مقالات سياسية

“الخروج” ، كبرياء الجيل وعزمه

محمد عتيق

خارج المتاهة
———————————
هذا جيل عجيب ، جيل الشباب ، لجان المقاومة على امتداد القطر …
“كنّا نعتقد أنه جيل انصرافي شكلاً ومضموناً وملبساً (ناصلاً)”.. هكذا كان دائماً رأي العدد الأكبر من المراقبين وتعليقهم عند الحديث عن الأجيال الجديدة.. بل وذهب الظن والتحليل بعدد متميز من المفكرين والناشطين أن الوعي إنما عند أبناء الاسلاميين بحكم أن ظروفهم المادية قد هيأت لهم التعليم الجيد في أرقى الجامعات ووثقت صلتهم بتكنولوجيا الإتصالات وأجهزة الكمبيوتر والإنترنت على العكس من الغالبية الساحقة من أبناء الطبقات الفقيرة .. حتى إذا كان لهذا الظن وجاهة فهي جزئية لأن وعي أغلب أبناء الاسلاميين بقي في إطار الوضع الطبقي الذي أنجبه ، ملتصقاً به لم يغادره لا في المنشط ولا في الاهتمامات ..

المطالبة بإصلاح قوى الحرية والتغيير ، باستكمال بناء مؤسسات الفترة الانتقالية ، المطالبة بالإسراع في اجراءات السلام والترتيبات الامنية واعادة تأسيس الأجهزة العدلية والنظامية ، المطالبة بتحسين الأوضاع المعاشية ومراجعة بعض التعيينات …. إلى آخر هذه المطالبات التي تصدر عن كافة الجهات الحادبة على ثورة ديسمبر ٢٠١٨ ، مطالبات طبعت الحياة السياسية والصحفية بطابعها منذ سبتمبر ٢٠١٩ ، تتردد على الألسنة وعلى الحروف المطبوعة على الأوراق والشاشات ، ومع ذلك لا استجابة بأكثر من الوعود على ألسنة المعنيين بالأمر في قحت ورئاسة الحكومة ..

البدايات ، في أغلب الأحيان ، تطبع المسيرة سلباً وإيجاباً ، فاذا غضضنا الطرف عن بعضها كالوثيقة الدستورية وما رافقها عند التوقيع من غموض وأسرار لم تتكشف بعد ، فإن أداء قوى الحرية والتغيير مليء بالثقوب الذاتية والموضوعية أقلها : الصيغ “الماسونية” التي تدير بها عملها ، نصب المقالب بالتكتيكات ، التكالب على الوظائف العامة ، التكتل والعمل في الخفاء ..الخ ، مثلاً : لجنة مختصة بترشيح الوزراء تحدد حسب الاتفاق ٤ أسماء لكل وزارة أو منصب ، في مطبخ سري ومن خلف ظهر بعض اعضاء اللجنة يتم تعديل في القائمة ، وبعد ذلك هنالك جسم خفي آخر يجري تعديلاً آخر ويقدم أسماء “المرشحين” لرئيس الحكومة الذي في ، بعض الأحيان ، لا يلتزم بها أيضاً في التعيين ..

هكذا نجد بين أعضاء/عضوات الحكومة أسماء لا صلة لها بالثورة لا من قريب ولا من بعيد ، بل وأسماء تعمل وفق سياسات معادية تماماً لمصالح الشعب والوطن ..

المتابع لمثل هذه الاوضاع يفهم معنى هذا “الخروج” العنيد الذي لم يكن مجرد “مليونية” مما يحسبون ، إنه خروج لشعب بأكمله ، وتصويب دقيق لألسنة الإرادة والعزم ، الخروج ؛ وكأنه يتحدى الكرونا ، جائحة العصر ، شاهراً سلميته ضد كل عدو مرتقب من عصابات النظام الساقط ومليشياته ، خروج مهيب في عزمه ، مدهش في تخطيطه ودقته ، عذب في أهازيجه وهتافه ، تلمس فيهم وعياً كبيراً بالديمقراطية بيئةً مستدامة للحياة السوية ، للتنمية والإبداع ورغد العيش ، وإيمان بالأحزاب أعمدةً لها وأدوات .. لذلك ، صوبوا غضبهم على قيادات الأحزاب لا على الاحزاب نفسها ، وتحديداً على قيادات القوى المهيمنة على مركزية قحت ، فهي قيادات نشأت وتكونت في أجواء غير ديمقراطية ، أجواء كبت ورعاية دكتاتورية ، تجري في عروقها دماء الهيمنة والانفراد ، تلمس فيهم ، وعياً بأن قيادةً ديمقراطيةً (من غير المعتكفين الآن في المجلس المركزي لقحت) تضم كل أحزاب الثورة تعمل بصورة جماعية ، بوصلتها أهداف الثورة ومصالح الجماهير وليس مصالحهم الذاتية الضيقة ، أن مثل هذه القيادة الجماعية هي التي تتمتع بكوادر مؤهلة – نوعاً وكماً – لتغطية كل ثغرات العمل المطلوب ؛ كل جبهات العمل التنفيذي بتشكيل اللجان مع الخبراء والكفاءات الوطنية داخل القوات النظامية والأجهزة العدلية لإعادة تأسيسها على أسس مهنية واحترافية تخضع فقط لعقائد الثورة والوطن ..

هكذا كان صوت الثورة وشبابها يوم الخروج الأكبر (٣٠ يونيو ٢٠٢٠) ، هو صوت الجيل الذي قدم الشهداء والمعاقين والجرحى والمفقودين ، الجيل الذي طاف عليه الحلم الساحر بوطن ناهض جميل وعزيز ، جيل الرؤية الواضحة والبصر الحديد ، الذين أسلموا قيادهم لقوى الحرية والتغيير وأبدعوا في تنفيذ جداولها عند الخروج الأول وأقاموا مدينة أحلامهم الفاضلة في أرض الاعتصام ، جمالاً ونبلاً ، وسارت بأحاديثه واخباره أجهزة الدنيا وأسافيرها ولم تحتمله مليشيات النظام الساقط فقدموا بسخاء واثق المزيد من أرواح الأبناء العظام ومن أطرافهم وعقولهم ، الإ أن بعضهم انتزع قيادة (المجلس المركزي) واحتكر القرار ثم جعل من “تجمع المهنيين” ساحةً للتنافس والهيمنة بدلاً عن مهام المرحلة التي تنتظره في إعادة بناء النقابات ،هياكلها وقوانينها ..

الثلاثين من يونيو ٢٠٢٠ كان إرزاماً في وجه قيادات الأحزاب المحتكرة لمركزية قحت ، شرحاً لمعنى الهجوم على الأحزاب بأنه نقد لعقلية الصراع الذاتي على النفوذ والسلطة والمناصب وليس ضد الأحزاب، فهل يسمعون صوت الرعود ، صوت الحناجر ترنو بعيداً إلى الأصل فتردد معه السهول والتلال والأنهار ، والتاريخ أيضاً:
“إنا لمن قوم كأن نفوسهم على
أنف أن تسكن اللحم والعظما”

محمد عتيق
[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..