مقالات وآراء

أشلاء وطن … السودان المصلوب على مقاصل التحالفات

محمد صالح محمد

تحت سماءٍ لم تعد تُمطر سوى الرماد وفي أزقةٍ كان يملؤها ضجيج الحياة فأضحت مرتعاً للصمت والترقب يقف السودان اليوم عارياً إلا من جراحه ليس الوجع في الرصاصة التي تخترق الجسد بل في تلك التي تخترق الهوية لتقسم القلب الواحد إلى أشلاء موزعة بين عواصم ومقرات و”تحالفات” ولدت من رحم الفجيعة و لكنها لم تزد الفجيعة إلا اتساعاً.

نيالا… جرح الغرب النازف

في نيالا حيث كان النيل يغار من كرم أهلها صار المشهد عبارة عن لوحة سريالية من الانكسار. “تحالف نيالا” ليس مجرد تكتل سياسي أو عسكري في نظر البسطاء بل هو شاهد على تمزق النسيج الاجتماعي الذي فُتل بعناية عبر القرون هناك يبكي الأب ابنه الذي اختار خندقاً لا يشبه ملامح والده وتنظر الأم إلى خارطة الوطن وهي تتساءل متى صار الجار غريباً والبيت متراساً والمدينة ساحة لتصفية حسابات الغرباء؟

بورتسودان… مرافئ الوجع والانتظار

وعلى الضفة الأخرى حيث يئن البحر الأحمر من ثقل الدموع تقف بورتسودان كآخر الرئات التي يتنفس منها جسد منهك لكنها اليوم ليست ميناءً للتصدير بل هي مرفأ للانتظار المرير “تحالف بورتسودان” يرتدي جبة الشرعية ويتمسك بأطلال الدولة وبين أروقته يضيع السوداني المهجر من بيته في الخرطوم باحثاً عن ختمٍ أو ورقة تثبت أنه لا يزال ينتمي لبلادٍ تضيق به كل يوم. في بورتسودان الصمت ثقيل والوجوه شاحبة كملح البحر والكل يسأل هل ننتظر فجراً أم ننتظر غرقاً أخير؟

صمود… المفردة التي أرهقها الواقع
بين هذا وذاك يبرز “تحالف صمود” وغيره من المسميات التي تقتات على مفردات القوة بينما الواقع يوحي بالهزال و أي صمودٍ هذا الذي يطالبون به مواطناً لا يجد كسرة خبز أو طفلاً يرتجف من دوي القذائف؟ الصمود الحقيقي هو صمود تلك المرأة التي تخبئ صغارها تحت الأسرّة وصمود الشيخ الذي يرفض مغادرة منزله المهدم خشية أن يفقد آخر خيط يربطه بالذكريات.

الوطن ليس وجهة نظر…

السودان اليوم يغرق في لجة “الثنائيات” القاتلة مابين شرق وغرب ومابين عسكر ومدنيين ومابين تحالف وآخر. لقد تحولت الخارطة التي كانت تشبه القلب إلى قطع شطرنج يحركها الخوف والمصالح.
إن الحزن العميق لا ينبع من ضياع المدن فالمدن تُبنى، بل ينبع من ضياع “السوداني” في زحام هذه التحالفات لقد صار المواطن غريباً في وطنه لا يملك من أمره سوى الدعاء لبلادٍ ترفض الموت رغم كل السكاكين التي غُرست في خاصرتها.

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..