مقالات سياسية

افسحوا الطريق أمام الشباب

إسماعيل عبد الله

    الحراك الثوري الممتد من ديسمبر حتى اليوم أفرز قيادات شبابية ثائرة تتمتع بروح فدائية وجاهزية عالية للتفاني من أجل التراب, وقدمت مثالاً رائعاً في الخروج من جلابيب الأجيال السابقة التي أخفقت في بناء وطن يضمن للأجيال الحاضرة الرفاه والأستقرار، فمادام هؤلاء الصاعدون الذين تجري في عروقهم الدماء الساخنة قد هتفوا باسم الشعارات التي تخاطب أشواقهم، لِم لا نضعهم في سدة الحكم الانتقالي لكي يطبعوا بصمتهم الراسمة لمستقبلهم المشرق، فهم الذين اكتووا بجمر الأنظمة السياسية الفاشلة التي يتزعم عواجيزها فترة الانتقال الحالية.

    من كوارث هذه البلاد أن الفاشلين يعملون على تكرار تجاربهم الفاشلة رغم أنف التاريخ والزمن، ولا يتورعون ولا يكبحهم كابح الوطنية التي يفتقرون إليها منذ أن باركهم المستعمر، إذ لا يعقل لمن شغل حقيبة رئاسة الوزراء قبل خمسين عاماً أن يظل منافحاً من أجل الحصول على ذات الحقيبة، في زمان غير ذلك الزمان وعلى رؤوس أجيال لم تكن شيئاً مذكورا قبل خمسة عقود، ولا يقبل المنطق السليم وجود ساسة ومنظرين يعتقدون في نظريات مهترئة هجرها أهلها مثل نظرية الإخوان المسلمين والماركسية والبعثية، ما يحدث اليوم في دواليب السياسة هو إعادة لتدوير نفايات الماضي التي أهلكت الحرث والنسل، فالأوطان بعد انقضاء الألفية الثانية أصبحت تبحث عن مصالحها الأقتصادية وتأمين أمنها القومي ولا حاجة لها بصراعات الدين والأيدلوجيا.

    الأعتصام الذي أذهل العالم في (نيرتتي) أبرز شباب مستنير كان خافياً على الناس نتيجة للتعتيم الإعلامي، وأكد على حقيقة أن القضايا لا تموت بموت القادة ولاتنتهي بعجز رواد الكفاح المسلح عن إنتاج الأمصال الحديثة المكافحة لأمراض أنظمة الحكم المتعاقبة، فقضايا الشعوب لا تخبو نار جذوتها بتراخي المتراخين واستسلام المستسلمين وضعف وانهزام الانتهازيين، لقد أشعلت (نيرتتي) قنديل السلام الذي توارى ضوءه خجلاً في جوبا فجعلت منظومة الانتقال الموبوءة بأمراض الماضي تهرول فزعة نحوها، في إشارة بليغة لكل من تسول له نفسه التلاعب بمصائر الشعوب أن الحقوق لا تستجدى بل تنتزع بقوة الدفع المدني الهادر والجبار العنيد.

    على منظومة الإنتقال عدم الاصغاء لعواجيز الطائفية ومتسكعي أندية الأفكار الأيدلوجية البالية وعاطلي المواهب وبقايا الإخوان الذين خاب فألهم، لقد أنتزعت الشعوب السودانية حقها في النضال المدني دون منة من أحد، وسوف تسقط حكومة الأنتقال قبل أجلها إذا ما استمرأت هذا البطء السلحفائي، فالأمواج العاتية المتوشحة بشعار السلمية لن تدع كل من يعتلي كرسي المسئولية يسرح ويمرح و(ياخد راحتو)، كما كان يفعل المترفون من رموز أنظمة الحكم البيروقراطية التي نهشت عظم الوطن، فبعد قيامة الثلاثين من يونيو الأخيرة لا مجال لذلك السياسي المنافق والمستهبل الذي يستغفل المواطنين ويغشهم ويبتزهم ويتخذ من المنصب وسيلة للأختلاس والتعدي على المال العام.

    التحديثات المرتقبة في كابينة منظومة الأنتقال متوقع أن تشمل الولاة وبعض الوزراء الكسالى، الذين تم تعيينهم نتيجة للمحاصصات والمجاملات السودانية المعهودة، مثلما حدث لحقيبتي الخارجية والتجارة والصناعة، فعلى القائمين على أمر اختيار الكوادر المناسبة لشغل الشواغر الدستورية، أن يأتوا بالأكفاء من الشباب الذين ثاروا وتدفقت دمائهم على أرضهم التي لم يغادروها ولم يتركوها ولم يهاجروا إلى أوروبا برغم جبروت وطغيان الدكتاتور، وعلى مركزية الحرية والتغيير أن تتدارك الأخطاء التي ارتكبتها وهي ذات الأخطاء التي وقع فيها المؤتمر الوطني المحلول ، تلك الإخفاقات القاتلة التي بدا للمراقب أن (قحت) تسير على دربها وقع الحافر بالحافر، وهذه الأخطاء هي الزج بالشأن السيادي للدولة في أتون المعادلات الحزبية والجهوية والشللية الضيقة, نفس الطريق الذي سار عليه البائدون.

    العقلية القديمة التي أقعدتنا عن النهوض مصابة بداء (الكنكشة) الذي أورثها إياه المستعمر، فهي لا تعرف للأنتاج طريقاً ولا للتنمية أسلوباً وكل همها يتمحور حول أن تظل متحكمة في الوظيفة الحكومية دون إبداع ولا إبتكار، فأصحاب هذه العقلية هم أشبه بــ(القراد) الذي يلتصق بالحيوان فيمتص دمه ولن ينفك عنه إلا في حالتين، إما الموت أو التخمة، هؤلاء هم (أجدادنا القدماء) الذين يريدون لنا أن نعيش في كهوفهم القديمة، لكن أجيالنا الحاضرة أبت إلا وأن تكشر عن أنيابها في تحد صريح لكل من يحاول التلاعب بأحلامها، لذلك رأينا (الجقلبة) التي اعترت رموز منظومة الأنتقال بشقيها السيادي والتنفيذي.

    لقد مضى عقدان من الزمان من عمر الألفية الثالثة، ولابد لهذه الفترة الزمنية الطويلة من أن تولد جيلاً مختلفاً روحاً ووجداناً وفكراً، فعلينا أن لا ننصب أنفسنا أوصياء على هذا الجيل الصاعد، وكل ما يقع على عاتقنا أن نكون في موقع المستشار الذي لا يشير إلا إذا استشار، وذلك بحكم خبراتنا التراكمية، فمن الحكمة أن لانتصدر المشهد وأن لا نعتلي المنصة وعلينا أن نترك المسرح للواعدين، ومن غرائب جمهورية السودان أن خصيصة تواصل الأجيال هذه لن تجدها إلا في الوسط الغنائي.

إسماعيل عبد الله
[email protected]

محتوى إعلاني

تعليق واحد

  1. كلام صحيح..الآن وقت الشباب الوطني الغير مسيس و الذين صنعوا ما عجزت عنه الأحزاب البالية و الحركات المسلحة ..قفزت الأحزاب و الحركات علي الثورة بدون وجه حق و بدأوا في المكايدات و التنظير و التهافت علي الكراسي و الشعب و الوطن ينتظر .علي الجميع التحلي بروح المسؤلية و كفانا ضياع و تشرذم..ابعدوا ايتها الأحزاب العجوزة الفاشلة و ابعدي أيتها الحركات الانتهازية و ابعدوا أيها الجنرالات و أدوا الشباب فرصة لبناء الوطن …هلا فعلتم؟؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..