مقالات وآراء

حين تختلط البنادق بالشعارات: من يمثل السودان حقاً؟

أحمد عثمان محمد
منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023، برز مشهد مقلق يعكس تحولاً خطيراً في طبيعة الصراع. فالمؤسسة التي كانت تُعرف سابقاً بالقوات المسلحة السودانية لم تعد تتحرك وحدها في ساحة المعركة، بل باتت تحيط بها تشكيلات أيديولوجية مسلحة، أبرزها ما يُعرف بكتائب البراء وغيرها من الكتائب المرتبطة بالحركة الإسلامية. وهذا التطور لا يمكن النظر إليه باعتباره تفصيلاً عابراً، بل هو مؤشر عميق على طبيعة المشروع الذي يُعاد إنتاجه تحت غطاء الحرب.

لطالما ادّعت المؤسسة العسكرية أنها تقاتل دفاعاً عن الدولة السودانية. غير أن المشهد الميداني والسياسي يكشف واقعاً مختلفاً؛ إذ أصبحت الحرب، في كثير من الأحيان، منصة لعودة تنظيمات الإسلام السياسي التي لفظها الشارع السوداني خلال ثورة ديسمبر المجيدة. فبدلاً من أن تكون المؤسسة العسكرية حارساً للدولة الوطنية، يظهر أنها فتحت أبوابها – طوعاً أو اضطراراً – أمام كتائب ذات خطاب تعبوي إقصائي، يعيد إلى الأذهان أكثر الفصول ظلاماً في تاريخ السودان الحديث.

إن وجود كتائب مثل “البراء” وغيرها داخل معركة يُفترض أنها معركة دولة، يطرح أسئلة مشروعة حول طبيعة القرار العسكري ومن يملكه فعلياً. هل ما زالت هذه الحرب حرب مؤسسة وطنية، أم أنها تحولت تدريجياً إلى ساحة تعبئة أيديولوجية تُدار بروح الانتقام السياسي واستعادة السلطة المفقودة؟

الأخطر من ذلك أن خطاب هذه الكتائب لا يكتفي بالمواجهة العسكرية، بل يحمل في طياته لغة استقطاب حاد، يُقسم السودانيين بين “مؤمنين” و“أعداء”، ويُعيد إنتاج معادلة خطيرة تقوم على احتكار الوطنية والدين في آنٍ واحد. وهذا الخطاب لا يهدد خصومه السياسيين فحسب، بل يهدد أيضاً فكرة الدولة نفسها، لأن الدولة الحديثة لا تُبنى على ميليشيات عقائدية، ولا تُدار بعقلية التعبئة الدينية.

إن أي مؤسسة عسكرية تحترم نفسها وتاريخها يجب أن تدرك أن اختلاطها بكتائب أيديولوجية مسلحة يقوض ما تبقى من شرعيتها الوطنية. فالجيوش الوطنية تُقاس بمدى انضباطها واستقلالها عن الأحزاب والتنظيمات العقائدية، لا بقدرتها على استدعاء المتطوعين المسيسين إلى ساحات القتال.

ولعل السؤال الأهم اليوم ليس من ينتصر عسكرياً في هذه الحرب، بل أي سودان سيخرج من رمادها. فإذا استمر هذا التماهي بين ما يُعرف بالقوات المسلحة وبين كتائب الإسلام السياسي، فإن الخاسر الحقيقي لن يكون طرفاً في المعركة، بل الدولة السودانية نفسها.

إن السودان الذي خرج شعبه إلى الشوارع مطالباً بالحرية والسلام والعدالة لا يمكن أن يُعاد تشكيله عبر تحالف السلاح مع الأيديولوجيا. فالتاريخ علّم السودانيين – بثمن باهظ – أن عسكرة الدين وتديين السياسة طريق قصير نحو الانقسام والدمار.

لذلك فإن المسؤولية الوطنية اليوم تقتضي الفصل الواضح بين المؤسسة العسكرية كجهاز للدولة، وبين أي كتائب أو تنظيمات أيديولوجية تسعى لاستخدام الحرب جسراً للعودة إلى السلطة. فالدولة لا تُبنى بالكتائب العقائدية، بل بالمؤسسات المهنية التي تخضع لإرادة الشعب وسيادة القانون.

وإلى أن يتحقق ذلك، سيظل السؤال معلقاً في ضمير السودان:
هل ما يجري حرب من أجل الدولة… أم حرب لاستعادتها إلى قبضة مشروع قد لفظه الشعب من قبل؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..