أخبار السودان

مونتي كاروو”.. صحافة حقيقية في زمن رديء

كنت محتاراً، ولوقت طويل، في سبب اختيار الزميل والصديق ناصف صلاح الدين لاسم “سيد الكارو” عنواناً لحسابه الشخصي على فيسبوك. وهي حيرة في باطنها استملاح للاسم، ولفطنة صاحبه في اختيارٍ قريبٍ من حياتنا اليومية.

من مِنا، حضراً وبداوة، لا يعرف الكارو وصاحبه، وأدوارهما المتعددة؟ غُفِر لنا ما قارفناه بحق الإثنين في صغرنا.. آمين.
ولما انفرد ناصف بوكالته الإخبارية على هذا الوسيط التقني الاجتماعي، أثبت لي مجدداً صحة رأيي السابق في فطنته. فهو اختار لها اسماً تلاعب به، وبذكاء، على اسم إحدى أكثر الإذاعات قرباً لوجدان بني سودان. فانتقل بـ “مونتي كارلو” جغرافياً ووجدانياً إلى “مونتي كاروو”.

لكن لناصف عندي مأثرة ألصق بـ “كارنا” الذي نأكل منه عيشنا.

عرفت ناصفاً في شوارع الخرطوم المغبرة، المكتظة بالبشرية التعبى، على أيام تعاطيِّ الصحافة المطبوعة في بعض جرائدها. لم نكن أصحاباً بالمعنى المعروف، ولا زملاء بالطريقة الشائعة. كان في جريدة وكنت في أخرى. التقينا هنا وهناك، وتهاتفنا مرات، وتآمرنا في أخريات. استوخمت أنا البلد وأهله وسافرت، وبقى هو.

التقينا ثانية في حواشي فرجينيا بمضارب العم سام. زارني في بيتي، لم يمكث إلا بمقدار ما استعدنا سابق “شمارات” وخليّ مغامرات، وأخابير نفضنا غبارها عن أضابير مطويات.

وبين هذه وتلك لم تنقطع صلتنا في هذا الفيسبوك يوماً واحداً. كان يخصني بتعليقات سليطة، ذات أسنان وأشواك، وبيننا مطاعنات يوت. وفيها كلها لا تغيب الضحكة عن حرف واحد. ولا تغيب فطنته عن تعليق واحد.
لذا، أحسب أن شهادتي فيه غير مجروحة بشبهة تقارب مضلل، أو صحبة تدفع إلى النفاق. حاشاه، وإياي.
منذ أن عرفت ناصفاً على هذا الفيسبوك، وله فرادة في جلب أخبار متميزة، ينتزعها في غالب أحواله من بطن غول الحكومة. ولربما لم يعرف كثيرون تميز ناصف في الإخبار عما خفى من أسرار وأحداث إلا بعد موقعة القصر الشهيرة، وما جرى في شأن الفريق طه الحسين، “ابن الريس” سابقاً، والمستجير ببلاد الحرمين لاحقاً.

كان ذلك حدثاً مزلزلاً، أشغل سائر وسائط التواصل الاجتماعي، وأشعل “واتساب” بني سودان برسائل متلاحقة. تأول الناس وقتها في ما حدث، وعجيب أسبابه، وخفي تطوراته، وبالغوا فيه طرائق قِدداً.
إلا ناصفاً. كانت أخباره في محلها، ولوقتها، وبثقتها. يأتي بالخبر الواحد، فينفعل بعض الناس بالتهويل، وينكره بعض آخر بالقطع، ويتروى فيه أقل القليل. ثم تدور الأيام، ويستبين صحة ما قاله ناصف. وهو على موقفه لا يريم، ولا يزعجه تطاول الناس عليه. ولربما أصمت بعضهم بتعليق شديد الوطأ.

على أن لناصف سوابق كثيرة، لا حاجة لسردها هنا، فليس هذا مقامها. لكنها كلها تنقسم على مشترك أعظم: الدقة والأمانة.

وقبل موقعة طه الحسين، وبعدها، ارتكن ناصف لما يجيده هو، وقلّ من برع فيه. ذلك أن ناصف اختار عمداً أو اتفاقاً، لنفسه ضرباً من الصحافة عسير. فالصحافة الاستقصائية، والصحفي “المُخبِر” هما أصعب نوعين من تصانيف العمل الصحفي، سواء لجهة الآلة المعتمدة في معالجتهما، أو في صدد نتائجهما.
وليس بعيب، كما قد يتبادر لبعض ذوي الفهوم البسيطة، أن يقال على صحفي إنه مُخبِر، ويقابلها بالإنغليزية Reporter ويقصد بها العمل الميداني في جلب الأخبار من مظانها. بل إن عماد العمل الصحافي: الإخبار. وبعض أفضل من تتلمذت علي يديه مثل أجيال سابقة لي أو لاحقة، كان الأستاذ الضخم الفخم إدريس حسن، وهو بدأ عمله في جريدة الأيام صحفياً مخبراً، وكان يقولها بفخر واعتزاز.

أما النوع الثاني، أي الاستقصائي، ويقابله بالإنغليزية Investigative، فهو أوعر تصانيف العمل الصحافي مسلكاً ومنتهى. فالأصل فيه المبالغة في الغوص وراء الخبر، وشدة التحقق من معلومة شائعة أو خافية، والاستيثاق من أركانها، ومصادرها، وتبعاتها، وربطها بأحداث أو أقوال قد تبدو لوهلتها الأولى نقيضها أو منقطعة السياق عنها.
وما يفعله ناصف هنا، في هذا الفيسبوك، هو عمل عظيم. ليس فقط للأسباب المفصلة بعاليه، وإنما لفضيلة أخرى، أبعد شأواً. ذلك أن الفيسبوك، مثل أي وسيط تواصل اجتماعي، متاح للكل ومفتوح للجميع. لذا، تكون المعلومة المضللة فيه أسهل منالا وأوسع انتشاراً من تلك الصحيحة أو المضبوطة. ولعل أبرز مثال على هذا هو ما جرى ويجري، وما خفي وما ينكشف تتابعاً، في موضوع الانتخابات الأميركية التي أتت بالمعتوه ترامب، والدور الروسي فيها. وما ظهور وشيوع مصطلح “الأخبار الزائفة Fake News” عقبها إلا أوضح دليل.

تعسفُ ناصف وتجبره عند ضبط أخباره، ووزنها، وبثها عبر هذا الوسيط، يحسب له وبالقسطاس المرجح. ليس ما يفعله ناصف سهلاً ولا ممكناً بالنسبة لغالب أهل الصحافة على اختلاف ضروبها. وتكرار صحة ما يأتي به في وجه إنكار من أنكر، وتخرُّصِ من تخرَّص، يحسب له ويثاب عليه شكراً.

ويحق لمتسائل أن يطرح علامات استفهام كثيرة عن مصادر أخبار ناصف ونوعها. لكن الصحفي يعرف أن أول أولوياته هي حماية مصادره. ودخل كثيرون السجن في أعتى ديموقراطيات الدنيا لأنهم رفضوا أمر القاضي بالإفصاح عنها. وسيان عندي إن كانت مصادره من الحكومة أو المعارضة. فالشاهد أنها موثوقة، وأخباره صحيحة، وسِمته واحد: الدقة والأمانة.

وعليه يزيد ناصف عندي طولاً أن له مصادره في بطن الغول المسمى بحكومة السودان. ولا يعنيني تصنيفه ممالئاً أو معارضاً لها، فليس هذا ميزان الخبر من عدمه. بل أقيس، كفعل أي منصف، على صحة الخبر ودقته وتوقيته. وعن التوقيت يطول التفصيل. وهنا غير محل إطالة.

لكن تلزمنا الإشارة بإنصاف إلى أن ناصفاً سبق الكل، وفي غالب الأحوال، فيما يخبر عنه. وهذا سنام العمل الصحافي لمن يعرفه حقاً. بل إن صراع الصحافة والسلطة التنفيذية في الولايات المتحدة أو بريطانيا مثلاً يقوم أساساً على السبق الصحافي أو كما يسمونه Scoop. بل سقطت حكومات وأودي برجالات سالطين بسبق صحفي صرخت به عناوين الصحف صباحاً، فما بقى لعصر يومه حتى وأطاح بمن أطاح.

بقى شيء أخير. لماذا هذه الشهادة، ولماذا الآن؟

لأن الشهادة لزميل بعلو كعبه في عمله هو من أصعب الأشياء على نفس الصحافي. تلك قبيلة لها من الحسد نصيب راكز، وفائض. وغمط الناس أشيائهم والغض مما صنعوه خصلة شائعة بينهم. فأحببت أن أخلص نفسي منها.

ولأن ذكر محاسن الناس في ثقافتنا يكون عادة بعد تقاعدهم، أو بالأخرى رحيلهم. فأحببت أن أنبهكم ونفسي لشيء فريد يحدث بيننا راهناً، وأن ألفتكم إلى صحافي مميز يعيش بيننا، وأن أثبت لذي الحق حقه عياناً بياناً وحياةً.
ما كتيرة على ناصف، مش؟

فيسبوك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..