مدينة عالقة بالذاكرة: تمنى العودة لودمدني من جديد

صديق الحلو

كان  بدري عليك وانت  تتابع غابة ام بارونا في تلك الازمنة المحفوفة بالتوق والعشق المستبطن الذي يغوص في الوجدان. ود مدني السني عطرها يضوع في الإرجاء جئتها….محطة السكة الحديد مودعون  ومغادرون في نضارة العسل وبهاء الحليب …القبة الشامخ هلالها وجزيرة الفيل. نادي الجزيرة حيث استوطن الجمال هناك وملك الطيور  نشوان. طيف  ودمدني السري والغامض يستهويك والمدن الغريبة كالنساء تماما لاتفك  مغاليقها بسرعة. تختزن اللئالي  والجواهر واشياء اخرى. تندفع نحوها تقابلك ارضها الآمنة وسمائها المطيرة وانت  هناك  تحس بسعادة لاتضاهي تمتليء بالنشوة والارتواء.  ود ازرق. دردق.

حنتوب. مايو. الشكابة. ونادي الخريجين ياللبهاء  حيث التاريخ هنا  له صولات  وجولات. ود مدني الحلم القديم المتقد المزهر. بملايين الالوان. الله لي مدني  وشباب  مدني الآسر.تفرح وانت تزور نادي الجزيرة ونادي  الاتحاد. مقهي ود العود بالسوق الكبير  ومقهي الاستقلال  ومكتبة  مضوي..كيف  امتزجت ذاكرتك في مدني بالعشق  وذاك الوله؟ كيف؟

مدني مشروع الجزيرة مطوقة بالمدن والاخضرار وضوء الشمس الجارح. طابت. الطلحة. فداسي. الكاملين. حلة حسن. ام سنط.مهلة. الحوش. وادي شعير. الرميتاب. وبركات. تلتقيك  رشيقة وضاحكة تعانق الازرق المهيب في وله  وفي غمرة فتوتها الافريقية لديها طقوس التداخل مع الناس كموج الشاطيء يهمس لقوقعة مصمته مغلفة ببكارتها. تتواطأ معها في السر وكلاكما عطش. تبدو معلقا في سقفها يمتلكك التوق والحنين وذاك النزق. وهي تعرف مواسم التدلل. كطفلةمراهقه لاتعطيك قيادتها بسهولة. وعندما تعرفها يتمخض الود الراعف الي شغف. تزحف نحوها تتوتر اعصابك  وتصاب بحمي الرغبة وآلام حامد. تبحث عن رقية تقيك ضد تقلبات الألم وتاكلات النسيان. تزور قبة الشيخ  ود كنان تطلب المدد وتذهب للشيخ ابودوايه في ام سويقو علي تصيبك  نفحات اليقين. يسعفك الشيخ  شاطوط. تتنزل عليك البركات. تستريح عند الشيخ سعدابي تطير  بجناحين  وتواصل  المسير. تشفي..ترتقي…تتمدد كديناصور. تهبط علي روحك المسكونة بالحب السكينة. تسمع هاتفا  من السماء: مالو اعياه النضال بدني. وروحي ليه  مشتهيه  ودمدني. مدني بنساؤها الجميلات وبشواطئها الدافئه احتضنها الود.رسوت هناك وهي محملة بالتاريخ  والنضال  والثورة. التقيت الشاعر حميده ابوعشر وهو يبارح  ودمدني:وداعا روضتي الغناء  وداعا معيدي القدسي….طويت الماضي في قلبي  وعشت علي صدي الذكري. وهذا الدمع  قد ينبيء بظلم  المقلة الحيري…

اتري  سوف يأتي يوم تغادر فيه ود مدني  وماذا عساك قائل بعد حميده الذي خلد  وداعه في قصيدة تتناقلها الاجيال. وتحترق شوقا للذهاب لمنزل بهجة القبطية.. قبل أن تصله تسمع صوت محاسن الرشيد تغني: زمانك  والهوي اعانك
.احكمي فينا هذا  اوانك…بهواك كيف اطيق سلوانك..ياالبهجة عدتي وعاد وهل هلالك. يبشر عبدالرحمن ابوحس  .وعبدالرحيم ويعرض  قرشي  وتزغرد  نجوي والعافية. انهكك المشي. المنازل البيضاء.الساحات والشوارع. الضني  والتعب. استرحت تحت ظل شجرة الحراز الضخمة علي شاطيء النيل الازرق الوهاج. تمددت في هواء الحلم. حكايات  ودمدني الاسطورية العامرة بالحنين القديم  والشجن. تستعيد  الالق الماضي. اهلها  متدفقون بالحيوية والنشاط. المقاهي علي  الارصفة والمقاعد. يجلس عليها شباب  كالورد بضحكاتهم البريئة يشربون القهوة بالجنزبيل ويتناولون  الايس كريم بعد  أن انجزوا ثورتهم. تعلو الهمسات تنطلق الغيرة. والغريب  من سمته  واضح
طائر يغرد  قتله  الحب. محمد عوض الكريم القرشي في ود مدني يقول شعرا:

في الشاطيء ياحبان ساهرتو بينا
..عند النهر والنور ساهرتو بينا

.والساقية بينا تدور القمري يحكي الحور وبراي  انا  الفنان. الموج يداعبنا ساهرتو بينا. والحب يقربنا ساهرتو بينا. الشادي يفرحنا..والعود  معاه  كمان. ودمدني تنسي كل  الاهانات القديمة والاسي  وهي  تنظر الي  الامام  بثقة. والسودان علي ايام الحكم الانجليزي المصري. والناس يتحملون الحكم مرغمين لاشيء يبقي علي حاله والدنيا  جميلة  رغم  الشقاء. نضالات  احمد خير المحامي

احمد ابراهيم ابوسن. ابراهيم القرشي. الحسين  الزهراء. محمد طه الشقدي. عبدالرحمن نقد الله. حامد الجبلابي. وبابكر بدري. هؤلاء  اهلي ااتني بمثلهم. بالتصميم  والارادة الحرة تركوا بصماتهم الي الابد في سجل الخالدين العاملين  للوطن. وتطور الوطن بامكانيات بنيه ايمانه بالمستقبل. تشرب الشاي في مقهي الاستقلال تستغرق في الزمن البعيد. ود مدني يكسوها شفق ذهبي عند  الاصيل منارة باضواء  طفولتها. هبوب ناعم للريح. ومن  فضاءات  ودمدني  والجزيرة خرج  غناء المطرب ابوعركي  البخيت. والموسيقار محمد الامين. الاسطورة  الفنان  مصطفي سيد  احمد. ود سلفاب.محمد مسكين. إبراهيم الكاشف. عبدالعزيز المبارك. اكتسحوا  وجدانيات شعب السودان وساعدوا  في تشكيلها ابهجوهم  وقلبوا ليلهم الي عشق  وسرور. في جلسات الروح  والراح . ونشوة هابطة كموجة من موجات الازرق الوهاج في ضحي الاصياف  القائظة. الحدائق الخضراء المواجهه للنيل تتلألأ بنجوم الزهر الابيض  والاصفر  والبنفسجي. اسراب  القمري والعصافير مفتوحة من وراء الافق هنا يحلوالغناء  وقول الشعر الجزل. الناس  هنا يسري فيهم حب  الجمال. وكاطفال يتراشقون بالماء مستمتعين بغابة ام بارونا

ومدني في ملامح  وجهها المندي برطوبة المساء ترعاهم. تهتاج الذكري عل شكل موجه عابره مالبثت ان حلقت في فضاءات المساء  الوردي  المنعش. طارت  اسراب  الطيور. ودمدني مضيئة  ونائية كنجمة المساء في ذلك الليل الهاديء. اشجارها الباسقة قرب النهر العظيم. اشجار اللبخ والنيم. ينبثق شهاب لامع في ظلمة الليل من القبة المعانقة السماء. عندما كانت المدن السودانية يكتنفها التناثر  والضجر كانت ودمدني والجزيرة تقف معها دون  من أو سلوي. ايام  ازدهارها المتوهج تنطلق طيور الحنين منهل تغمر بكرمها الناس  وتنشر السلام العابر الذي  يخترق  العاصفة  .

وفي الليل العابق بالشجن  والنسيان  والظلال.يحدثك ادريس  احمد النور ويعقوب  جفون  عن  لاعب المريخ حموري. وعن اللاعب سامي عزالدين. وعن عوض حلاوة  وشيخ العرب  وشيخ  الامين. مجذوب  عيدروس. احمد الفضل. مبارك الصادق  وعن تلفزيون الجزيرة ورابطة الجزيرة للآداب  والفنون. تغفو  تحس  بانفاس  مدني الحاره. العطرة واللدنه. في الغداة بعد الضحي تنوي المغادرة. تركب الباص الضخم  كسمك القرش ينحدر في شارع الإسفلت المتجه للخرطوم. المزارع والمراعي  الخضراء  علي  مد البصر. تلوح لودمدني مودعا. شاطئها الساحر وحدائقها التي هبط  فيها  القمر سرا في ليلة صيفيه رائعة. وانت مغمض العينين تحس طيفها المزجي. طيورها وازهارها. فراشاتها  وغزلانها. مدني  مدينة  الحب والحرية . تتوهج خلاياها فتنطلق الطيور ترمح خيولهافي الغابات  والحقول.

مع دفقات الهواء البارد ينتعش الجسد. طيور سئمت الظلام تفرد اجنحتها وتنطلق اسرابا في السماوات الرحبة. تروح الكآبه يهاجمك الحنين  من جديد في ذلك العالم المنسي  من الكون. اوقات  الاضطرابات تموت الأحلام  القديمة. لايجدي البكاء  ولا الهذيان بخفوت . ولا انشقاقات  الوهم المتوهج الذي  يفقدك  صوابك. تعود  وقد تركت روحك هناك. فتبعثرت حناياك في كل  اتجاه. بروح فتيه تعدو تشتم روائح عشب الجسد  الغض وتتداخل  الاسئلة تلج  الممكن  والمستحيل. تسمع  عزيف الريح واصطفاق النوافذ تدخل  كل الثقوب.في تلك الايام البهيجة والخريف  اتي  كزخات  الدعاش. وصلت  وأقبل  العالم  كصدفة .  ورحت  تستعيد الصور والاحلام والرغبات.

لسياسة تصيب  الناس ب اللعنات. والوفاء  العائلي  الذي  تشتهي. يبدد  حلكة الايام المنحطة. لاتضيع  الوقت  بالاحاديث  التافهة مع الناس  المطاميس. والا  سيأتي الجنون علي شاشة هذا  الليل. الموت  اغنية حزينة يعزفها الزمن  الخائب. الحياة المجيدة تولد من موت لائق. الصفاء  والاشراق. والحلم بالمستقبل الوضاء  وامواج التحولات. وقد تتساءل الان  ماذا تبقي  من الجمال  والتوق بعد هذا الغياب الطويل. يطوقك  الحنان الضاغط تتوهج  روحك  وتتقد. وتتمني  ان تعود ل ود مدني من  جديد.

صديق الحلو
[email protected]
الخرطوم  بحري 4 يونيو 2020م

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق