مقالات وآراء

لماذا الهجوم على دكتور حيدر إبراهيم؟

بقلم: عبدالله مكاوي

لم افهم حقيقة الهجوم غير المبرر علي دكتور حيدر ابراهيم، وهو لم يدعُ لاكثر من التعجيل بانجاز السلام، كواحد من اولويات الفترة الانتقالية، وقبلها كمكون اساس من شعارات الثورة السودانية.

ولكن ان يكون الهجوم محاولة للايحاء ان دكتور حيدر تخلي عن قضية نذر لها جهده وفكره، وهي توطين الوعي (بما فيه العلمانية) في بنية وبيئة الحياة السياسية، او كما سماها بنفسه عقلنة السياسة، كمخرج من حالة ابتذال السياسة الي محض بحث عن السلطة. فهذا هو العجب العجاب!! وبالطبع من اهم مقومات تلك العقلانية التفريق بين الغاية والوسيلة. واذا كانت الغاية التاسيس لدولة حديثة، قادرة علي حمل او تنفيذ مشروع وطني متفق عليه. فتاليا كل ما يوصل لهذه الغاية يصبح وسيلة، مع التنبيه ان ما لا تتم الغاية الا به، يصبح هو نفسه ابعد من كونه وسيلة.

والعلمانية للحقيقة هي من هذه العينة، اي هي ليست غاية في حد ذاتها بقدر ما هي اكبر من كونها وسيلة. ولكن هذا لا يمنع، ان اي حديث عن العلمانية يتخذ طابع الحساسية لقطاعات عريضة، تم استهدافها بواسطة شعارات الدولة الدينية لمدة تقارب النصف قرن، وقبلها بقايا الدولة العميقة وانصارها من التيارات الدينية الاخري، التي تسعي فقط لتفجير الاوضاع، التي سلبتها امتيازاتها غير المستحقة. والحال هذه، يجب عدم اهمال الاثر الديني في المجتمع او التقليل من مكانته.

بدليل ان الحركة الاسلامية رغما عن هامشيتها الاجتماعية والسياسية، وافتقادها لاي مشروع سياسي او غير سياسي، استطاعت بمكر شيخها الترابي استثمار الوضعية الدينية في المجتمع التقليدي، بطريقة غير تقليدية، ومن ثمَّ التمدد في الفضاءات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والعسكرية وصولا للسيطرة علي السلطة بالانقلاب. وعليه، ما يهمنا من العلمانية غض النظر عن صيغتها او آلية تنزيلها علي ارض الواقع، كمطلب لا فصال فيه.

هو التاكيد علي انها ليست ضد الدين، ولكنها بالتاكيد ضد استغلال الدين، باسم الدين او رموزه ومقولاته وشعاراته وتاثيره واثره وارثه. بمعني الحكمة والابداع السياسي ليس في التمسك بالعلمانية المجردة كمطلب صمدي، ولكن في تنزيلها علي ارض الواقع بطريقة غير مستفزة لقطاعات عريضة مستنفرة ضدها. مع التاكيد ان كل من يقف ضدها من غير مصلحة، ستثبت له الايام ان موقفه كان خاطئا، بعد ان ينعم بثمارها عمليا! اي المسألة ليست اكثر من سوء فهم، روج له اعداءها اولا، و فشل انصارها في ايصالها بصورة جاذبة ثانيا.

وفي كل الاحوال هنالك سؤال يفرض نفسه، هل العلمانية لوحدها تشكل وصفة سحرية؟ ام هي جزء من حزمة مستحقات يجب الايفاء بها؟ وهل الحركات المسلحة ادت ما عليها فيما يخص هذه المستحقات، ام هذا من المسكوت عنه؟ وعموما هذا كله قد لا يكون مصدر الخلاف الاساس، سواء بين حيدر ومهاجميه او بين الكثيرين والحركات المسلحة، ولكن مصدر الخلاف هو في اولويات الفترة الانتقالية، او بصورة ادق ماهية الفترة الانتقالية؟! ولكن قبل التطرق لهذه الجزئية يستحسن الرجوع قليلا للوراء، حتي نضعها في الاطار المناسب.

فالانقاذ كما نعلم، لتستمر في السلطة، راهنت علي سياسة فرق تسُد، لوضع العراقيل امام وحدة الصف المعارض. وكان غاية ذلك، قطع الطريق علي بناء مشروع مشترك يستوعب تناقضاتها، قبل ان يلبي نداء المشاكل الوطنية التاريخية المزمنة.

وواحدة من هذه الآليات، فضلت الانقاذ تمييز الحركات المسلحة، واستدراجها لفخ الاتفاقات الثنائية! وصحيح ان الحركات المسلحة برفعها السلاح في وجه نظام يحترف العنف، قامت بمغامرة باهظة التكاليف علي عضويتها وابناء مناطقها. ولكن الاكثر صحة ان هذا الخيار هو خيار نخبة، فرضته علي بقية المكونات المحلية، كما انه لا يمنح قضاياها المطروحة ميزة او افضلية علي غيرها من المناطق او المكونات السياسية غير المسلحة، طالما الازمة في حقيقتها شاملة وليست جزئية، رغم انعكاساتها السيئة علي مناطق اكثر من غيرها.

ونقصد من ذلك، ان الحركات المسلحة وبما قدمته من تضحيات جسيمة ولاحساسها بالغبن اكثر من غيرها، وضعت نفسها في مكانة خاصة (مدللة)، بالغة الحساسية تجاه النقد (متعالية علي النقد) مهما كان طبيعة سلوكها او شكل مطالبها او مدي مقاربة ذلك للحلول الجذرية المطلوبة. وهذا بالطبع لم يترك اثره السالب علي المعارضة فقط، ولكن قبل ذلك علي تماسك هذه الحركات نفسها. لان اي خلافات داخلية لا تجد بيئة ديمقراطية لعلاجها، تجد تصريفها في الانشقاقات وصولا للوقوع في احضان الخصوم.

ومؤكد ان اشكالات الحركات المسلحة لا تتلخص في غياب الديمقراطية او مركزية اتخاذ القرار فحسب، ولكنها كذلك تمتد لغياب الشفافية ومصدر التمويل والارتباطات الخارجية وغيرها، وباختصار امراض الحركات المسلحة لا تختلف في شئ عن امراض المعارضة وقبلها امراض النظام، ولذلك اتي الحل من خارج صندوقها جميعا، وبمبادرة من الشباب الثائر.

كما ان التهم التي تكال لكل من يتصدي للحركات المسلحة بالنقد غيَّب اهم سؤال، وهو مدي قدرة الحركات المسلحة وهي تستخدم آليات غير سياسية وبعيدة عن الديمقراطية، علي تقديم نموذج ديمقراطي لادارة الدولة بعد وصولها للسلطة؟ خاصة وان التجارب التاريخية لا تقدم ما يسر في هذا الجانب؟! وعموما لا يمكن لوم الحركات المسلحة علي خيارها في بلاد ظلت طوال تاريخها مصادرة من اهلها، ولكن ذات الخيار لعب دور معاكس وهو يمنح ذات القوي المُصادِرة مبرر لتلك المصادرة، بحجة الحفاظ علي الامن والاستقرار ووحدة الدولة! وكذلك الافراط في التسلح والعسكرة وصولا لانتاج مليشيات موازية للدولة. بمعني الانظمة الانقلابية بتغييبها العمل السياسي، تفتح المجال لبروز العمل العسكري، وهو بدوره يضاعف من عسكرة الانقلاب وعنفه.

وللاسف كل هذا يتم علي حساب حياة المواطنين وثروات ومصير البلاد. والمفارقة ان ذات النظام الاجرامي الذي سطا علي السلطة، يدعو الحركات المسلحة للحوار والاتفاق في كل مرة. والحال هذه، هو ليس حوار او اتفاق باي حال من الاحوال، ولكن الاصح هي صفقات تعقد من دون رقابة بل ومعرفة بقية المواطنين، ولذلك كانت نهايتها الفشل في كل مرة. ويبدو ان اسلوب الصفقات هذا، اصبح يسم مفاوضات الحركات المسلحة حتي بعد ذهاب الانقاذ (اقلاه ظاهريا).

وبالرجوع لاشكالية الفترة الانتقالية، وكما يعلم الجميع لم يكن الاتفاق الذي افرزها علي قدر الطموح، وصاحب اخراجه كثير من المآسي، ابتداءً من فض الاعتصام بتلك الطريقة الهمجية البشعة، ومرورا بوفد التفاوض الذي لم يعد نفسه بالشكل المطلوب، او يشرك معه بقية المكونات السياسية والحركات المسلحة، وقبلها الاتفاق مع الشركاء علي الحد الادني، الذي يضمن التحول الديمقراطي الحقيقي. وكذلك تم الاتفاق في ظروف يتكاثر فيها اعداء الثورات، وبما يملكونه من ثروات وسطوات، سواء في الخارج او الداخل (ولا نقصد بذلك المكون العسكري او الدول العميقة فقط، ولكن ايضا شريحة عريضة من المجتمع استفادت من بيئة الفساد التي صنعها الاسلامويون). والخلاصة، ان الفترة الانتقالية تعاني من الهشاشة، بسبب التركة الهائلة من الخراب الاسلاموي من ناحية، ومن الحرب الخفية والظاهرة التي تشن عليها من قبل المتضررين منها، من ناحية مقابلة.

ولا يحتاج التذكير ان فشل هذه الفترة لا يهدر تضحيات الثوار النبلاء، ويزيد من معاناة النازحين وجروح المكلومين فقط، ولكنه سيضع البلاد علي سكة الخراب وحافة المجهول. ولهذا السبب تحديدا تحمل الكثيرون اخطاء وتقصير حكومة حمدوك، وقبلها تنصله من اغلب وعوده وتعهداته التي اعقبت وصوله البلاد. ومؤكد ان تجاوز الحركات المسلحة بعد كل تضحياتها والدمار الذي طال مناطقها واهلها، هو امر غير مقبول بكل المقاييس، كما انه يستحيل من الناحية العملية. ولكن معالجة هذا الامر لا يمكن ان يكون علي حساب رهن الفترة الانتقالية نفسها للخطر. وهنا مصدر الخلاف مع الحركات المسلحة التي دخلت مفاوضات مارثونية علي نفس طريقة مفاوضات الانقاذ، من غير سقف زمني او حدود لنوعية المطالب، والاهم مدي ملاءمتها لظروف البلاد. وهو ما يفرض سؤال حول حقيقة وعي الحركات المسلحة بطبيعة حساسية المرحلة، ومدي استعدادها للتجاوب مع متطلباتها؟ وإلا ما معني منح نفسها حق الفيتو لتعطيل اكمال هياكل ومكونات الفترة الانتقالية، حتي الوصول لحلول غير معلومة اوانها، او مدي قابليتها للتطبيق العملي، في ظروف انتقال بالغة الهشاشة والتعقيد والخطورة.

وما يحير ان هذا الموقف اول ما يخدم، هم اعداء الثورة! بل لا تستنكف بعض الحركات عن اظهارها تفضيل المكون العسكري؟! والحركات المسلحة وبغض النظر عن الموقف من العنف وجدت تاييد بسبب تصديها لنظام عنف عدمي، ولكن موقفها بعد الثورة اثار كثير من التساؤلات، حول مدي وفاء هذه الحركات لاطروحاتها، خاصة المتقاطعة مع شعارات الثورة في الحرية والسلام والعدالة. وصحيح ان المكون العسكري فرض سطوته ومكَّن قبضته خلال التفاوض، بسبب طبيعة الدولة التي خلفتها الانقاذ. وصحيح ايضا ان نفوذ هذا المكون بارتباطاته الداخلية والخارجية، يهدد الفترة الانتقالية، سواء بافراغها من مضمونها او بالانقلاب عليها او بتجييرها لصالح مخططاته المستقبلية! وهذا ناهيك عن ما صنع الحداد بين هذا المكون والحركات المسلحة خلال الفترة الماضية. لكل ذلك كان المتوقع من الحركات المسلحة بمختلف تشكيلاتها، هي السعي لاكمال النقص في الاتفاقية من خلال تقوية المكون المدني، وليس الدخول في صراعات حول الانصبة في كيكة السلطة الانتقالية.

بمعني كان الرد علي عيوب قوي التغيير، بعيوب قوي الحركات المسلحة. وبطبيعة الحال، من الظلم بمكان القاء العبء كله علي الحركات المسلحة، رغم ارتفاع سقف مطالبها كتعويض عن كم تضحياتها! وهو ما يقودنا لتوجيه اللوم الاكبر لقوي التغيير، التي لم تفشل في انجاز تفاوض مشرف يليق بالتضحيات النبيلة، ولكن الاسوأ من ذلك هو خسارتها ثقة الحركات المسلحة، كمكون اساس من قوي المعارضة! وهذا التناقض بين مكونات القوي المعارضة، التي ثبت انها ليست علي قلب مشروع واحد! شكل حافز لاعداء الثورة للتسلل وضربها من الداخل، بدليل ان عجلة تقدمها او انجاز اهداف الفترة الانتقالية، تقدم رجل وتؤخر عشرة ارجل.

اما العلة في هذه المواقف المحبطة من كل الاطراف، فهي النظر للفترة الانتقالية كفرصة لجني المكاسب، وليس مرحلة لتصحيح الاخطاء وتقديم مزيد من التضحيات (اختبار لرجال الدولة في فترات التاسيس او تعظيم المشتركات) من اجل العبور لوطن حدادي مدادي يسع الجميع. ليعوض رهق وضياع ما يزيد علي نصف قرن، من التدافع بالايديولوجيات المعلبة والشعارات الخاوية في طريق الاطماع السراب. وهو ما يحيل تاريخنا الحديث الي تاريخ وطن متخيل لم يكتب له والوجود علي ارض الواقع؟ ولسان حالنا يردد مع الراحل حديثا منصور خالد (متنبي الفكر السوداني من زاوية كمثقف ظلمته السياسة وكسياسي ظلم الثقافة) وهو يعبر بصدق (اعتقد لو كانت الشعوب تمنح بقدر تضحياتها لاستحق شعب السودان الفردوس جزاءا).

ولكن يمكن الاستدراك ان ما نطمح اليه او نستحقه ولو في الخيال اقل من ذلك بكثير! مجرد وطن واقعي يرد اعتبارنا كمواطنين! لانه بعد هذه المسيرة العسيرة، المعمدة بالفشل والخسران المبين، لم تتبقَ لنا طاقة عشم لمجرد تخيل شئ كالفردوس؟! واخيرا، دكتور حيدر ابراهيم قامة فكرية ووطنية لها مكانتها، وتقديره من تقدير الفكر والوطن، ومؤكد ان الاختلاف معه ليس مشلكة بل هو فعل صحي، ولكن التهجم عليه والتشكيك فيه لمجرد تعبير عن راي لا يرضي غيره او يتعارض مع اهدافه. فهو مدعاة للحسرة والاسف، الشئ الذي يؤكد ان الثورة المطلوبة تتعدي الثورة السياسية الي الثورة الشاملة؟! ودمتم في رعاية الله.

‫2 تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..