مقالات سياسية

استحالة وجود أحزاب دينية!

صديق النعمة الطيب

حضور الاسلام في السياسة والحياة بصورة عامة، هو عبارة عن قيمة مضافة لأخلاق الناس،  وليس بروتوكولاً أو مذهباً ينبغي على المسلم أن يعيش بمقتضاه، بالتالي الاسلام لا يمكن أن يكون ايديولوجيا تعبر عن جماعة بعينها او حزباً، فالمسلم يدخل مجالات الحياة المختلفة بما فيها السياسة بقيمه ومبادئه وتربيته وحرصه على الصالح العام، فهو لا يدخل بزي أو شكل معين، الاسلام ليس (نظام) له محددات صارمة ينبغي التقيد بها، ولكنه رؤية شاملة للحياة تدخل في كل نظم الحياة المختلفة، الاسلام من الحياة بمثابة الهواء والماء، يدخل في تكوين كل شيء دون أن يفرض بروتوكولاً أو شكلاً أو نظاماً محدداً أو حتى حزباً ايديولوجيا.

ظلت (الحاكمية) في مجال الفقهيات والفرعيات إلى أن جاء المودودي الهندي الأصل (بعد الخوارج) في عصرنا الحديث وحولها إلى باب العقائد والأصول، وتلقف الفكرة من بعده سيد قطب وبنى عليها وكفر بموجبها العالم الاسلامي، ومن ثم راجت الفكرة في العالم المسلم وتناسلت عنها كل الحركات الاسلامية، وقبل ذلك من لدن الخلافة الراشدة مروراً بالامويين والعباسيين والعثمانيين لم تكن الحاكمية من الاصول والعقائد ولكنها ظلت حاجة بشرية وضرورة للبقاء تنظمها الفقهيات والفرعيات، وإن كانوا يربطونها بحفظ بيضة الدين، لذلك وضعوا رواية (إن الله لينصر هذا الدين بالرجل الفاجر)، فتحول الشأن كله إلى ميكافيلية صريحة، ليتحول الحكم إلى ملك بغيض.

مكمن الخطورة أن من يدخل السياسة بجلباب الدين، هو نفس الشخص الذي ينافس في الساحة السياسية بأدوات وآليات السياسة المشروعة والمتاحة للجميع، إلا أنه يخذلهم ويدخل من الباب الخلفي في ثياب الواعظين ويقول يا عباد الله توبوا وادخلوا في (حزب) التائبينا، ثم يبدأ في الاستدلال بالنصوص الدينية واقحامها بلا ورع ولا عقل لتخدم أهدافة الوصولية فيجأر في المنابر بقوله (تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم!)، فيسقط في حباله الرجرجة والدهماء.

 

معلوم لكل صاحب عقل أن السياسة هي فن الممكن، فهي مرتبطة بما هو كائن لذلك تتحرك مع الواقع صعوداً وهبوطاً، وتنتهج رغم انكار بعض الساسة نهج (البراغماتية) كوسيلة للوصول إلى الأهداف والغايات، فغاية برنامج السياسي هي الوصول إلى السلطة، بينما الدين بالمقابل يتحدث عما ينبغي أن يكون عليه الواقع على مستوى الانسان، وغايته هداية الناس وصلاحهم، والدين لا يتقيد بالحدود الجغرافية، ولا يحابي أبناء وطن على آخرين، بعكس السياسة التي تقوم بالأساس على مفهو (الوطن)، وهذا ما يجعل أحزاب الاسلاميين عابرة للحدود، فمازالوا يحلمون بامبراطورية القرون الوسطى، التى حكم عليها التاريخ بالفناء الأبدي، وهذا ما يجعل مقاتلي الحركات الاسلامية يقاتلون في كل الدول دون احساس منهم بالتغول على اصحاب تلك الدول أومصادرة حقهم في الاختيار أو الموافقة على دخولهم والعبث بمواردهم ونهبها.

 

فشل السياسي يتيح للناس سبه وشتمه (بحسب الاعراف المتبعة) ورميه بالبيض كما يحدث في الغرب، ولكن عندما يخرج السياسي على الناس في لبوس الداعية فان هذا الشتم يطال (رمزية) الدين المتمثلة في الداعية، وينسحب الشتم على غيره من ذوي الاخلاق الفاضلة. لذلك عندما انفتحت السعودية وألغت هيئة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، خرج كثير من الناس عن الدين لظنهم أن الدين قرين رجال الدين الفاسدين، وهذا ما حدث بعد الغاء قانون النظام العام في السودان وان بنسب أقل من السعودية.

 

لذلك أيها الناس، من يقول أنا سياسي ولست داعية، فإن ذلك لا يشير بأي حال من الاحوال الى انسلاخه عن الدين، ولكنه فقط يقول أن السياسة تتعامل مع الواقع، والدين يسعى لتحقيق الكمالات العليا. الاسلاميين في تونس فطنوا لهذا المطب ففصلوا الحزب عن الدعوة، فنتمنى ألا تكون خطوتهم محض تكتيك.

 

‫3 تعليقات

  1. لك التحية و الإحترام
    أفدت و استمتعت كثيراً، فهذا خطاب قل أن يكتب هذه الأيام. مقال عظيم يستند على المنطق و مقدرة متميزة على مخاطبة العقول
    أدام الله عليك نعمة العقل و الإستنارة و التنوير

  2. لم تكن الحاكمية من الفروع او الفرعيات كما قال كاتب المقال بل ان كل الدول الاسلامية كانت تحكم باحكام الشريعة الاسلامية بما في ذلك الجانب المالي و الاقتصادي الة ان جاءت حقبة الاحتلال الغربي الذي سمي بالاستعمار و تغيرت الأمور

    اليك هذا الاقتباس الذي يبين اول حادثة في العالم الاسلامي لحكم علماني و فتوى الشيخ ابن تيمية و بقية العلماء في وقته فيها : ( لما غزا هولاكو بغداد واجتاح التتار العالم الإسلامي، حصل أن بعض التتار أسلموا لكنه كان ضعيفاً كإسلام كثير ممن يعيش في دول الغرب ليس لهم من الدين إلا الاسم، وكانت قوة الإسلام متمركزة في بلاد الشام ومصر.
    وهنا تأتي فتوى شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية رحمه الله في التتار ذلك الحين، التي كان سببها كما ذكر الحافظ ابن كثير رحمه الله في البداية والنهاية أن الناس اختلفوا في شأن التتار، فقال قوم: كيف نقاتلهم وهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وهذه الشبهة القديمة الحديثة المتجددة، وقال قوم: يقاتلون قتال البغاة، وقال قوم: يقاتلون قتال الخوارج فاختلف الناس في أمرهم، وصارت ضجة ولم يحسم العلماء الموقف في شأنهم، فيقول الحافظ ابن كثير: فأصدر شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية رحمه الله فتواه في شأنهم، فاجتمعت عليها الكلمة، واتفقت عليها الأمة والحمد لله، وهو أنه قال: إنهم يحتكمون إلى الياسق الذي وضعه الطاغوت جنكيز خان فلم يحكموا بشرع الله، فهذا مما يبرر قتالهم قتال الخارجين على شريعة الله تعالى ودينه، فبناءً على ذلك وفق الله تعالى المسلمين كما يقول الحافظ ابن كثير رحمه الله واجتمعت كلمتهم وخرجوا ومعهم شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية رحمه الله، لقتال التتار صفاً واحداً، وكان شَيْخ الإِسْلامِ رحمه الله يقاتلهم ويبشر المسلمين بالنصر، حتى كسر الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى شوكة التتار وخفض أمرهم وانتصر عليهم المسلمون. )

    1. السلام عليكم..

      ابن تيمية يظل (مجتهد) ولكنه لا يمثل احد مصادر التشريع..

      ثم..

      كلمة حكم في القرآن لم تأت ابداً بمعنى (نظام الدولة) فقط أتت بعنعى (القضاء) والأحكام الشرعية من عبادات وحلال وحرام..

      ولذلك عندما نادى الخوارج بالحاكمية لله وان الحكم الا لله قال لهم على بن أبى طالب (الحكم لله و الإمارة للناس)، أن هي إلا كلمة حق اريد بها باطلاً..

      الله اعلم بخلقه وما كان ليترك امر الدنيا وشؤون الناس لقلة تتحكم في مصيرهم…

      ثم.. يا صديقي يبدو أنك لم تفهم مقصود (الفرعيات والفقيات والقائد والاصول) هذه مصطلحات تتعلق بما هو عقدي لا اجتهاد فيه ولا يقوم الدين الا به، وما بين ما هو اجتهادي استنباطي يخطئ فيه الناس ويصيبوا ويتغير بتغير الأزمان والأحوال.. ومستحيل ان يكون هنالك نظام حكم جامد والا جمدت الحياة..

      سبب تخلف المسلمين اليوم هو الخلط بين ماهو اصولي وبين ما هو فقهي يخضع للعقل والنظر…

      أسعدك مولاي أينما كنت ومتعك بالصحة والعافية يارب العالمين

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..