت في بعض ممن كنت اراهن على راجحة عقولهم فوجدتهم يرددون ذات الاسطوانة، إن كان بوعي منهم او بدونه، وفي كلا الحالتين مصيبة ما بعدها مصيبة.
دعونا نتفحص مطالب الطلاب التي دفعوا بها إلى لجان الوساطات التي تدخلت لحل الأزمة، وحسب آخر بيان للطلاب حمل الرقم 5 فإن مطالبهم انحصرت في ثلاث نقاط..
الأولى تقديم الموقوفين على ذمة مقتل شرطيين إلى محاكمة مفتوحة امام الرأي العام ليتابع الكل مجرياتها حتى اذا ما كانوا مدانين يكون ذلك امام الكل، واذا كانوا بريئين يشهد على براءتهم الجميع… فهل هذه أجندة حركات مسلحة يا من تتهمون الطلاب بتنفيذ أجندة الحركات؟ أوليس تقديم المتهمين لمحاكم عادلة هي من الحقوق المضمنة في القانون السوداني، وهل يصعب تنفيذ هذا المطلب؟.
النقطة الثانية في مطالب الطلاب تحدثت عن إرجاع الطلاب المفصولين من الجامعة لأن قرار الفصل لم ينبني على لجان تحقيق او محاسبة، وأن المفصولين لم يرتكبوا فعلاً يتسبب في معاقبتهم بالفصل.. فهل هذا المطلب يعبر عن أجندة حركات، ام انه صعب التحقيق، من يقولون أن النقطة تتعلق بلوائح الجامعة ولا يمكن التراجع عنها، نقول ان هنالك سابقة لهذا الأمر حيث تراجعت جامعة الخرطوم عن قرار فصل بعض طلابها على خلفية أحداث ابريل 2016، واعادتهم للدراسة بعد وساطات، فهل لوائح بخت الرضا مقدسة أكثر من لوائح جامعة الخرطوم، ام ان طلاب جامعة الخرطوم افضل من طلاب جامعة بخت الرضا ؟؟.
النقطة الثالثة في مطالب الطلاب والأخيرة، هي في حال تعذر تحقيق النقطتين عالية الذكر، فيجب توفير وسائل نقل تقلهم إلى مناطقهم وكفى الله المؤمنين شر القتال، فهل من ينفذ أجندة الحركات يتخلى عن ساحة معركته بكل هذه البساطة..
تلك هي فقط مطالب طلاب بخت الرضا، ولكن للأسف حتى كتابة هذا المقال لم يتم تنفيذ اي منها، فبعد ان التزمت الولاية بتنفيذ النقطة الأخيرة ووفرت بصات للطلاب اقلتهم من منطقة “الشيخ الياقوت”، اعترضتهم لجنة أمن الولاية عند مرورهم بالدويم وطلبت التفاوض معهم، فرددت لجنة الطلاب الشروط الثلاثة، فراوغت لجنة الولاية ولم تلتزم، بل تنصلت عن اتفاقها بدفع أجرة البصات التي تقل الطلاب، لتضع الطلاب امام الأمر الواقع حيث يجدوا أنفسهم مجبورين على العودة للجامعة، فليس للطلاب مبلغ اجرة البصات البالغ (120,000) جنيه، حسب بيان الطلاب الاخير، وكما نعلم فقد تم منع الطلاب من الوصول إلى الخرطوم لتدبير حالهم.
يا سادة نحن امام مأساة حقيقية، دعونا ننظر للقضية من بعدها الإنساني فقط، ونتجرد ولو لمرة من التفتيش في النوايا.. هنالك طلاب من منطقة ما تعرضوا لظلم من جهة ما، وهم الآن مستضعفوت تحت تجبر ظالمهم، فماذا نحن فاعلون.
أحمد حمدان
[email][email protected][/email]

