مقالات سياسية

لماذا لا تنشب حروب قبلية بين القبائل في شمال السودان؟

د. مبارك مجذوب الشريف

برز في الاسافير مؤخراً  تساؤل كان محوره هو: لماذا لا تنشب حروب قبلية في الشمال مثلما هو حادث في غرب البلاد؟  والتساؤل في حد ذاته محمود إن كان الغرض منه الاستفادة من تجربة الشمال، إما إن كان الغرض منه هو تحميل شمال البلاد وزر ما يحدث من نزاعات عرقية كما أشارت لذلك اصابع البعض؛ فهذا اتهام لا أساس له من الصحة، إذ أن هذه النزاعات كانت تحدث منذ عهود سلطنتي الفونج والفور، واستمرت في الحدوث في فترات العهد التركي المصري، وكذا كان الحال في فترة المهدية، ولم يتغير شيء في زمن الحكم الاستعماري، وتواصلت في العهود الوطنية إلى تاريخ اليوم. 

 خلافاً للرؤية التي تتبنى نظرية المؤامرة وتتهم جانب الشمال يرى هذا المقال أن المتهم الأول في هذه القضية هو النظام القبلي نفسه. ويرى أن وجود أنظمة قبلية متفاوتة التطور هو ما يفسر وجود نزاعات في بعض المناطق وانتفاء وجودها في مناطق أخرى. لكن نفي نظرية المؤامرة من جانب الشمال لا يعني عدم وجود مستفيدين من هذه النزاعات، فسلاطين الفونج وسلاطين دارفور كانوا يغضون الطرف عن هذه النزاعات متى ما كانت نتائجها في صالح احد حلفائهم، واحياناً كانوا يشعلون فتيلها، وانتهجت انظمة الحكم المتتالية التي حكمت السودان النهج نفسه مستفيدة من البيئة الصالحة لنشوبها والمتمثلة في النظام القبلي، والذي يجسد نفسه في خليط من الأعراق المتفاوتة في تحضرها، وفي وسائل كسب عيشها، وتختلف ايضاً في حجمها العددي ومساحة اراضيها، ومقدار ما تملكه من ثروة.

تشكل اللغة العربية لغة التخاطب بين الكثير من هذه القبائل مع احتفاظ العديد منها بلغاتها المحلية الخاصة، والقبيلة كنظام إنّما تنبني على وجود رابطة دم، أي جد واحد ينحدر من صلبه أفراد القبيلة، واراضٍ تتحرك فيها حسب الفصول هي ديار القبيلة وهي ملكية مشاعة، ووجود حيوان رئيس تعتمد عليه في معاشها.

اعطى القرآن الكريم اسبقية لمفهوم الشعب على مفهوم القبيلة كما في الآية:) يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)، سورة الحجرات الآية 13، حيث أن مفهوم الشعب يمكن تفسيره بمفهوم (اللاقبيلة) وباللغة العصرية هو مفهوم الانتماء للدولة.  

و يتطلب الارتقاء من مفهوم القبيلة إلى مفهوم الشعب اختراقاً للحلقة الدائرية التي لا تنتهي؛ والتي يعيد فيها النظام القبلي إنتاج نفسه، فما يحدث في هذه الحلقة  هو أن بنية القبيلة عندما تتضخم في مرحلة ما تتعرض في مرحلة تالية للتفكك، ولا نتحدث هنا عن التفكك الذي تحدثه الهجرات القسرية بسبب الجدب أو الغزو، ولكن التفكك الطبيعي والذي تنقسم فيه القبيلة إلى بطون ضخمة تضم الكثير من الأفخاذ والعشائر، وفي طور آخر معاكس تعيد هذه البطون والأفخاذ والعشائر إنتاج النظام القبلي مرة أخرى، فتنمو العشيرة مرة أخرى وتتحول لفخذ؛ والفخذ يكبر ويصبح بطناً؛ ثم تنمو البطن وتصبح قبيلة مستقلة، وهكذا دواليك، والاختراق يمكن أن يحدث بنشر التعليم وزيادة الوعي، وإحراز قدر من التقدم الاقتصادي، والعدل الاجتماعي، وتوطين أهل البادية في قرى مستقرة، وكل ما يلغي مسوغات اللجوء إلى الكيان القبلي.

في مصر على سبيل المثال تلاشت القبيلة ولم يعد لها وجود إلا في تجمعات البدو في سيناء والصحراء الغربية، وما نجده حالياً في مصر الحضرية هو عائلات كبيرة وأسر ممتدة وأسر نووية، وفي الأردن يعيش المجتمع مرحلة وسطي بين مفهوم الشعب ومفهوم القبيلة هي مرحلة الطور العشائري وطور العائلات الكبيرة، أما في السودان فنجد تفاوتاً كبيراً بين الأنظمة القبلية في مسيرتها نحو الارتقاء لمفهوم الشعب، ويمكن أن نلحظ وجود أربعة أشكال تمثل هذا التفاوت: 

1– نظام قبلي كامل يعتمد على الترحل: 

توجد في السودان مجتمعات بدوية تقليدية تعتمد على الترحل في الشرق والغرب؛ تسود فيها هيمنة كاملة للقبيلة كنظام اجتماعي واقتصادي وثقافي وسياسي، فهي تقيم وتتنقل في منطقة جغرافية محددة أو ما يسمي بديار القبيلة، ولها حيوان رئيس قد يكون جملاً أو ثوراً تصحبه حيوانات صغيرة، و يوجد في هذه المجتمعات تجانس عرقي؛ إذ ينحدر الجميع من صلب جد واحد، وقد يكون هذا الجد حقيقياً وقد يكون (مفترضاً)، و (مفترضاً) هذه تشير لوجود جماعات أخرى ليست من نفس الجد قد تضاف للقبيلة في مراحل زمنية مختلفة بسبب المصاهرة، أو التحالف أو الجوار المسالم؛ وأحيانا بسبب الغزو وتصبح جزءًا منها؛ وتُلحق بجد القبيلة رغم انحدارها من سلالات مختلفة، والجد المفترض هو تصور مرن يُمكّن القبيلة من استيعاب دماء جديدة ويساعد في إضفاء نوع من التماسك بين بعض المجموعات التي تحتاج للتعاون فيما بينها أو ترغب في رؤية عنصر مُوحِد يجمع بينها.

في المجتمع القبلي كامل القبلية نجد  أن سلطة شيخ القبيلة أو ناظرها أو ملكها أو سلطانها، حسب اللقب الذي تفضله كل قبيلة، واضحة للعيان ومن مهامه الاهتمام بحدود القبيلة، وتنظيم تحالفاتها وعلاقاتها مع القبائل الأخرى، وتنظيم العلاقة مع الدولة، ومن سلطته يستمد المساعدون والأمراء والعمد والشراتي وغير ذلك من تسميات صلاحياتهم، وهم المنوط بهم حفظ النظام وتنظيم العلاقات بين الأفراد وغير ذلك من مهام يوكلها لهم رأس الهرم القبلي.

 وتتميز القبيلة بوجود نظام لقسيم للعمل بين الرجال والنساء حسب تراث كل قبيلة، كما يتميز النظام القبلي بوجود ملكية عامة للقبيلة في ديارها ومراعيها ومصادر مياهها، كما يوجد لكل قبيلة تراثها الشعبي من رقص وفنون ولها رموزها القبلية المميزة لها عن الآخرين من (شلوخ) على وجوه البشر ووسم على الحيوان.

ومن أهم ما يمتاز به النظام القبلي الكامل تفضيله اللجوء لمقتضيات أنظمته التقليدية سلماً أو حرباً بعيدا عن أنظمة الدولة، وعلى سبيل المثال فقد عد الباحث عبد الجبار آدم عبد الكريم اثنين وثلاثين مؤتمراً للصلح القبلي في إقليم دارفور جمعت بين حوالي ستة وعشرين قبيلة في الفترة من عام 1932 إلى 1997″()، وهذا يشير بوضوح إلى هيمنة كاملة للنظام القبلي بكافة مقوماته وأن الدولة في عهودها المختلفة ومنذ عهد الاستعمار وحتى عهود الحكومات الوطنية كانت تتدخل غالباً كوسيط صلح.

2– نظام قبلي غير كامل فيه ترحل جزئي وفيه استقرار جزئي.

  خير مثال لهذا النوع هو قبائل سهل البطانة وقبائل شرق السودان، فقد كانت هذه القبائل كاملة البداوة فيما مضى لكن وبصفة عامة وفي القرن الماضي ظهرت في الأفق بوادر توجه  نحو الاستقرار، ربما كان هذا التوجه بطيء الإيقاع؛ لكن ما نتج عنه هو أنّ ملكية القبيلة للأرض لم تعد مقدسة، ومثال ذلك أن قانون مزارعي دلتا القاش لعام 1928م نص على تخصيص 70% من مساحة دلتا القاش لقبائل الهدندوة و30 % للقبائل الأخرى، والهدندوة هم تاريخياً أصحاب الأرض؛ لكن القبائل الأخرى اكتسبت حق الملكية لأنها هي التي ساهمت في شق الترع والقنوات والإعمال الأخرى في هذه الدلتا الخصبة؛ وهي قبائل من الشمال كالدناقلة والشايقية والجعليين؛ ومعهم قبائل من الغرب كالهوسا والبرقو والبرنو، ويذكر لايف مانجر في كتابه اسلوب حياة الهدندوة والذي ترجمه مجدي النعيم، “وبدأ الناس المنتمين الى مختلف المجموعات الاثنية الاستقرار فيها وهاجرت القبائل من جبال البحر الأحمر الى القاش لتنضم الى هذه القرى وأصبحوا جزارين ومزارعين وخفراء ورجال شرطة وطباخين. وقد أثر هذا التاريخ على مختلف القبائل بمختلف السبل“().

في عام 1964 جاء مشروع آخر هو مشروع خشم القربة والذي غير مفاهيم حياة البادية لدى قبائل سهل البطانة خصوصاً الشكرية؛ وحول بعضهم من رعاة إلى مزارعين، ومن هذين المثالين يمكن تبين ملامح هذا الشكل القبلي الذي يجمع بين الترحل والاستقرار، فقد أحتفظ الشكل الجديد ببعض سمات النظام القبلي القديم، كما أخذ في نفس الوقت ببعض سمات المجموعات المستقرة، فقد أخذ من سمات النظام القبلي الكامل القبلية؛ ظاهرة وجود تقسيم للعمل بين النساء والرجال، وأنه يمكن تتبع أفخاذ القبيلة وبطونها ومنطقة كل بطن وشيخها. وأن توفير حماية القبيلة للأفراد موجود وإن كان في حالات معينة وليس على إطلاقها، وأن هناك وجود لبعض السلطة لناظر القبيلة؛ مع أن  أفراد القبيلة ليسوا بحاجة لنظارهم أو شيوخهم لتنظيم حياتهم أو علاقاتهم مع الدولة؛ عدا بعض الحالات مثل التعريف بالشخصية أو طلب المثول أمام محكمة وما شابه ذلك. وأخذ هذا الشكل من سمات الاستقرار انتفاء حاجة أفراد هذه القبائل ممن استقروا لحيوان رئيس، ومن ثمّ انتفت حاجتهم للترحل، وتحولوا من رعاة لمزارعين، وتغيرت نظرة هؤلاء المزارعين الجدد لملكية الأرض من الملكية العامة والمتمثلة في أراض شاسعة لكافة افراد القبيلة وتحولت إلى الاهتمام بالملكية الخاصة، وقد حًصرت هذه الملكية للأفراد في (حواشة).

3– نظام قبلي باهت الملامح القبلية يعتمد على الاستقرار.

  نجد هذا الشكل في المجتمعات الزراعية المستقرة في الوسط والشمال؛ وفيه أصبح مفهوم القبيلة باهتاً وتلاشت لدى هذه المجتمعات كل مقومات القبيلة التي ذكرناها، وتحولت القبيلة بعد أن كانت جسماً حياً فاعلاً إلى مجرد منظومة اجتماعية وثقافية؛ تحدد صلات القرابة وتقوم بإثبات الجذور؛ وتحافظ على ما تبقى من تراث القبيلة وفنونها الشعبية، فلا وجود فعلي في هذا الشكل المستقر لمسمى (ديار القبيلة ) ولا وجود لحيوان رئيس تدور حوله حياة الناس ومعاشهم، ولا وجود فعلي ملموس لشيخ أو ناظر القبيلة، وأصبح المنصب شرفياً. ولم يعد للأعراف القبلية أي دور مؤثر في تنظيم علاقات الناس داخل القبيلة بعضهم ببعض.

ويمكن القول أنه ومنذ العهد التركي المصري وبروز حكومة مركزية في السودان بدأ التلاشي الحقيقي لمفهوم القبيلة في مناطق الشمال والوسط، وكانت إرهاصات ذلك قد بدأت مع ظهور الضعف في مملكة سنار، ثم اكتمل ذلك في العهد التركي المصري؛ حيث طغت سلطة الدولة المركزية على سلطان القبيلة ولم يعد للقبيلة وجود ملموس كنظام اجتماعي وسياسي وثقافي، فلا وجود لنظار بارزين لهم سلطة الحل والعقد يفاوضون الدولة ويعلنون الحرب أو السلم؛ إذ تقلصت كثيراً سلطاتهم السابقة، وإن وجدوا فوجودهم أمر شرفي كما سبق ذكره، وفقدت هذه القبائل حدودها التقليدية وتحولت إلى حدود على الورق، بل أصبح بإمكان الأفراد من قبائل مختلفة وبقوة الدولة وقوانينها تملك الأرض في مناطق خارج مناطق قبائلهم، وغالبا ما يتلو ذلك قيام علاقات عمل ومصاهرات وعلاقات اجتماعية أخرى بين هؤلاء الأفراد والقبيلة المستضيفة، ويؤدي هذا في الأغلب إلى تذويب الفوارق في العادات والتقاليد بين أصحاب الأرض والقادمين الجدد، وقد أدى هذا التداخل إلى تحويل العداء التقليدي السابق بين تلك القبائل إلى نوع من التمازج والتعاون، ومن أمثلة ذلك استقرار جماعات من قبيلة الشايقية في مناطق الجعليين بعد الغزو التركي المصري، وهو سلوك يخالف سلوك القبائل المترحلة التي فرضت عليها الجغرافيا بمناخها وتضاريسها أن تجد نفسها مضطرة دائما للدفاع عن حدودها التقليدية ومراعيها وطرد الغرباء منها خصوصا في أوقات الجدب، مما يثير الكثير من النزاعات القبلية.

 ويبدو أن إرهاصات تفكك النظام القبلي في المناطق النيلية قد برزت مع التحول في النظرة إلى ملكية الأرض أثناء فترة ضعف مملكة سنار، وسقوط مبدأ أن كل الأراضي هي ملك للسلطان، فقد خرج الكثير من قبائل الشمال عن سيطرة الدولة، وحسب قول حافظ عبد الله: “أصبح من الممكن التصرف في تلك الأراضي بالبيع والشراء وغيره، وفي بعض المناطق النيلية قام الأثرياء وأصحاب النفوذ الاجتماعي بالاستحواذ على مساحات واسعة من الأرضي  وزراعتها”().

أدى انهيار واحد من أهم أعمدة النظام القبلي وهو حرمة (ديار القبيلة) في المناطق النيلية؛ أدى بالتالي وضمن عوامل أخرى إلى تدهور مفهوم القبيلة في نفوس الأفراد. ومما ساعد الأفراد على استحواذهم الأرض بصورة فردية هو غياب حيوان رئيس لدى تلك القبائل يحتاج لمساحات واسعة للتحرك؛ ويستدعى وجوده نوعاً من الملكية المشاعة للأرض.  ولعل أبلغ دليل يوضح استمرار التلاشي لسطوة القبيلة في مناطق الشمال والوسط؛ والذي بدأ كما أسلفنا في فترة ضعف مملكة سنار؛ أنّ تاجراً كالزبير باشا رحمة  في عهد الحكم التركي المصري؛ كان يُكوّن الجيوش ويقود الحملات ويتصل بالحكام دون أن يكون لناظر قبيلته أي دور في ذلك، مع أن الزبير وحسب المفهوم النظري القبيلة هو فرد من قبيلة الجعليين وعلاقاته مع الغير بمن فيهم الدولة يجب أن تدار عن طريق ناظر قبيلته أو شيخها. 

 4– اختفاء كامل للقبيلة.

هذا الشكل تمثله المجموعات المهاجرة التي وفدت في عهد الحكم التركي المصري أو عهد الاستعمار الإنجليزي، وهجرتها كانت أما بسبب العمل في السلك العسكري، أو التجارة، أو نشر العلوم الدينية، أو فراراً من الاضطهاد الديني كهجرة الأقباط مثلاً، ونجد هذه المجموعات في المدن الكبرى وهي لا تنتمي إلى قبيلة بعينها بل أنها تمثل رأس الرمح في الارتقاء من المفهوم القبلي نحو مفهوم الشعب، وعلى الرغم من عدم وجود علاقات قبلية سابقة لهؤلاء المهاجرين تسهل تغلغلهم في بنية النسيج الاجتماعي؛ إلا أنهم لم يصادفوا صعوبات تذكر تمنع اندماجهم في المجتمع، خصوصاً المسلمين منهم، وقد تلاقت مصالح هؤلاء المهاجرين مع مصالح اقرب شكل قبلي مماثل لهم وهو الشكل الثالث، اي النظام قبلي باهت الملامح والمعتمد على الاستقرار، ونتج عن هذا التلاقي تطور التجارة لدى القبائل الشمالية واستفادتها من الخبرات التجارية لهذه المجموعة الوافدة، وحسبما ما أوردته د. فاطمة بابكر: “حدث استيعاب للمهاجرين المسلمين ضمن الطبقة الرأسمالية السودانية وذلك عن طريق علاقات الزواج المتبادل وعلاقات العمل التجاري خصوصا بعد الاستقلال، وقد ساهمت سياسات العهد التركي المصري والاستعمار البريطاني في استمرار بقاء المجموعات المهاجرة ونجاحها وانعكس ذلك في تشكيلهم  لنحو 24% من الحالات التي جرت دراستها في عام 1976”

ومنذ الغزو التركي المصري عام 1821 فان عهد النزاعات بين القبائل النيلية قد اصبح تقريباً في طي النسيان، وتوقفت كلية المعارك التي كانت تنشب بين الشايقية والدناقلة، والشايقية والجعليين، والشايقية والمحس، وكان الشايقية هم العنصر المشاغب حسب روايات المؤرخين، ويورد بروكهادت : (( قبل أنّ يصل المماليك إلى دنقلة (سنة 1811م) ، كان المك نمر (ملك شندي) في حروب متواصلة مع عرب الشايقية الذين كانوا قد قتلوا كثيراً من أقربائه في المعارك، كما أنهم أغاروا على بلاده عدة مرات، في جموع كبيرة من الفرسان، وتركوا كعادتهم كل الضفة الغربية للنهر خراباً بلقعاً)).

ويقول كايو : (بعد زوال مملكة سنار ، أصبح الشايقية جبابرة في نظر جيرانهم ، وقد عانى أهالي دنقلة وبربر والحلفاية ما عانوه على أيدي هؤلاء القوم الجسورين – قوم نشأوا محاربين نساءً ورجالاً) .

بعد مرور قرنين من الزمن منذ العهد التركي المصري أدى الوصول لطور النظام القبلي الباهت في الشمال لتغلغل ثقافة القبول بالآخر، وتعودت هذه القبائل ان يتعايش افرادها بسلام، واصبحت التنشئة الاجتماعية تقوم على فكرة ان وجود افراد من قبيلة اخرى ضمن ديار القبيلة الثانية لا يشكل هاجساً أو سببا لقيام حرب، أو ظهور روح عدوانية، بل مدعاة لمزيد من الانصهار والتجانس، واستمرت هذه الروح في النمو، وأخر مظاهرها في وقتنا الحالي هو ترحيل بعض افراد قبيلة المناصير عند قيام سد مروي لمناطق تابعة تاريخياً للجعليين، وتم الأمر بسلام دون أي حساسية قبلية من جانب الجعليين، وقبل ذلك تم ترحيل أهالي حلفا لمناطق هي تاريخياً تابعة للشكرية ومعهم بعض اللحويين وبسلام أيضاُ. ومما ساعد على تقبل الشكرية لوجود هؤلاء الوافدين إن القبيلة وحسب التصنيف الذي ذكرناه تقع ضمن النظام القبلي غير الكامل والذي فيه ترحل جزئي وفيه استقرار جزئي. ولو كانت تقع ضمن التصنيف الأول وهو سيطرة النظام القبلي الكامل فربما نشبت حرب ضروس بينهم وبين القادمين الجدد، أو ربما كان سيتم تهجير أهالي حلفا لمنطقة أخرى. علماً بان قبيلة الشكرية كانت من القبائل ذات القوة الضاربة في عهد الفونج وقامت بتهجير قسري للكثير من القبائل من منطقة البطانة، وقد حدث هذا كان عندما كانت القبيلة تقع ضمان نطاق الشكل الاول وهو النظام القبلي الكامل، ولكن عندما انتقلت للشكل الثاني الموزع بين البداوة والاستقرار؛ اصبحت أكثر تصالحاً واقل حساسية لوجود الغرباء في ديارها. وتغلبت نظرة المنافع الاقتصادية التي يجنيها بعض افرادها من حياة الاستقرار على نظرة البداوة وتبرمها من وجود غرباء.

نخلص من خلال هذا التحليل إلى أن المتهم الرئيس في النزاعات القبلية هو الشكل الأول للنظام القبلي، أي النظام القبلي الكامل الذي يعتمد على الترحل، إذا ما قورن بالنظام القبلي ذو الملامح القبلية الباهتة والذي يعتمد على الاستقرار. فتحركات القبائل المترحلة ودخولها في حِمى قبائل أخرى يشعل حُمى التنافس على الموارد، فإذا وضعنا في الحسبان كثرة اعداد هذه القبائل واختلاف مرجعياتها الثقافية، فهذا يؤدي لانتعاش البيئة الحاضنة لتفريخ النزاعات، ففي دارفور على سبيل المثال لا الحصر توجد قبائل كثيرة (بعضها عديد البطون والأفخاذ) نذكر منها:

الفور، الرزيقات، الزغاوه، الحمر، بني هلبه، التتجر، البديرية، الداجو، الفلاته السلامات، الجوامعه، التاما، الهبانية، التعايشه، المساليت، الهوسا، المعاليا، البرقد، الجموعية، الميما، القرعان، الشنابله، المسيريه، البرتي، الترجم المراريت، الغديات، الميدوب، كما يوجد الجلابة وهم أيضا ينتمون لقبائل شمالية مختلفة.

وتساهم القبائل كثيرة البطون والافخاذ وبسبب زيادة  عدد أفرادها باضطراد؛ في قيام النظام القبلي بإنتاج نفسه، فتصبح البطون قبائل منفصلة تطالب بحصتها من الأرض ومن الموارد وتدخل في صراع مع بني عمومتها.

الحل المقترح لتقليل حدة النزاعات وعددها هو الانتقال للشكل الثاني؛ أي إلى النظام قبلي غير الكامل والذي فيه ترحل جزئي وفيه استقرار جزئي، لأنه من غير الممكن وفي ظل الأوضاع الحالية جعل هذه القبائل مستقرة بالكامل، مع ما يقتضيه ذلك من تغيير في نمط حياتها وثقافاتها، لكن يمكن المبادرة بإقامة مشاريع اقتصادية تتيح الاستقرار لمن يرغب من أفراد هذه القبائل، مما يساهم في تقليل حركة تنقلات البشر والحيوان وبالتالي تقليل الاحتكاكات القبلية. 

وفي جانب التعليم يجب منح مناطق النزاعات هذه فرص أكبر في التعليم بفتح المزيد من المدارس فيها، وفي الجانب الإداري لا مفر من العودة للإدارة الأهلية ولكن (بتحديث) شيوخ القبائل والنظار والعمد، أي أن يكون ناظر القبيلة أو شيخها من ابناء القبيلة ولكن من الذين نالوا حظاً من التعليم.

د. مبارك مجذوب الشريف
[email protected]

‫18 تعليقات

  1. أعتقد ان سبب عدم نشوب صراعات قبلية فى الشمال والوسط يعود لسببين :- الاول انتشار التعليم بصورة كبيرة والسبب الثانى التزاوج والمصاهرة بين تلك القبائل والدليل على ذلك تراجع التعليم فى ولايات دارفور وكردفان وشرق السودان بسبب التهميش الذى مارسته الانظمة الحاكمة فى المركز وعدم التزاوج والمصاهرة بين هذه القبائل

    1. الأخ مرور
      مرورك شرفني، مواصلة الدراسة والبحوث امر لابد منه طالما ان هناك حياة، فعلا المقال ليس خبراً ولا موضوعا سياسياً، لكن هل تنحصر اشكال التعبير في هذين القالبين فقط؟
      لك كل الشكر على قراءة الموضوع ولكنت كنت اطمع في سماع رأيك في المكتوب.

  2. أرجو أن يسمح لى الأخ دكتور مبارك مجذوب بهذه المداخلة لمزيد من التوضيح والإجابة على السؤال : لماذا لا تنشب حروب قبلية بين القبائل في شمال السودان؟
    التركية السابقة الاسم الذي عرفت به فترة الحكم التركى العثماني للسودان (1821 – 1885)، وتبدأ بغزو محمد علي باشا للسودان و تدميره للسلطنة الزرقاء وحتى سقوط الخرطوم في عام 1885م على يد جيوش المهدية
    بدأت التركية كأى مستعمر فى إدخال نظام حكم يؤمن لها جمع الجبايات والمكوس فبدأنا نسمع بالعتبانى الذى يدخل كل بيت وتحديد عدد العتب بهذا المنزل لفرض ما يعرف حاليا بالعائد ، وبدأنا نسمع بالقبانى وهو موظف حكومى يحمل فى يده ميزان قبانى ويأتى فى موسم الحصاد ويقف لدى كل مزرعة ليعرف حجم إنتاجها ليستخرج نصيب الحكومة التركية ، فكلمة قَبَنَ : ذَهَبَ في الأرض لتحقيق غَرَضٍ نفعي ، وهنا ليقوم بتحصيل نصيب الدولة التركية المستعمرة من القمح أو الذرة أو أى منتج أخر .
    ولكى تثبت حكومة التركية السابقة هذا الأمر قامت بتقسيم الشريط النيلى وتحديدا من جهته الغربية بين السكان بأن تضع حجر مساحة عند الجبل وحجر عند شاطىء النيل وتقسيم الولايات الشمالية على طول نهر النيل بضفتيه الى ما يعرق بالسواقى ، فمثلا انا ولدت فى ساقية الأقروساب وجنوبنا ساقية الغولة وشمالنا ساقية العباسى شرقنا نهر النيل وغربنا سلسلة جبلية يقع خلفها وادى عتمور
    لايحق لأى من أجدادى أو أبائى أو لنا نحن أحفادهم أن نتجاوز هذا الحد المثبت رسميا ومسجل لدى تسجيلات اراضى بربر
    فتم تخصيص ساقية ( مساحة محددة بعدد أربعة حجار مساحة ) أثنين مع جارك الشمالى وأثنين مع جارك الجنوبى ، أذكر أن أبى قام بقطع شجر سنط وحمله على مركب وذهب به لحجارة تتوسط نهر النيل قبالة ساقية الأقروساب الخاصة بنا ووضع على هذه الأشجار كتل من الحجارة والسبب يعود لأن الناس فى تزايد والأرض محصورة بحجارة مساحة التركية السابقة ، فجاء موسم الفيضان فتجمع الطمى على كتل الحجارة وأفرع الشجر وبدأت تتكون جزيرة كان المستفيد الوحيد منها ابى لانه هو من وضع بذرة تجمعها ، فلما تمددت الجزيرة ناحية الشمال حتى دخلت فى ساقية العباسى دخل ابناء سعيد ود حليم للجزء الذى يقع قبالة ساقيتهم فنشب خلاف استخدم فيه ابى السلاح الأبيض فذهب الجار للمحكمة فى بربر وأرسلت الشرطة مع مساح تمركز على الحجر الفاصل بين الاقروساب والعباسى ووجه جهازه نحو الحجر الواقع اعلى الجبل ناحية الغرب مستخدما خبراته ليرسل العامل الذى معه فى مركب للجزيرة ليثبت نقطة تفصل بين حق ابى فى الجزيرة وحق جيرانه وينتهى الخلاف
    امر كهذا لم يكن ممكن فى الولايات الغربية والشرقية فالتداخل بين القبائل لايمكن رسمه فى خط مستقيم وماتريده حكومة الترك هو ليس محصول نخيل او زراعة فى تلك الفترة من الغرب او الشرق وانما تريد من يحصى لها مالديهم من مواشى بمختلف انواعها من ابل وبقر وضان وماعز
    سكان الولاية الشمالية والتى كانت تبدأ من شمال الخرطوم بحرى شرقا وشمال امدرمان غربا على ضفتى نهر النيل الى شمال وادى حلفا ، مساحتهم فى الأرض صغيرة ، الحيوان لديهم قليل ، فمن يملك فدان أو فدانين يعتبر من الأثرياء عليه ان يدير حياته وحياة اسرته وحياة حيوانه فى حدود هذه الرقعة الصغيرة ، ومن هنا نشأت فكرة الهجرة والأغتراب للبحث عن اى عمل فى اى مكان حتى لا نموت جوعا وكانت اول افواج المهاجرين من نوبة المحس والسكوت والحلفاوين والدناقلة فى مهن كطباخين وسفرجيه وبوابين فى جمهورية مصر العربية ثم بدول الخليج بعد إكتشاف البترول لاحقا
    فى فترة التركية السابقة كانت الجزيرة عبارة عن غابات كثيفة لا يوجد بها غير القرود والحيوانات الأخرى لذا لم تكن مجالا ليغترب لها الناس الا بعد بناء سد مكوار ( سنار ) وشق ترعة مشروع الجزيرة والحياة التى جذبت الناس من غرب وشمال السودان ومن النيجر ونيجريا ودول غرب افريقيا
    إلا أن من مسببات الحروب فى ولايات غرب السودان أن هنالك قبائل تمتهن الزراعة ومستقرة وقبائل أخرى تمتهن الرعى والترحال شمالا فى الخريف وجنوبا فى فصل الجفاف
    القبائل التى تروح وتجىء ببقرها وإبلها قد تحدث تداخلا بالخطأ أو عن قصد وتتلف جزء من مزارع القبائل المستقرة ، لا أريد أن أقول القبائل العربية والقبائل الأفريقية ، لأن لا هؤلاء عرب ولا هؤلاء أفارقه أو زنوج
    فالعربية ليست جنس ( لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين ) ولو أخذنا لسان حميدتى الذى يقولون انه عربى لن نجده أفصح من لسان جبريل إبراهيم ، عبد الواحد محمد نور ، أركو منى مناوى ، مبارك أردول فهؤلاء جميعا عرب باللسان بل افصح وأبلغ من عرب عشنا بين ظهرانيهم بدول الخليج
    النوبة والبنى عامر الأن يتحاربون فى الشرق السودانى وجميعهم سودانيون فهؤلاء نوبة وهؤلاء بجا
    والنوبية والبجاوية هى أصل أهل السودان
    اذا كيف نحل هذا المشكل وننهى الحروب
    نقسم السودان لكانتونات تحدها حجارة مساحة أو نهتدىء بالله ونعرف أننا ولد أدم وما هذه الدنيا الا مزرعة الأخرة نزرع فيها ما يحسن علاقتنا بربنا فى اليوم الأخر

    1. المهندس سلمان اسماعيل
      تحياتنا لك وعلى غزارة المعلومات المفصلة التي جاءت بها مداخلتك، عنصرا الاستقرار والترحل هما مفتاح النظر للموضوع، في المناطق المستقرة فان حدود القبيلة وعشائر القبيلة وحدود كل فرد فيها تكون معروفة سلفا، وفي عام 1925 جاء الانجليز بقانون الاراضي، فاصبح من السهل تتبع ملكية كل عائلة ومعرفة لمن تعود الأرض، ورغم ذلك تنشب نزاعات وتحل في المحاكم.
      نمط الحياة غير المستقر وتتبع الماء والكلأ يقود للصراعات، وهذا ليس بالجديد ولا حكرا على السودان فقبائل الجزيرة العربية كانت تدخل في الصراعات نفسها بسبب هذه التحركات الموسمية. والتعامل معها يكون دائما بحد السيف.

  3. الأخ عصام الجزولى لو قرأ مقال لى سابق حين حضر شيخ بابكر من مصر يحمل فكرة تعليم الأبناء الذكور فى تلك الفترة من يخطر بباله تعليم البنات ، فرفض أهلنا تسليمه ابنائهم
    كفة التعليم بين الولايات الغربية والشمالية متقاربة حتى بزوغ فجر الأستقلال
    التعليم بين ابناء مزارعي الغرب والشمال متقاربة
    الفرق تجده بصورة كبيرة بين الرعاة فى الغرب والشرب لأنهم يحتاجون لأبنائهم لمساعدتهم فى الرعى ومشكلة التعليم مع البدو الرحل مازالت قائمة ولعلمك أخى عصام حين تنشب حرب بين قبيلتين فى الغرب او الشرق حتى الطبقة المتعلمة تحمل السلاح وتقاتل لجانب قبيلتها
    المشكلة تتطلب وضع معالجات للاحتكاكات والتعديات المقصودة وغير المقصودة

  4. اول حاجة لازم تعرف بانوشمال السودان قبائل خانعة وذليلة على طول تاريخهم من زمن عبدالناصر الي الان طردو من قراهم ومدنهم وتشتتو في اقصاءالارض ولم يرفعو رصاصةواحدة تجاه الحكومة المصرية من هنا لايخفي على احد جبن هؤلاء وعدم مواجهتهم للواقع إضافة إلى أنهم يعملون في المنازل كخدم وسفرجية اذا مسألة قبائل شمال السودان معروفة ما تحتاج لمناقشة

    1. الأخ منصور
      مع احترامنا لرايك لكن المهنة والعمل الشريف ليست في يوم من الايام محل ازدراء، لذا لن نكمل معك الحديث في هذه النقطة.
      النقطة الثانية وهي ان قبائل الشمال خانعة، وهذا انطباع غير صحيح، هل تعلم ان الجيوش الاسلامية فتحت مصر عام 642 ميلادية ولم تستطع التوغل في بلاد النوبة إلا عام 1317 ميلادية، اي بعد ستة قرون ونصف قرن، هل سمعت بعبارة (رماة الحدق)؟
      ابناء السودان كلهم على اختلاف اجناسهم كانوا في كل ميادين القتال محل فخر ومصدر اعتزاز، وآخر معارك ضد الامبراطورية البريطانية كان هاك عثمان دقنة من الشرق والنجومي من الشمال وابو عنجة والزاكي طمل من الغرب وغيرهم.

    2. من لغتك الواحد يعرف انك اما لا تعرف شيئا عن واحدة من اعظم الحضارات على مر التاريخ او انك تعرف ولكن لا تريد ان تعترف , اولا النوبيون هم اصل الحضارة والتاريخ وتاريخهم يعرفه كل بقاع الدنيا من اقصاها الى اقصاها , ثانيا انصحك بان تحاول ان تقرأ عن تاريخ النوبيين في العالم وليس السودان فقط واستنجاد امبراطوريات وممالك العالم بالجيوش النوبية لتحريرهم من ظلم واستبداد جيوش الاعداء في تلك الفترات ولك مثال في بلاد عبدالناصر والتي ضربت لنا مثلا باننا لم نرفع رصاصة واحدة تجاه الحكومة المصرية فلك ان تعرف بان الكنداكة أماني ريناس ملكة مروي التي قادت الجيوش النوبية وهاجمت أسوان وهزمت الجيوش الرومانية في أسوان وفيلة، وقامت بأخذ العديد من الأسرى من الرومان، وقامت بأخذ العديد من تماثيل الإمبراطور أغسطس، وقد وضعت التمثال البرونزي للإمبراطور أغسطس تحت مدخل قصرها حتى يدوس عليه كل من دخل وخرج من القصر) ولك مثالا اخر في عهد الاسرة الخامسة والعشرين وهو الملك شباكا أو شاباتاكا نفر -كا-رع وتعني روح رع الجميل والي حكم مملكة كوش ومصر وتوغل حتى الساحل الشامي في عهد الاشوريين الذين كانوا يحتلون مصر وقد تم إخراج آخر جندى آشورى من مصر لا بل لحقت بجيش آشور إلى مدينة أشدود الفلسطينية.
      وهنالك مئات بل الاف السير عن بطولات النوبيين يمكنك ان تبحث عنه وان اردت نمدك بهاز

      ثالثا لقد تشابه عليك البقر وصرت لا تستطيع ان تفرق بين معنى الخنوع والذل وبين معنى السلم والتحضر.

      فهنالك فرق شاسع في معنى الحروب بين تاريخ اليوم وتاريخ الانسان في السابق, فسابقا تنتصر بالحرب والقتال المباشر اما في التاريخ الحديث فالنصر بالسلم وهو اعلى مراتب التحضر والرقي … انظر اليوم الى امبراطوريات مثل اليابان ودول مثل المانيا حتى تعرف بأيهما تقدمت بالسلم ام بالحرب والسلاح والقتال ( قام شارلمان أو شارل العظيم الذي ينحدر من القبائل الجرمانية بتأسيس إمبراطورية الفرنجة (المانيا) توج بعدها كأول قيصر للإمبراطورية الغربية عام 800 م) وبعد ان كانت امبراطورية عظمى بقيادة الحزب النازي (هتلر) ودمر اغلب اوربا والاتحاد السوفيتي في الاخير استسلموا وما يقرب من سبعة ملايين من الجنود والمدنيين الألمان، بمن فيهم الألمان من أوروبا الشرقية، لقوا مصرعهم خلال الحرب العالمية الثانية. في حين أقدم هتلر على الانتحار وعشيقته إيفا براون في ملجأهم المحصن اسفل بمبنى المستشارية ببرلين.

      فالحرب لا يولد الا الدمار , سابقا تكونت امبراطوريات بالحروب لكن سرعان ما سقطت تلك الامبراطوريات لانه ببساطة الجبروت لا يدوم والعنف لا يولد الا العنف المضاد ولا يخلق نهضة للشعوب.

      فبعد ان وضعت الحرب اوزارها وجنح الالمان للسلم بدأت عملية إعمار ألمانيا بمشروع مارشال والذي كان بداية للطفرة الشاملة. ونفس الامر ينطبق على الامبراطورية اليابانية.

  5. الانسان يأتي من شمال لوسط السودان وهو لا يعلم شيء عن اللغة العربية ولا يحفظ القران وليس لديه ثقافة اسلامية ، وشكل ولون ولهجة الكثيرون منهم مثلهم مثل أهل دارفور وتكون قوتهم البدنية ضعيفة حيث لا يستطيع ان يشارك الاخرين في العمل الطوعي او العمل بصورة جيدة حيث يمكنه العمل من خلق علاقات اجتماعية جديدة وبالرغم عن ذلك نجده يندمج في مجتمع الوسط بصورة سلسة.

    بينما يأتي من دارفور من يتحدث اللغة العربية نسبة لدارسته القرأن ولديه ثقافة اسلامية وهو بصحة بدنية ولياقة جيدة تمكنه من خلق علاقات اجتماعية جديدة عن طريق العمل كان طوعي او عمل تجاري وبالرغم عن ذلك تجدة لايستطيع الاندماج في مجتمع وسط السودان.

    والغريبة في الأمر عندما هاجر الكثير من اهل دارفور الى الشمال اندمجوا بصورة كبيرة وتزاوجوا وتعلموا الرطانة واندمجوا في تلك الثقافة حتى اصبحوا جزء منها وبعضهم اصبح اعلام وحكماء في تلك المناطق وكلامهم يعتد به، هذا يعني أن المشكلة مع الوسط والثقافة الجديدة التي تشكلت في الوسط لا يستطيعون الاندماج فيها او يرفضونها.

    انا ارى أن الثقافة التي يأتي بها انسان الشمال مافيها المجاملة وفيها الوضوح اكثر من اللازم حيث يقولون للاعور اعور في وجهه وعدم وجود الثقافة الدينية لديهم تبعدهم من الجدل مع الاخرين ويغلق الباب امام الكثيرين من الثقافات الاخرى المرتكزة على الدين والعروبة على محاولة استغلالهم اجتماعيا او تجاريا او ثقافيا او سياسيا مما يجعلهم بعيدين عن الاحتكاكات مع الاخرين.

    نجد وسائل الاعلام والمجتمع في الوسط بصورة عامة يسخرون من الحلفاويين واهل الشمال والنوبة بصورة عامة ويألفون حولهم النكات ويجعلون لهجتهم المكسرة موضع سخرية كما يستخرون من اهلنا في الجنوب ولهجتهم وثقافتهم يعني ما يحدث لاهل الشمال يحدث لاهل الجنوب ولم يستطيع احد ان يشعرهم بالدونية دائما كانو معتزين بانفسهم وكان يعطفون ويشفقون على الاخرين المؤسسيين لهم.

    1. الأخ كرار
      تقول ان اهل درافور عندما يأتون لوسط السودان يصبح اندماجهم صعبا، وعندما يفدون للشمال يصبح اندماجهم سهلا، وكأنك تتحدث عن (احمد وحاج احمد)، لأن وسط السودان في تركيبته تجد المحس والدناقلة والشوايقة والجعليين والكنوز مع شكرية وبطاحين وعركيين ولحويين وحلاوين، وغيرهم ممن لا يتسع المقام لذكرهم جميعاً، كما أن شمال السودان نفسه اصبح لحد كبير يتكون من نفس خلطة الوسط.
      كل ما في الامر أن هناك مفاهيم مغلوطة عن (الجلابة) وبعض التهم ذات القوالب الجاهزة، ومتى جاء الفرد من اهلنا قبائل الفور او الزغاوة او قبيلة من الغرب إلى مناطق الشمال سيجد ان الأمور ليست كما تخيلها، وأن أمة محمد بخير، فيندمج مع اخوانه اهل الشمال، ويجب علينا ألا ننسى بالمقابل أن أهل الغرب استقبلوا (الجلابة) وعاشت اجيال منهم هناك وانقطعت صلتهم بالشمال. ومرحبا باهل الغرب والشرق في الشمال ومربحا باهل الشمال في الغرب والشرق…لأن هذا هو ديدن الحياة..ولا أحد يستطيع أن يدعي ملكية هذا السودان الفسيح.

  6. الاستاذ عصام الجزولي:
    اوافقك في جزء من مداخلتك واخالفك في جزء آخر.
    اتفق معك في ضرورة اتاحة التعليم خصوصا لمناطق النزاعات، وقد اشرت لذلك في خاتمة المقال.
    اختلافي معك، في مسألة المركز وعدم اتاحته لفرص التعليم (للهامش)، لكن علينا ان نتذكر ان كلمة هامش لا تعني فقط غرب البلاد، لأن سنكات هامش، والعفاض هامش، وابو حمد هامش، والضعين هامش، والحاج عبد الله هامش، والحقنة شمال ام درمان بحوالي اربعين كيلو متر هي ايضا هامش. ومعها مناطق اخرى في هذا السودان العريض في الشمال والشرق والوسط والغرب والجنوب (الجديد) وكلها هامش.

  7. السيد منصور آل عثمان أريد أن اعرف من أنت وهل أنت سودانى حتى تهاجم أبناء شمال السودان وهل رسالتك هذه تصب فى مصلحة نظام الكيزان البائد لأنهم كانوا يخوفون الناس ببعبع اسمهابناء الغرب ولو سقط نظام الكيزان سوف يأتى أبناء غرب السودان ويذبحون الشماليين وكأن الشماليون جالسون وفى ايدهم الحنة
    كنا نتعاطف مع ابناء غرب السودان فى جميع قضاياهم التى خلقها ابناء غرب السودان أنفسهم فلا أحد يمكنه أن يدعى أن شمالى أخذ السلاح وتحرك من شمال السودان وذهب ليقتل أخوته فى غرب السودان
    لكن هذه المجموعة المدجنة بفكر الكيزان من جنجويد او دفاع شعبى او شرطة شعبية او كتائب ظل فهم ليس منا ولايمثلونا ولو تفحصنا ملفاتهم سنجد أن غالبيتهم من غرب السودان وارجو ان يتولى شخص متخصص حصر هذه الأسماء لتى دمرت وقتلت اهلنا فى دارفور وكردفان وامتدت يدهم حتى كاجبار فى اقصى شمال السودان واسمحو لى ببدء هذا الكشف
    مولاهم هم وليس مولاى انا أحمد محمد هارون
    نائب المخلوع حسبو محمد عبد الرحمن
    ……………….. والقائمة تطول وهى بعشرات الألوف
    وكنا نتمنى ان يرفع المخلوع ومن معه للجنائية ليتكشف لأهل غرب السودان حجم الضرر الذى أصابهم من نيران يفترض ان تكون صديقة لأبنائهم من الغرب الذين ولدوهم وربوهم وعلموهم عشان يتكوزنوا ويجوا يقتلوهم
    نحن فى الشمالية وتحديدا أهلى الرباطاب حيث الذهب توجد جيوش منقبين عن الذهب من أبناء جبال النوبة وابناء دارفور ولم نسمع ان قبيلة الرباطاب قد سببت اذى لاحدهم ولم يسمع صوت الرباطاب الا حين اعلن عن زواج اثنين من المثلثين فكانت ثورة لنصرة الله ورفضا للباطل
    تعال الى دنقلا ستجد ان جيوش من ابناء جبال النوبة ودارفور يعملون فى المزارع منذ عشرات السنين ولا احد يعتدى عليهم وهم قلة بين قبيلة الدناقلة
    انه الوعى والواعز الدينى الذى يعصم دم المسلم الا يراق بسيف اخيه المسلم بينما شاهدت بالأمس شباب فى شوارع كسلا يحملون سيوف لقتل اخيهم المسلم من ابناء جبال النوبة والذين اجبرتهم ظروف الحرب ليأتوا لكسلا ويعيشوا حياة هادئة حتى لا يكونوا حطب نار الحرب لا مع جند حكومة المخلوع ولا مع الحركات المسلحة فمثل هؤلاء النوبة الذين تركوا جبال النوبة بكل جمالها وجاءوا لمناطق الرباطاب والدناقلة والهدندوة والبنى عامر يستحقون منا خلع القبعة والأنحناء ونقول لهم شكرا جزيلا لانكم لم تقبلوا ان تكونوا حطبا فى نار الفتنة
    اهل الشمال فى الرباطاب ودنقلا والمحس بوعيهم وحسن اخلاقهم تعايشوا مع ابناء جبال النوبة ودارفور ولم نسمع بإغتيالات وحرائق للبيوت كالتى شاهدناها فى بورتسودان وكسلا
    فمن يقف وراء هذه الفتنة ؟
    إنها الدولة العميقة واذناب الكيزان الذين كان المؤتمر الوطنى يحضرهم باللوارى ليحتشدوا بالساحة الخضراء ليسمعوا لخطاب الهبل من المخلوع
    كسلا التى تغنى لها الحلنقى لاتشبه هؤلاء وتحتاج لدرس عصر من ابنائها الخيرون
    أما حديث المدعو كرار احمد عبدالعزيز فهو حديث من شخص مريض لا يستحق الإجابة عليه فالشمالية يا كرار ان كنت فعلا تجيد الكر لا الفر ، قدمت جزيرة لبب محمد احمد المهدى ، ومن بعده جيوش من العلماء والأدباء كالطيب صالح ، وعبد الله الطيب ، وخليل فرح وعزة فى هواك ، الفنان محمد وردى ولو جلست أحصى لك عظماء الولايات الشمالية لما أتسعت صفحات الراكوبة لهم
    أنت رجل جاهل والجاهل عدو نفسه
    انا كسودانى مطلوب منى ان ارفع من شأن أى شبر فى السودان ، نحن الان نحترق ألما لقطة ارض فى الصحراء اسمها حلايب اخذها المصريون والجيش السودانى البطل الذى قاتل مع نابيلون فى المكسيك وقاتل مع الجيش الأنجليزى فى كرن وهزم الطليان ، هذا الجيش لم يتحرك لتحرير حلايب والسودان وفى عهد عسكرى استبدادى اسود بقيادة عبود تنازل عن اجمل ما فيه حلفا التاريخ والحضارة لتغرقها مياه بحيرة السد العالى وينعم شعب مصر وحكومته الناكرة للجميل بالامداد الكهربائى والمائى لعنة الله على عبود ومن معه من ضباط حركة انقلاب 17 نوفمبر 1958م الذين اعماهم الغباء من الضغط على جمال عبد الناصر ليمهر صك بسودانية حلايب وصك بنسبة من كهرباء السد العالى ولكن ماذا نقول غير لله ما أعطى ولله ما أخذ وأعلموا اننا لا نأتى لله كسودانين شمالين وسودانين شرقيون وغربيون فاليحسن كل منا عمله مع ربهم غفر الله لى ولكم

  8. السلام عليكم ورحمة الله. مهما بلغ الأمر. نحن سكان السودان. اذاقيس عدالسكان والمساحة. سنجد أنفسنا أقل الشعوب عددية. بالنسبة للمزارعين والرعاة يجب أن تكون هنالك شراكة. مزارع مختلطة. كي يستفيد الجانبين. بالإضافة التزاوج بين مختلف قبائل السودان. لينتج مولد سوداني وتدريجيا تنتهي النعرة العنصرية. ومازال نموزج المهاجرين والأنصار يضئ سماء الإنسانية.

  9. عندما نناقش قضايانا بعقل وفهم وعلم ودراية وحسن نية نستطيع تحليها وتشخصيها وتحديد (جذور المشكلة) وبالتالي حلها ولكن عندما نسيسيها ونكتفي بإلقاء اللوم على الآخرين يحدث ما يحدث الآن في بلادنا تشرزم تفرقة حروب قتال دم يسفك لأتفه الأسباب مفاوضات تتلوها مفاوضات تتلوها اتفاقيات تتلوها اتفاقيات والمحصلة صفر كبير والمستقبل مظلم كثير….. شكر دكتور مبارك على هذا الطرح العلمي الذي نرجو أن يستمع إليه من يجلسون في فنادق باريس ولندن ونيويورك……. وجوبا……
    شكرا د. مبارك

  10. شكرا د.مبارك علي هذا الطرح العلمي الموضوعي الهادي لقضية القبليه والعنصريه في السودان والتي مازالت من التابووهات التي لاتناقش بشفافية وعقلانيه وحياد زغم تجذرها في بلادنا, ولاتزال الكتابات العلميه حولها من الاكاديميين والمهنيين والمتخصصين قليله جدا ولا نكاد نراها الا نادرا.نتمني ان نري المزيد من هذه الافكار ونتمني ان تأخذ الدوله برأي اهل العلم في المعالجه الحقيقيه والعميقه لهذه المشكله والمتمثله في الاستقرار والتعليم والتنميه كما ذكرت بدلا من مجرد التوسط لايجاد مصالحات قبليه ككل مره وهو حل سطحي مؤقت وهش ينهار في المواجهه القادمه.
    .القبليه لن تنتهي في دوله ما الا بعد تحولها الي مجتمع صناعي وهي مرحله تاليه للزراعه ونحن لم نبلغ بعد مرحلة المجتمع الزراعي المستقر ولذلك لا اتوقع انتهاءا قريبا لهذه المشكله المتجدده لذلك لابد من بعض الحلول التوفيقيه المتدرجه لحين بلوغنا مرحلة الدوله المتجانسه ولانكن كما قال الكاتب المصري هيكل: (ان السودان مجرد جغرافيا فقط) مدللا كلامه بعدم وجود ترابط وجداني حقيقي بين مواطنيه الذين ينتشرون على مساحه جغرافية ضخمه, وهي حقيقة مره صدمتنا بقوه لانها كشفت زيفنا وعرت اقنعتنا واسقطت عنا ورقة التوت التي كنا نستر بها عوراتنا القبليه وكنا نوهم بها العالم في غباء.

  11. عدم وجود النزاعات القبيلية في مجتمعات الشمال، اعتقد هذا لسبب ان قبا~ل الشمال قليلة جدا في العدد والكثافة السكانية مقارنة بسكان دارفور كثافة كبيرة جدا جدا وكمية مهولة من الماشية التي تحتاج لمرعى وفيرة لذلك تقع الاحتكاكات، نظرتك خاطعة الاخو كاتب المقال اذا قاصد سبب عدم احتكاك قبائل الشمال نابع من التعليم والتحضر فلعلمك دارفور كانت دولة لها قوانينها ونظامها الاداري ونادرا ماتسمع احتكاك كان الحكماء من السلاطين والعمد والشراتي والنظار والدمالج كل هذا الكم الها~ل من اهل الحكمة جاءت السياسة محته بجرة قلم جاء نميري ولقى هذا السلم الاداري وجاءت الانقاذ واختلط الهابل بالنابل ودخلت النخب السياسية بثقلها وخباثتها فكان وحدات كاملة من جهاز الامن موكل اليها فتن القبائل في مابينها…. وايضا في المقابل نجد اهلنا في الشمال مسالمين نوعا واعتقد نسبتا لاحتكاكهم بالهجرات الخارجية وكان دخول الاستعمار بهذه البوابة جعلهم يعتادون على ذلك وكذلك الخنوع الذي زرعه المستعمر في نفوس السودانيين وسلبهم سلطتهم وكرامتهم واكثر المجموعات احتكت بالمستعمر نسبتا لقربهم من فكي المستعمر المصري الانجليزي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..