السودان… نحو عقدٍ اجتماعيٍّ جديد (١٠).. الباب التاسع؛ العدالة والذاكرة والمصالحة؛ كيف يخرج السودان من ماضيه دون أن ينساه؟

■ وأول ما ينبغي كسره هو الثنائية الزائفة بين السلام والعدالة. فقد اعتاد السودانيون سماع الحجة القائلة إن المحاسبة قد تعرقل التسوية، وإن السلام يحتاج إلى تنازلات، حتى أصبح الإفلات من العقاب أحيانًا جزءًا غير معلن من ثمن إنهاء الحرب. لكن السلام الذي يطلب من الضحية أن تنسى كي يحتفظ الجاني بموقعه يحمل بذور الحرب التالية داخله. وفي المقابل، لا ينبغي اختزال العدالة في السجن والعقوبة وحدهما؛ فالعدالة الانتقالية أوسع من القضاء الجنائي، وتشمل كشف الحقيقة، والمساءلة عن الجرائم الجسيمة، وجبر الضرر، واستعادة الحقوق، وإصلاح المؤسسات، وحفظ الذاكرة، والمصالحة وضمان عدم التكرار. وقد لا يكون ممكنًا أو ضروريًا أن تعالج المحاكم كل انتهاك وقع خلال عقود من الصراع، لكن هناك جرائم جسيمة لا يجوز أن تصبح أوراقًا في المساومات السياسية. والقاعدة التي ينبغي أن تؤسس لها الدولة الجديدة واضحة؛ لا سلام مستدامًا يقوم على حصانة من يملك السلاح.
■ وتبدأ العدالة بالحقيقة؛ لأن المجتمع الذي لا يعرف ماذا حدث سيظل أسيرًا لصراع الروايات. يحتاج السودان إلى عملية وطنية مستقلة وموثوقة لتوثيق الانتهاكات، والاستماع إلى الضحايا والناجين، وحماية الأدلة والوثائق والمقابر الجماعية، وفتح ما يسمح القانون بفتحه من أرشيف الدولة، وتحديد المسؤوليات السياسية والمؤسسية والجنائية حيث تسمح الأدلة بذلك. لكن الحقيقة لا تعني أن تنشئ السلطة الجديدة “رواية رسمية” للتاريخ وتفرضها على المجتمع؛ فالتاريخ سيظل مجالًا للبحث والخلاف والتفسير، بينما الجرائم والوقائع المحددة يمكن التحقيق فيها وفق قواعد الإثبات. والأهم أن ينتقل مركز الرواية من القادة إلى الناس؛ إلى الأم التي فقدت أبناءها، والأسرة التي طُردت من منزلها، والمعتقل الذي عُذب، والقرية التي أُحرقت، والمرأة التي تعرضت للعنف، والمواطن الذي اختفى أحد أحبائه ولا يعرف حتى اليوم أين ذهب. فالدولة التي تعترف بمعاناة الضحية تعيد إليها جزءًا من كرامتها، وتؤسس ذاكرة وطنية تعترف بالجريمة من دون أن تجعلها وقودًا لثأر أبدي.
■ وفي قلب هذه العملية يجب أن تقف قاعدة لا مساومة عليها؛ المسؤولية فردية، وليست قبلية أو إثنية أو جهوية. فلا توجد قبيلة مجرمة، ولا إثنية مذنبة، ولا إقليم خائن، ولا طفل يرث جريمة أبيه. يُحاسب من خطط وأمر ونفذ وموّل وساعد وأخفى الأدلة وفق ما يثبته التحقيق والقانون، ولا تتحول المحاسبة إلى عقوبة جماعية. وهذه القاعدة بالغة الأهمية في بلد أصبحت فيه الهوية خلال الحروب وسيلة سهلة للتعميم، فدفع مدنيون ثمن جرائم لم يرتكبوها لمجرد اشتراكهم في الأصل أو المنطقة مع مرتكبيها. والعقاب الجماعي لا يحقق العدالة؛ إنه يصنع مظلومية جديدة تنتظر فرصتها للانتقام. ولهذا فإن القضاء المستقل لا يحمي الضحية وحدها، بل يحمي كذلك الجماعة التي ينتمي إليها الجاني من أن توضع كلها في قفص الاتهام. المحكمة تسمي المجرم باسمه حتى لا تضطر المجتمعات إلى تسمية قبيلته.
■ لكن العدالة لا تكتمل بإدانة الجناة؛ فهناك أضرار لا يعيدها الحكم القضائي وحده. ملايين السودانيين فقدوا المنازل والأراضي والأعمال والمدخرات ومصادر الرزق، وأطفال خسروا سنوات من التعليم، وأسر فقدت معيلها، ومجتمعات كاملة تبدلت حياتها بسبب الحرب. ومن هنا يصبح جبر الضرر ركنًا أساسيًا في العقد الجديد؛ التعويض حيث يمكن، ورد الممتلكات والأراضي إلى أصحابها، وإعادة التأهيل الصحي والنفسي، ودعم المجتمعات الأكثر تضررًا، والاعتراف الرمزي بالضحايا وتخليد ذكراهم. ويأتي في قلب ذلك حق النازحين واللاجئين في العودة الطوعية والآمنة والكريمة؛ فلا يجوز أن تكافئ الدولة نتائج التهجير القسري بأن يصبح الاستيلاء على المنزل أو الأرض أثناء الحرب مصدرًا لحق جديد. وفي الوقت نفسه فإن تعقيد الملكية والحواكير والنزوح المتكرر يستوجب إنشاء آليات قضائية متخصصة وسريعة وعادلة للفصل في النزاعات، حتى لا تتحول العودة بعد توقف الحرب إلى حرب أخرى على الأرض والملكية.
■ ولا معنى للعدالة إذا حوكم أفراد وبقيت المؤسسات التي صنعت الانتهاكات أو سمحت بها تعمل بالطريقة القديمة نفسها. لذلك فإن الإصلاح المؤسسي جزء من العدالة، لا مسألة إدارية منفصلة عنها. ويشمل ذلك القوات النظامية والشرطة والأجهزة الأمنية والقضاء والنيابة والخدمة المدنية وكل مؤسسة يثبت أنها تعرضت للتسييس أو شاركت في انتهاكات أو تسترت عليها. لكن إصلاح المؤسسات لا يعني تطهير الدولة على أساس الانتماء السياسي أو فصل الآلاف لأنهم عملوا في حقبة معينة؛ فذلك قد يهدم الدولة ويستبدل تمكينًا بتمكين. المطلوب تدقيق مهني وقانوني عادل، وإبعاد من تثبت مسؤوليته عن الانتهاكات الجسيمة وفق إجراءات قانونية، وإعادة بناء العقيدة المهنية، ووضع الأجهزة الأمنية والعسكرية تحت القانون والرقابة المدنية الدستورية، وتقوية استقلال القضاء والنيابة وأجهزة المراجعة. فالهدف ليس الانتقام من مؤسسات الدولة، وإنما تحريرها ممن حولوها إلى أدوات للسلطة والحزب والحرب.
■ ثم تأتي المصالحة، وهي ربما أكثر مفاهيم ما بعد الحرب عرضة لسوء الاستخدام. فالمصالحة ليست مؤتمرًا يتصافح فيه زعماء القبائل والقادة السياسيون أمام الكاميرات، وليست مطالبة الضحية بأن تغفر حتى ترتاح الدولة من عبء العدالة. المصالحة الحقيقية تأتي بعد الأمن والاعتراف والحقيقة والإنصاف، وتحتاج إلى زمن وإلى عمل يبدأ من المجتمعات نفسها. وهنا يصبح للنساء والشباب والقيادات المحلية والدينية والمجتمع المدني والمثقفين والإدارات الأهلية، حيث تؤدي دورًا مشروعًا، مكان مهم في إعادة بناء العلاقات التي حطمتها الحرب. ويمكن لآليات المصالحة المحلية أن تسهم في معالجة كثير من النزاعات، لكن لا يجوز لها أن تلغي حق الضحية الفردية أو أن تحل محل القضاء في الجرائم الجسيمة. كما أن حفظ الذاكرة يجب أن يدخل المدرسة والمتاحف والنصب التذكارية والأرشيف الوطني، لا لتربية الأجيال على الكراهية، بل لكي يعرف الجيل القادم ما الذي حدث، ولماذا حدث، وكيف يمنع حدوثه مرة أخرى. فالمصالحة الناضجة ليست أن ينسى السودانيون؛ إنها أن يستطيعوا التذكر دون أن يصبح التذكر أمرًا بالانتقام.
■ الخلاصة الكبرى لهذا الباب أن السودان لا يستطيع الخروج من تاريخه باختيار واحد من طريقين كلاهما مدمر؛ النسيان أو الثأر. النسيان يترك الجريمة بلا حساب ويخبر صاحب السلاح أن الزمن كفيل بغسل ما ارتكبه، والثأر يحول أبناء الجناة والضحايا إلى ورثة أبديين لحرب لم يختاروها. وبينهما يوجد الطريق الأصعب؛ العدالة؛ حقيقة بلا تشفٍّ، ومحاسبة بلا عقاب جماعي، وجبر للضرر بلا متاجرة بالمظلومية، ومصالحة بلا إفلات من العقاب، وإصلاح للمؤسسات بلا هدم للدولة. فالغاية ليست أن ينتصر نصف السودان على نصفه الآخر في محكمة التاريخ، وإنما أن ينتصر السودانيون جميعًا على النظام الذي ظل ينتج الجريمة ثم يحمي مرتكبيها. ولا ينبغي أن نسأل الأجيال القادمة أن تنسى موتانا لكي تعيش معًا؛ واجبنا أن نبني لها دولة تستطيع أن تعرف أسماء الضحايا، وتحاكم من تثبت مسؤوليته عن قتلهم، وتحفظ قصصهم في ذاكرتها، ثم تمضي إلى المستقبل. فالأمم لا تتصالح مع ماضيها حين تمحوه، وإنما حين تحقق من العدالة ما يكفي لكي تتذكره دون أن تضطر إلى تكراره…يتبع….


