تصحيح مسار الثورة

لم يُفهم عند معظم الناس أن مليونية 30 يونيو التي طالبت بتصحيح المسار، كان يقصد بها إقالة الوزراء أو التعديل الوزاري ، أكثر مماكان يقصد بها الإسراع في تكوين المجلس التشريعي ، التعجيل بمحاكمة رموز النظام السابق ،هيكلة الأجهزة الأمنية و إزاحة فلول النظام السابق من السيطرة على دوائر صنع القرار، لأنهم يعيقون الثورة من الوصول لغاياتها.
أكثر ماكان يشغل بال أهل الثورة التعجيل بمحاسبة رموز النظام البائد ، لأن محاسبتهم تشل كثير من الذين يعملون على خنق الثورة اقتصادياً بالأزمات المفتعلة وهم حريين طليقين ، بل ظل من يسمى نفسه رئيساً للحزب المحلول ، يصرح ويكتب على صفحته الالكترونية ، وهو حراً طليقاً طوال هذه الفترة التي قاربت العام ، وأخر يسمي نفسه رئيساً للحزب بولاية الخرطوم ، يهدد ويتوعد الثورة بالقبر كما يقبر مريض الكورونا على حسب حديثه ، ويضع من خلفه خلفية عليها شعار الحزب المحلول ، ويستفز الثورة السودانية التي أتت بها دماء الشهداء الطاهرة وذلك من داخل العاصمة السودانية ، وليس من منطقة بعيدة أو حدودية .

كتب أحد الصحفيين من المحسوبين على النظام السابق ،أن الإقالات الوزارية لم تكن استجابة للمليونية التي دعا لها تجمع المهنيين السودانيين ، وإنما كانت استجابة لقوى أخرى ، والقارئ بفطنته يعرف هذه القوى المعنية هنا ، وبعيداً عن صحة حديثه أو عدمه ، نجد ماحدث يوم الخميس التاسع من شهر يوليو، أفرح أعداء الثورة وفلول النظام السابق ، ولم يفرح الشعب السوداني الذي كان يعول على وزيري المالية و الصحة كثيراً ، وصدم البعض الذي كان يثق في قراءة السيد رئيس الوزراء للمشهد بطريقة سليمة ، وشخصيته الهادئة التي ظننا أنها ستكون بعيدة عن التأثر بالضغوط من أعداء الثورة ، والحل الأمثل كان يتمثل في الإسراع بتكوين المجلس التشريعي الذي يمثل مهام التشريع والرقابة على أداء الحكومة ، ومن خلاله يحاسب الوزراء ويقيمون وتصحح الانحرافات في خططهم ، ولن يؤدي أي جهاز تنفيذي دوره بالصورة المطلوبة ، ما لم يكن هناك جهاز رقابي يراقب أداءه لهذا كانت البرلمانات في كل الدنيا ، فلايمكن أن تجعل جهاز تنفيذي يعمل بدون مجلس تشريعي ، خاصة في هذه الظروف التي تعيشها البلاد ، ولحكومة ثورة جاء بها الناس من أجل الديمقراطية، حتى الحكومات الفاشلة تأتي بالبرلمانات ولو كان دورها صورياً كما فعل النظام البائد ،وكنا نأمل في مجلس تشريعي للثورة تمثل فيه لجان المقاومة وشباب الثورة ، لترى أهدافهم التي ضحوا من أجلها بأنفسهم النور وتتحقق على أرض الواقع ، هذا المجلس التشريعي الذي نتمنى أن يأتي بعيداً عن محاصصات مفاوضات السلام ، فلا يأتي بنواب يتثائبون وينامون في الجلسات ويحلمون كما كان في العهد البائد.

نخاف على السيد رئيس الوزراء من ركوب هذا القطار ، قطار التعديلات الوزارية كما كان يفعل العهد البائد ، لأن أعداء الثورة سيركزون بعد كل فترة على مجموعة من الوزراء ، يساندهم في ذلك إعلامهم ببث الشائعات والأكاذيب وذلك من أجل عرقلة الجهود ولكي لا تستطيع الحكومة الانتقالية أداء دورها بالوجه الأكمل.
كان الرئيس المخلوع يفاجئ الناس كل فترة بتشكيل وزاري جديد كلما ضاقت الأمور ،وكأن القادمون الجدد من وزراء يحمل كل منهم عصا موسى فيبشرون بسياسات جديدة ستوجد الخلاص وتعالج الأزمات ، ولم تحدث هذه التباشير تغييراً بل تزيد الأزمات ويزيد الغلاء ، ونفيق من كل هذا بتشكيل وزاري جديد، هذا هو قطار التعديلات الوزارية الذي جعل الرئيس المخلوع يأتي بأبي هريرة وروضة الحاج ومن معهم من الوزراء ، والناس تعد العدة لاعتصام القيادة ، حتى كان الناس يتندرون بأن الوزراء الجدد لن يقبضوا مرتبهم الشهري ، لأن الزمن لن يسمح لهم بذلك ، والأفضل لهم أن يتقاضوا مرتبهم باليومية .
سيعاني حتى الوزراء القادمون من نفس المعوقات التي عاني منها من سبقهم ، كثير من المعوقات التي كبلت جهود الوزراء السابقين ، ستكبل جهود القادمين والمواطن يرى السلحفائية في كثير من قرارات حكومة الثورة ، التي رأت أن تضحى بوزيري الصحة والمالية ، وتجعل منهما سواء كانت بقصد منها أو لا كبشي فداء ، وربما كانت هذه الإقالات من السيد رئيس الوزراء ، هي القرارات التي لم يرضى عنها كثير من أفراد الشعب السوداني لأول مرة منذ مجيئة لمنصب رئاسة الوزراء، حيث كانت كل قرارته تجد الدعم والموازرة من معظم قطاعات الشعب السوداني ولم يرفعوا إلا شعار ( شكراً حمدوك ).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق