مقالات سياسية

أخمرٌ وسوء كيل يا حكومة الثورة الظافرة؟

د. عبد الحفيظ محمد عثمان - المحامي

عندما ثارت جموع الشعب السوداني واقتلعت حكم الطاغية الذي كتم انفاس البلاد والعباد لمدة ثلاثين سنة، كنا ننظر الى ذلك الشباب الوثاب وهو يتفرد بثورته ويرسم خارطة طريقه في لوحة ملحمية تأريخية أمام القيادة العامة وفي ارجاء البلاد ومدنها المختلفة، في ثورة عظيمة شهد لعلو كعبها العالم أجمع ووقف مبهوراً بعزيمة الشباب التي لا تلين. وكنا نرى من خلال انتظام هذا الشباب وتنظيمه ولوحاته واهازيجه وكلماته وأشعاره منظومة فريدة تحكي رؤيتهم لمستقبل هذه الأمة التي استطال ليلها بعد اختطاف شمس ازدهارها ونمائها من قبل شلة لا تعرف رباً ولا تقيم ديناً ولا ترسخ لفضيلة.

وحتى قبل قيام الثورة الظافرة، وفي ظل الحكم الكيزاني الغاشم، كنا نسمع عن المبادرات الشجاعة من أبناء الوطن المؤمن بقضاياه، مثل مبادرات شارع الحوادث ومبادرة عديل المدارس وغيرها من المبادرات التي حاول النظام البائد خنقها ووأدها لما كانت تسببه له من حرج، بحسبان أن ما يقوم به هؤلاء الشباب من صميم مسئوليات الدولة، وبسبب غيرة اركان النظام وحنقهم على القائمين بهذه المبادرات لكونهم لا ينتمون الى جماعتهم الزائلة.

عطفاً على تلك المعطيات، فقد كنا ننتظر من حكومة الثورة تفجير تلك الطاقات الكامنة، وتجنيد الشباب واستغلال أجواء الحرية والديمقراطية للانطلاق بالبلاد لفضاءات أرحب. فقد كنا ننتظر ثورة تقتلع الجذور الميتة والأعضاء المتكلسة وتغير العادات السيئة التي اقعدت الامة، وتثور على اسباب الخنوع والكسل والجهل والتجهيل وتستنهض مقدرات الامة. تحي موات الارض وتخرج كنوزها وتعلي القيم الراسخة، التي بدأت في الانطماس بفعل دولة الخلافة الكيزانية الراشدة. كنا ننتظر من رئيس الوزراء أن يعقد اجتماعات المجلس في الولايات المختلفة، ووزير الزراعة أن ينصب خيمته في حواشات مشروع الجزيرة والقضارف ونهر النيل وسهول كردفان وغابات النيل الازرق وجنوب كردفان، ووزير الطاقة أن يقوم بالمرابطة مع فريق عمله في مناجم الذهب ومحطات التوليد الكهربائي، ووزير الاعلام أن يقيم ليالي للاغنية الوطنية ومعارض الكتاب، ويفتتح معرضاً لاحياء ما طمسه الاعداء من لوحات أمام القيادة، ووزير العدل والصناعة والرياضة وغيرهم من الوزراء بأن يتركوا كرسي الوزارة والهواء المكيف والانطلاق الى ارض السودان الرحبة، لنعلم الشعب معنى العطاء وقيمة المشاركة.

غير انه ورغم التضحيات العظيمة والبطولات التي سطرها الشباب، لم نشهد تغييرا حقيقيا مقابل دماء الشهداء الطاهرة التي اهريقت فدى للوطن. ولم نجد توظيفاً للإمكانيات البشرية والطبيعية التي تكتنزها البلاد، عدا اشراقات شباب لجان المقاومة، الجنود المجهولين الذين يعملون على حراسة الثورة ليل نهار في ظل تقاعس العديد من الأجهزة وعجزها عن القيام بواجباتها تجاه أمن المواطن. ومما زاد من تفاقم الوضع الحالة المزرية التي وصلتها علاقة الاخوة الشركاء في قوى الحرية والتغيير. الامر الذي أثر كثيرا على الفعل الثوري واتاح مساحات كبيرة بدأت تتحرك من خلالها الفلول والزواحف، لدرجة وصلت معها الى حد الافتراء، بل امتلكت روح المبادرة بالهجوم والانتقاص من مكتسبات الثورة.

وبالنظر الى اداء الحكومة خلال الفترة الماضية، تجدها لا تختلف عن الكيزان. فقط تغيرت الوجوه، وافتقدنا العبارات والكليشيهات المعدة مسبقاً على شاكلة بإذن الله تعالى، وان شاء الله، والله أكبر. وهي كلمات كان يطلقها الجماعة في الهواء لا تلامس حلاقيمهم دون ارادة داخلية او ارتباط حقيقي مخلص بالخالق.

ومما زاد الطين بلة، قيام السيد وزير العدل مؤخراً بادخال بعض التعديلات على القانون الجنائي السوداني، بعضها يمكن هضمه وتبريره، أما البعض الآخر مثل التعامل في الخمر، فلا يمكن تجاوزها دون التوقف عندها وتناول مآلاتها. فهل انتهت معضلات الامة السودانية جميعها من شح في الخبر ووقود وكهرباء وسوء في الطرق وندرة في المواصلات وغلاء في الأسعار، ونزاعات وحروب تأكل أطراف البلاد شرقها وغربها، حتى ننصرف الى احتساء غير المسلمين للخمر او صناعتها؟ وهل سيساهم السماح لغير المسلمين بتناول الخمور او صناعتها في زيادة دخل الفرد السوداني، ويستنهض الهمم ويحيل حرارة البلاد الى أجواء ربيعية بسبب الإنتعاشة أو النعنشة التي ستحدثها تلك الخمور عند مخالطتها عقول الغلابى؟ وهل البلاد في الأصل ينقصها خمول او غياب عقل حتى نفتح الباب على مصراعيه لتناول الخمور وصناعتها؟

ان الانصراف عن المبادئ التي قامت من أجلها الثورة، والمتمثلة بصورة أساسية في تنمية الوطن واستغلال الموارد الطبيعية التي وهبنا الله اياها كانت اولى بالمبادرة في القيام بها بدلاً من الشروع في تعديل قوانين لا تؤثر بصورة مباشرة على حياة الناس، وحتى تأثيرها على عموم المواطنين لا يتجاوز نسبة ضئيلة من المواطنين إذا ما قارناها بما يعانيه المواطن من شظف العيش وانقطاع الكهرباء ودمار البنى التحتية. فوق محادة هذه التعديلات لله ورسوله، ومخالفتها لمعتقد السود الاعظم من هذه الامة.

فلو أن حكومة الثورة قد أولت المسائل الجوهرية التي تمس المواطن الاهمية المطلوبة لكان خيرا لها. اما المواضيع المتعلقة بشرب الخمر والدعارة فتعتبر من مسائل الرفاهية في مجتمع يفتقر الى أبسط مقومات الحياة الكريمة، ويقضي كل يومه سعيا وراء توفير لقمة العيش، ويسعد أيما سعادة عندما يفوز بمقعد على كرسي حافلة متهالكة تمشي على شوارع يخجل الواحد تسميتها بالشوارع للحالة التي عليها.

أخيراً، أفيقوا أيها الحكام قبل فوات الأوان، فالمسيرة طويلة والطريق وعر والأعداء متربصون، والشركاء متشاكسون، والشعب قد لا يصبر كثيراً، ولات ساعة مندم.

د.عبدالحفيط محمد عثمان
[email protected]

تعليق واحد

  1. _ اما المواضيع المتعلقة بشرب الخمر والدعارة فتعتبر من مسائل الرفاهية؟؟ _ تفتكر جماعة جوبا عاوزين علمانية ليه ومعقول لو ما وفرت ليهم الخمور التي تعودوا عليها في الخارج يوقعوا على اتفاق سلام ويجوا الخرطوم؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..