مقالات وآراء

دَرْدِقِي بِشِيشْ

نور الدين بريمة

دُنْيَا دَبَنْقَا

(دَرْدِقِي بِشِيشْ): هي الشطر الثاني، من حكمة أهل دارفور ومثلهم الشعبي، الذي يُنبّه إلى تحريك الأشياء التي لا تحتمل الحركة والتنقل، إلّا بمهل وتأنّي، لتجنّبَ الكسْر والخرابْ.

فيما جاء شطر المثل الأول: (الدُّنْيَا دَبَنْقَا)، مُشبّهًا الدُنيَا بالدَبنْقا، ذاك الإناء الطيني، الذي يصعب بأي حال من الأحوال نقله وتحريكه من مكانٍ إلى آخر.

وتقوم (المِيرَمْ)- أي المرأة في دارفور- صاحبة الخبرة والدِّرْبة والدِّرَاية، بصناعة الدبنقا من طينٍ لازِبْ، ثم تقوم بحرقها، داخل بيْتها، قبل أن تقوم بتشييد وتعريش هذا البيْت.

والدبنقا هي صَومعةُ ذلك الزمان، تمت صناعتها لحفظ الغلال والمحاصيل، من نوائب الدهر وظلاماته.

وهذا المثل فيه دعوة للناس إلى جعل التُؤْدة والرويّة والتعقّل، مِنْهاجًا وسُلوكًا نتَزيّا بهما في إدارة الأمور، ومعالجتنا للمشكلات، لكيلا تكون ويلًا وثبورًا لنا، بل هدمًا ودمارًا وخرابًا لنا كذلك، ونهايةً لكل من لم يَرْعَوِي ويَعْتبِر.

وقد جعلتُ من الشطر الأول للمثل، أيقونةً لعامودي الصحفي، في كتابة الرأي وإسداء النصح، وكشف الخلل.

وأهل دارفور عُرفوا مَبجُولين ومفعومين بالقول الحكيم، ولكأنني هنا أستطرد حديثي وفي مخيلتي، ما يدور هذه الأيام من نشاط كثيف، لرئيس مجلس الوزراء د. عبد الله حمدوك وحاضنته السياسية، في قوى الحرية والتغيير.

مُنخرطين جميعهم في إجتماعات متتالية، ربما تتاكثر- عاجلًا لا آجلًا- خُبزًا وتمنّي، وخيرًا وفيرًا، وإستقرارًا هانئًا لأهل السودان.

تهدف تلك الإجتماعات إلى اللحاق بركب قطار الثورة، ولملمة شظاياها حتى لا تقع الفأس في الرأس، من كثرة المُشكلات- أي الرأس- الذي أصابه بعضًا من حُسّادِه من بني الكيزان، وخلافات وتباينات ثواره، بالعَطبْ و(الفَلْقَاتْ)، جمع (فَلْقَة)، وهي التي يمكن أن تُسبب جراحًا غائِرة، تصعب مداواتها.

وهذه الفلْقاتْ تتناثر هنا وهناك، إما: لتردد حكومة الثورة، أو لضعفها وعدم قدرتها في إتخاذ القرارات، أو لبطئها في التعاطي مع القضايا، في الزمان والمكان المناسبين، أو لغياب الشجاعة قولًا ومعنًا، في إدراك القضايا.

هذا ما يستدعي الحذر والجِدّة، من الحادبين على المصلحة، من قوى الحرية والتغيير، وأن يتحمّلوا أي- الحكومة بشقيها والحاضنة السياسية- مسؤولياتهم كاملةً غير منقوصةً، في معالجة القضايا.

والعمل على إستكمال هياكل السلطة المدنية، المنوط بها بالطبع تحقيق وإنجاز أهداف ثورة ديسمبر المجيدة.

ولذلك نقول: إن القضية ليست مقصورة على الجلوس فقط لِلَملمة أطراف الأمور، بقدر ما تكمُن في ماهيّة الإرادة السياسية لحُكومة الثورة، بشقيْها السيادي والتنفيذي وحاضنتهما السياسية، في إتخاذ القرارات، وتحمّل المسؤوليات تجاهها.

أو الإعلان صراحة على مَلَئٍ من القوم، عن مَن هو المُتسبب في التأخير؟، ليعرفه الرأي العام .. وهل المتسبب هي مكونات الثورة نفسها؟ .. أم هي الحكومة بشقيها؟ .. أم أن هناك فاعلًا آخر خفي؟ .. ومن هو هذا الفاعل؟، أو أن تعلن الحكومة صراحةً وبكل وضوح عن فشلها، في إدارة دولاب الدولة، ويترجّل كل مَنْ ضعُف عن موقعه.

حتى يفسح المجال لغيره، ولربما القادمين الجُدُد، قدرتهم على إستبدال الحال بأفضل مما هو عليه الآن، وأنفع للشعب.
نور الدين بريمة
[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..