مقالات وآراء

الزراعة السودانية ومشاكلها ومناهج العلوم الزراعية بالكليات (3)

ب/ نبيل حامد حسن بشير

هل تقبع مشكلتنا في (التخطيط) للمستقبل؟ أم في مقدرتنا على  توفير( العملات الصعبة) لاستيراد التقانات الانتاجية؟ أم في (مقدراتنا التصنيعية) وتطبيق العلم في الصناعة (يعني منظراتية  ساااكت)؟ أم في ضعف (مقدرات المزارع) السوداني؟ أم في مقدرات وامكانيات (المرشد الزراعي) لنقل التقانة للمزارع ومتابعته؟ أم في (مناهجنا) التي ندرب بها الخريج الزراعي وعدم كفايتها ومواكبتها للمستجدات و مقدرته على حل المشاكل والادارة؟

عند  مراجعة ما تم خلال قرن من الزمان في كل دول العالم المتقدم والمتطور والنامي والمتخلف ، نحن ضمن تقسيم جديد خاص بي وهو “المساكين”،  سنجد أن الأساس في التطور( العلم والتخطيط العلمي)  الصحيح والالتزام بما جاء بهما.  أقول أننا  ضمن تصنيف (المساكين) لأننا نملك كل شيء ولا نعرف كيف  (نديره) ونستفيد منه!!!. قال أحد الخواجات لمجموعة من السودانيين أنه في حيرة . فكيف لدولة تملك كل هذه الامكانيات أن  تكون في   وضعها المذري  الحالي وسألهم: how did you manage to deteriorate that much???!!!  

سؤال وجيه ومشروع ومنطقي وفي مكانه. نملك كل ما ذكرناه في الحلقتين السابقتين.  فكيف بالله وصل بنا الحال الى ان نكون دولة (مسكينة) تتلقي المعونات.  من المفترض،  طبقا لتقديرات الأمم المتحدة ومنظمة الأغذية العالمية،  أن تكون واحدة من أربعة دول مرشحة لتكون سلة غذاء العالم ، و أغلب أهلها يهاجرون منها  والبقية، حتى البنات، يفكرون في الاغتراب أو الهجرة النهائية  لأوروبا وأميريكا وكندا واستراليا ونيوزيلاند. بلاد  لا أعرف كيف سيتأقلمون عليها ، خاصة من الناحية الاجتماعية والقوانين والاعراف والتقاليد التي لا تشبهنا ولا تناسبنا، وان كانت تلك  العادات والتقاليد والقوانين موجودة في بلادنا لرفضوها جملة وتفصيلا، لكن هدفهم جميعا اقتصادي ومادي بعد أن يأسوا من أن يقدم لهم وطنهم ما يريدون،  ويعتقدون أنها ارض الأحلام. فان كانت كذلك لما عدت أنا شخصيا من الولايات المتحدة بعد سنوات الدراسة الأربع، رغما عن كل الاغراءات التي عرضت علي للبقاء بجامعاتها.

سنناقش في هذه الحلقة والحلقات القادمات ما يلي: التخطيط في المجال الزراعي، العلم (بحوث وجامعات)، التقانات والتصنيع،  الادارة والارشاد الزراعي، التسويق والمعيقات، المزارع (النوعية والمقدرات ورفع المقدرات، ورفع الوعي).

 

  • التخطيط

 

منذ الاستقلال و البدء في برنامج السودنة استمر حال الزراعة السودانية كما كان عليه أيام الاستعمار وبنفس الأهداف والأغراض والأساليب. ثم بدأت حكومة نوفمبر في التوسع في بعض المشاريع المروية (المناقل وحلفا) أيضا بنفس الأهداف  والأساليب والانماط دون أي ابداع،  وجاءت حكومة مايو بالتوسع أيضا في الرهد والسوكي وبعض مشاريع النيل الأبيض والأزرق، لكن أيضا  بذات نمط مشروع الجزيرة دون اضافة أية ابداعات أو لمسات تواكب ما هو مطلوب عالميا وللأجيال القادمة.  كان انتاج القطن للتصدير (خام) هو الأساس في الزراعة المروية والمطرية ن  مع اكمال الدورات الزراعية بما يغطي حاجة المزارع من ذرة  رفيعة وفول سوداني كمحصول نقدي يتصرف فيه المزارع ليغطي احتياجاته المعيشية الأخرى. قد يقوم ايضا  بزراعة بعض الخضروات من بامية وطماطم وعجور وبصل  لتوفير سيولة لاحتياجاته اليومية، والقليل من البقر والضان والماعز والدواجن، أي أنها مشاريع (اعاشية فقط). 

 كنا نسمع بالخطط الخمسية والعشرية..الخ، لكن أغلبها كان يركز على التوسع الافقي  مع ضعف  التخطيط والتفكير بعمق  وتوفير الامكانيات للتوسع الرأسي. كما تم وتوفير بعض المدخلات لتحسين كمية وجودة المنتج بطريقة تقليدية كلاسيكية. كل ما جاءت به هذه الخطط  هو زيادة المساحات المزروعة، وتحسين (مؤقت) لأداء بعض قنوات الري. أما التفكير في الصناعات التحويلية فكان في بداياته وبضعف شديد وبخطوات خجولة. فتم وضع برامج له بمشروع الجزيرة وبعض  الرأسمالية الوطنية، ولم يجد التشجيع الكافي مما جعل المؤسسين للفكرة في الهجرة بعد أن يأسوا، والكثير منا سمع عن المرحوم د. م.  كشة وجهوده في هذا المجال.

بالنسبة لتوطين المدخلات، قامت حكومة مايو بإنشاء مصنع للسماد بضاحية الشجرة، ولم ينتج جوالا واحدا  منذ تركيبه حتى تاريخه،  ولا نعرف اسباب لذلك. كما تم تأسيس مشروع الكناف بابي نعامة لإنتاج الجوالات (الخيش) ولم يحرز النجاح المتوقع منه لأسباب أيضا غير منطقية. اسست مصانع   في عدة مناطق انتاجية مثل البان بابانوسة، واللحوم بكوستي،  والبصل بكسلا،  والتعليب بكريمة ، والكرتون بأروما، اضافة الي عدد من مصانع السكر (كنانة، سنار، عسلاية  وحلفا) ، وكان بالسودان مصنع الجنيد فقط اسس في عهد حكومة نوفمبر (عبود). كل المصانع أعلاه توقفت تماما بعد سنوات قليلة من تأسيسها (عدا مصانع السكر)  لسوء التخطيط وعدم قيام الدراسات الصحيحة اقتصاديا وبيئيا ، والفساد كما حدث في انهيار بيارة مشروع سوبا للتسمين، وما حدث بالحرقة ونورالدين  الذي امتدت أثاره حتى يومنا هذا.

 اما العلم في ذلك الزمان فلم يؤخذ به ولم يجد الاحترام الكافي،  ولم يجد ما يستحق من  اهتمام ومكانة حيث كان الراي النهائي للمتنفذين الموالين للأنظمة الحاكمة. بل لم تكن  لنا خطة  استراتيجية للبحوث،   وحتى الأن لا توجد مثل هذه الخطة، وكل باحث يعمل في برامج خاصة به،  ولا يوجد تكامل بين  الباحثين ولا البحوث نفسها، وكل باحث يقوم بعمل وفقا لما يستطيع أن يوفره من تمويل. أما النتائج فتقبع بالأدراج و المكتبات البحثية وأحيانا في ملفات الباحث نفسه ولا تنشر في تقارير أو دوريات علمية حتى يستفيد منها الأخرون، ومنهم من توفي ولم نجد من يقوم بفك شفرة بحوثه!!!

     كنا نأمل أن تكون للدولة منذ استقلالها خطط (ممرحلة ومتفق عليها وملزمة)،  تنفذ مهما اختلفت الحكومات المتتابعة .  كل مرحلة تبدأ  مباشرة  بعد انتهاء سابقتها في شكل خطة عمل action plan ذات أهداف واضحة للأجيال المتعاقبة، مبنية على (أسس علمية  وطموحات) تقود بلادنا الى ما تستحقه من مكانة، تبدأ بتوفير البيانات والمعلومات، و توفير بيئة العمل، وتحسين نوعية التعليم من مرحلة  الأساس حتى التعليم  الجامعي بكل مستوياته،  وانتاج كوادر مؤهلة ومواكبة، واجراء بحوث تطبيقية تستخدم نتائجها وفق  متطلبات خطة متكاملة لتنفيذ الأهداف ، واختيار دقيق لمن يقومون بتنفيذ كل جزئية من أجزاء ومراحل الخطط  المفصلة والتفصيلية ، وتحديد الاطار الزمني للتنفيذ والمراقبة والمتابعة والتقييم  على فترات متفق عليها  (كل 3 أشهر كمثال) وفرض عنصر المحاسبة في حالة الفشل.

الأسئلة المشروعة: هل كانت لنا خطط؟ وان كانت  موجودة هل هي واقعية وطموحة؟ هل  اهتمت بعنصري التكامل والمواكبة؟ هل تم اعداد الكوادر المناسبة لكل مرحلة؟ هل تم تهيئة بيئة العمل و وتأمين ميزانياته ومدخلاته؟ هل كانت هنالك فرق للمتابعة والمراجعة والتقييم؟ اترك الاجابة لحصافتكم، ونسأل الله اللطف بنا (أمين).

ب/ نبيل حامد حسن بشير
جامعة الجزيرة
[email protected]

‫2 تعليقات

  1. استغرب لماذا لا توكل وزارة الزراعة لهذا الرجل؟؟ من ناحية علمية ليس هنالك من يشك في مؤهلاته، من ناحية سياسية كان دائماً ضد نظام الكيزان، من ناحية مهنية كونه يعمل بجامعة الجزيرة يكفيه، من ناحية معرفة بالسودان فقد عمل في الكثير من المواقع، من ناحية فكرية كتاباته تثبت ذلك.
    ما الذي ينقص هذاا لرجل ليكون وزيراً للزراعة يا دكتور حمدوك؟

  2. شكرا بروف نبيل علي إهتمامك الدائم بعصب حياة السودان الا وهو الزراعة. الحل أبسط مما تتصور, وربما لا توافقني الرأي, هو الصناعات التحويلية الصغيرة. جدي ينتج 100 قنطار قطن من 1930 وحتي توفاه الله له الرحمة والمغفرة ولم يستطع بناء منزل من الطوب الأحمر إلا بعد إغتراب أولاده. تخيل معي لو أن الدولة تركت له حرية فصل الشعرة والبذرة (Ginning) والغزل (Spinning) والنسج (Weaving)، هل كان حاله سيكون بهذا الفقر؟ مصيبتنا أن الدولة تريد المصانع الكبري لمصلحتها ولا تريد المصانع الصغيرة لمصلحة المنتج, لذلك ترك المزارع الزراعة. ما رأيناه بأعيننا وعايشناه, مزارع لا ينتج ربع ما ينتجه مزارع الجزيرة لكنه أغني منه بمراحل وذلك لأن الدولة أعطته فرصة القيمة المضافة علي المنتج عبر الصناعة التحويلية الصغيرة لمصلحة المزارع أولا ثم المجتمع ثانيا والدولة أكيد مستفيدة في الأخر بلا شك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق