مقالات سياسية

جنون الشرطة

د. حامد برقو عبدالرحمن

(١)
أظنكم تذكرون طرفة العنزة أو ( الغنماية) و التي تحكي ان عنزة تتعرض للتحرش بشكل يومي من قبل كلب الجيران ( اعطاكم الله من وفائه). إشتكت العنزة الي أمها . و الأم بحكم خبرتها التراكمية نصحت إبنتها ان تظهر بعض الثبات في المرة القادمة لترى بنفسها ما يفعله الكلب المتحرش.

في مساء اليوم التالي و كعادتها عائدة الي بيت أهلها ظهر الكلب المشاغب ليظهر قوته و سطوته على العنزة المسكينة (على طريقة جيوش بعض البلدان المتخلفة تجاه مواطنيها العزل).
ما ان اقترب الكلب منها رفعت العنزة رجليها الأماميتين إستعداداً للمعركة .
نظر إليها الكلب بإستغراب بالغ ثم انسحب بهدوء ، معلقاً : ( انتو الغنماية دي جنّت ولا شنو ؟ ).
تلك كانت اللحظة الحاسمة في تحول العلاقة بين الطرفين اللدودين.

(٢)
ما من مؤسسة وطنية تعرضت للإستغلال مثلما ما حدث مع الشرطة.
حال الشرطة السودانية أشبه بحال ممثل الأدوار الشريرة في السينما الهندية أو العربية.
فالشعوب البسيطة اعني الهندية و العربية مطبوعة على الخير أو الشر المطلقين. كثيراً ما تمجد ممثلاً ما حتى على واقع الحياة بسبب تجسيده لأدوار الخير ، و كذا العكس لمن يمثل أدوار الشر.

كأمة خسرت أكثر من ثمانين بالمائة من عمر دولتها الوطنية تحت نير الدكتاتوريات العسكرية فإن تجربتنا مع الشرطة مريرة.
ليس بسبب ان أفراد الشرطة سيئون بالفطرة .
لكنها أصبحت الاداة الأولى من ادوات البطش السلطانية في مجتمعات الظلم و القهر مثل السودان .

(٣)
لا أدري ان كانت لطبيعتي المتمردة ، إلا انني كنت مولعاً بالتظاهر و المظاهرات .
مازلت أذكر بعض الهتافات التي كانت تقال ضد الشرطة، كنا نرددها بحماس و نحن صغار ، مثل( الكاكي جميل لابسينه … لكن معليش لابسينه الجيش) ذلك قبل عقود من جريمة فض اعتصام القيادة و بالتأكيد قبل إنقلاب 30 يونيو.

سجل الشرطة السودانية أو سمعتها ليست مشرفة بأية حال ، و قد عرفها العالم و منظمات حقوق الانسان كواحدة من أيدي نظام الانقاذ الباطشة .
طال الزمن أو قصر ستتغير قوانين البطش و التنكيل إلا ان ذاكرة الناس ستظل تختزن و بالكثير من الألم ممارسات شرطة النظام العام ، و نقاط بسط الأمن الشامل و غيرها من صور الأيام القاتمة.

(٤)
بعد نجاح الثورة الكثير من المظاهر توحي بأن ثمة تغيير قد طرأ ليس في القوانين المنظمة لعمل الشرطة ، انما على عقلية الشرطة السودانية و سلوكها.
لكن ما حدث بالأمس الاول عندما خرج الناس في ذكرى النكبة 30 يونيو شيء مدهش .
الشرطي الذي ظلت صورته في ادمغة الناس كشخص غاضب بلا مبرر ، يضرب ظهور النساء و الفتيات القاصرات بالسياط لا لشيء غير إرضاء غرور لص يتاجر بالدين ، يلهي الآخرين بالشعارات بينما هو منهمك في بناء القصور و العمارات و المضاربة بما نهب من الدولارات.

نعم تلك كانت صورة الشرطى، لكن ما حدث في يوم 30 يونيو الماضي أن الشرطة لم تكتفي بحماية المتظاهرين و تأمين المسارات أو تمتنع عن إستخدام العصي و الهراوات فحسب، بل رأينا الشرطة تقدم مياه الشرب للمتظاهرين بوجوه باسمة مستبشرة .
بالتأكيد فإن شرطتنا ليست مصابة بالجنون ، إلا انها إستدعت طرفة العنزة و صديقها اللدود.

د. حامد برقو عبدالرحمن
[email protected]

‫2 تعليقات

  1. صاحب التعليق أعلاه

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    من العيب أن تنتحل اسم العلامة شوقي بدري.
    كان من الأفضل أن تعلق تحت اسمك الحقيقي، أو على الأقل اسم مستعار ، من غير انتحال اسماء الآخرين.
    الخطأ ليس في انتحال اسم شخص آخر
    لكن في اختيار الشخص الخاطيء
    وهو العلامة شوقي بدري.

    أسأل الله أن يشفيك و يهديك

    # على الإخوة في موقع الراكوبة أن ينتبهوا الي مثل هذا النوع من التعليقات تحت أسماء أناس نعرف فكرهم و معدنهم
    شوقي بدري لا يكتب هكذا التعليق.

زر الذهاب إلى الأعلى