أخبار مختارة

الراكوبة تنشر كتاب: بيت العنكبوت، أسرار الجهاز السري للحركة الإسلاموية السودانية

للكاتب والصحفي فتحي الضو

مقدمة:

تبدأ “الراكوبة” نقلاً عن صحيفة السياسي؛ نشر أجزاء واحد من أهم الكتب التي نشرت إبان العهد البائد، يكشف فيها عن أسرار الجهاز السري لنظام الإنقاذ، الذي تولى كثيرا من العمليات القذرة من إعدامات واعتقالات وتعذيب.

وعمدت أجهزة النظام البائد على منع تداول الكتاب ونشره في السودان مما حرم كثير من السودانيين من الوقوف على الجرائم التي ارتكبها الجهاز السري للحركة الإسلامية، بل كانت حيازته تمثل جريمة يستحق مرتكبها الاعتقال والتنكيل به لما فيه من فضح وكشف للعقلية الإجرامية للقائمين على أمر هذا الجهاز وبشاعة ما ارتكب من جرائم.

“بيت العنكبوت” للكاتب والصحفي فتحي الضو، يحيط بخيوطه التي لا فكاك منها بجانب كثير من المعلومات التي وثقها لتبقى على مدار التاريخ تذكرة بحقبة سوداء صبغت ثلاثة عقود من عمر السودان بكل ألوان الفساد والاستبداد، بل وتجاوزت روائحها خارج الحدود.

فَتحِي الضَّو

بيْت العنكَبُوت

أسْرارُ الجِِّهَاز السِرِّي للحَرَكَة الإسلامَويَّة السُُّودانيَّة

 

المؤلف: فتحي الضَّو
Wheaton, IL 60187 USA
[email protected]

تصميم الغُلاف: سامح الكاشف

التنسيق الداخلي: جابي فايز غبريال

 

مُراجعة:

صلاح شعيب
هاشم محمد صالح

 

الطابعون:

مكتبة جزيرة الورد

4 ميدان حليم – خلف بنك فيصل الإسلامي

شارع 26 يوليو – القاهرة – مصر

 

المُوزِّعون:

مكتبة جزيرة الورد – مصر

مكتبة أمازون – دولياً

amazon.com


الطبعة الأولى

رقم الإيداع: 27020 / 2015

الرقم الدولي: 978-977-85228-4-6


جميع الحقوق محفوظة للمُؤلِّف

يُحظر نشر أو تصوير أو طبع أو تخزين أي جزء من هذا الكتاب بأي وسيلة إلكترونيَّة أو بخلاف ذلك إلاَّ بإذن كتابي صريح وواضح من المُؤلِّف

 

الإهداء..

– إلى الأرواح الطَّاهرة التي اغتالها الأمويُّون الجُدُد..

– إلى مَصَادِرِي التي حَكَّمَت ضَمَائِرِهَا وانحازَت إلى هُويَّتها السُّودانويَّة..


للتأمُّل والعِظَة والاعتِبَار..!!

سَتَعرِفُون الحَقِيقَة.. والحَقِيقَة سَتجعَلُكُم أحرَارَاً..

أحرارٌ مِنَ الحَرْبِ والبُؤسِ والجَّهْلِ…

من أقوال السيِّد المسيح عليه السلام

هذه العبارة منقوشة على لوحة وُضعت أمام البوَّابة الرَّئيسيَّة

لمبنى وكالة الاستخبارات المركزيَّة الأمريكيَّة ( (C.I.A

الكائن في ضاحية لانغلي – فيرفاكس – بولاية فرجينيا

ومَهَما تكُن عِند اِمرئٍ مِن خَليقةٍ

وإِن خَالَها تَخفى عَلى الناسِ تُعلَمِ

زُهير بن أبي سَلمى

ولا تُعْطِينَّ الرَّأيَ مَنْ لا يُرِيدُهُ

فلا أنْتَ محمُودٌ ولا الرَّأي نَافِعه

الإمام الشافعي

 

دم الشهيد بي كم

ولا السؤال ممنوع

دم الشهيد غالي

والانكسر في الروح

ما بجبرو الوالي

أرواح تزف أرواح

وبرضو اللسان مبلوع

راح الوطن باباح

جربنا لحس الكوع

جرب معانا وضوق

لو مرة واحدة الجوع

من قبل ما نسميك

الريس المخلوع

شعر: أزهري محمَّد علي

 


يا البتخادع حتى الله ..
وين الشُهرة، المال والجاه؟!
وين السَّطوة.. الجَشَع.. القَسْوَة؟!
أركَزْ.. أركَزْ لا تجيب رَخوَه..
يا متلبِّك في الأدران.. الحَجَر الأسود ماهو البرْوَه..
وماها مكاوي الكعبة تجيها.. حين يتكرفس توب التقوى..
ومافي خُرط للجنة توََدِّي.. لا في خُطط لدراسة جدوى..
يا مَن قال يا رب مِن قلبو.. ردَّ الخالق دائماً أيوه..

شعر: محمَّد الحَسَن سالِم حَمِيد

 

مَدْخَل..

 

الوَهَنُ هُو الضَّعف لغةً، ويُعتَبَرُ “بيتُ العَنكَبُوت” Spider’s House هُو الأضعف – من الناحية الماديَّة – بين بيوت المخلوقات كافَّة {وإِنَّ أَوْهَن البُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلمُونَ}، علماً بأن خيوطها تُعَدُّ من أصلب الألياف الطبيعيَّة على الإطلاق (ثبت علمياً أنها أقوى من خيوط الفولاذ وجميع المعادن المعروفة) لكن مِمَّا لا شكَّ أنه بمُجرَّد أن يطالع القارئ هذه الآية الكريمة، يتوارَد إلى ذهنه مباشرة ذلك المنظر الكئيب والمُقزِّز لبيت العنكبوت. منظرٌ بشعٌ تشمئز منه نفوس البشر وتزوَرَّ منه حتى الحشرات. لكن قد لا يخطُر على بال البعض أن الوهن المقصود لا يشمل الضَّعف المادي وحده، فقد امتدَّت معانيه إلى الضَّعف المعنوي والأخلاقي، وهو الجانب الذي خُفيت أسراره عن الناس ردحاً من الزمن، إلى أن أزاح العلم الحديث عنها النقاب!

لقد اتّضح أن أُنثى العنكبوت هي التي تقوم ببناء البيت، بعدما تبلغ مرحلة البلوغ، وتتهيأ للزواج. وما أن يتسنَّى لها ذلك، وتظفر بذَكَرٍ كان يهيم بحثاً عنها، حتى تقوم بنصب شراكها له. وذلك يبدأ أولاً بالتمنُّع، وهي راغبة أصلاً، بُغية استدراج الذكر لذاك البيت، الذي بنته خيطاً خيطا. ثمَّ يلي ذلك عمليَّة الجماع، وعندما يفرغ من مضاجعتها بانتهاء خُطوات التلقيح، تقوم على الفور بقتله، ومِن ثمَّ افتراسه من باب الغريزة المُعزِّزة للرغبة في البقاء. إذ أن أنسجة الذكر تُعَدُّ مُهمَّة في دورة إنضاج البيض. يحدُث ذلك عند غالبيَّة العناكب وأكثرها شهرة ما يطلق عليها اسم “الأرملة السَّوداء”.

بَيْدَ أنه أحياناً تقوم بعض العناكب بترك الذكَر في العُشِّ ليقوم الأبناء بالتهامه عندما يخرجون من البيض. وفي نوعٍ آخر، تقوم الأُنثى بتغذية صغارها، ومثلما هي قصة “جزاء سنمار” مع الملك النعمان التي جرت على ألسنة الناس زمناً، يقوم الصغار بقتلها – أي أمُّهم – والتغذي عليها لكي يقوى ساعدهم ويشتد عودهم. وفي حالاتٍ أخرى يلتهمون بعضهم بعضا، وبعدئذٍ تلتهم الأنثى صغارها دون رحمة. ذلك إذا لم يُبادروا هُم بالتهامها بعد أن يكون الوهن قد أخذ منها كل مأخذ عقب عمليَّتي الحمل والولادة!

إذن فنحن في مملكة كائنٍ غريب الأطوار، فإلى جانب الضَّعف المادي، فقد عكس ذلك السلوك الأحيائي – البيولوجي Bioaccumulation Behavior لأنثى العنكبوت، اهتراء بيتها من الناحية الأخلاقيَّة، والاجتماعيَّة أيضاً. فهو بيتٌ تبدو الرَّوابط فيه متهتكة، لا يسكُنه سوى الموتى من شاكلة الفرائس التي انقضَّت عليها أنثاها. فلا أبناء يعيشون في ظِلِّ حضن دافئ، كما هي طبيعة الأشياء، ولا أبٌ يدير شئون البيت، كما جرى العُرف، بل لا بيت أصلاً يحمي قاطنيه من عاديات الدَّهر ولا من جور الزمان.. بيتٌ لا يستُر من بداخله ولا يدفع المُعتدي من خارجه.. بيتٌ أنشأته الأنثى لاقتراف الإثم والبغي والعدوان.. فهو بيتٌ ليس فيه ما يُغري سوى رائحة الموت والشهوة في القتل.. بيتٌ تعصف به الرِّيح، وتمزقه قطرات المطر، ويضِجُّ بالمُؤامرات والدسائس المُتوارثة جيلاً بعد جيل!

تلك هي قصة كائنٍ غريب وسيرة بيتٍ لن تجدوا لها مثيلاً سوى قصَّة أهل السُّودان مع “بيتٍ” آخر، هو جهاز أمنٍ معتدٍ أثيم.. لم تنقص أفعاله القبيحة واللاأخلاقيَّة حبَّة خردلة عن “بيت العَنكَبُوت”. ففي دهاليزه انتشرت رائحة الموت أيضاً، وراجت في كواليسه قصص القتل والتنكيل والبطش، والتصقت بسيرته روايات تكريس دولة الفساد والاستبداد والشموليَّة. وبالطبع، فإن المفتونين بهذا المنهج، ظلَّوا يمارسون ذلك السُلوك هُم خفافيش الظلام، أسوةً بجنس العناكب التي ليست لها رغبة في الحياة بعد إشباع غرائزها، سوى تلبية شهوة الموت، وسوم ضحاياها سوء العذاب، والتلذُّذ بأنينهم وآهاتهم وآلامهم بساديَّة بغيضة!

على الرغم من الأموال الطائلة التي صُرفت عليه من أموال الدولة السائبة، حتى أصبح دولة داخل دولة. فإن “بيت” جهاز الأمن، يماثل “بيت العَنكَبُوت” في التناقُض بين المظهر والمخبر.. يبدو وكأنه حصين مادياً من البُعد، ولكنه على غير ما يرون، فقد اعتراه الوهن – معنوياً وأخلاقياً – وذلك ما يلمسه كل من ألقى السَّمع وهو شهيد.

أدخلوا ردهاته وغوصوا في دهاليزه لتقرأوا سيرة قوم مُسافحين غير مُحصَّنين، سيرة تدور وقائعها في ذاك “البيت”، الذي فاق “بيت العَنكَبُوت” وهناً، وتفوَّق على ساكنيه من العناكب خِسَّةً ودناءةً وانحطاطاً!!

تلك قصصٌ، نزيد بها الإيضاح غموضاً.. والغموض إيضاحاً.. وما بينهما سيرة شعبٍ تقلَّب في المواجع!!

تَوطِئَة

 

أضعُ بيت أيديكم – أعزائي القُرَّاء – جهداً تواصَلَ فيه الليل بالنهار، ولا أمَنُّ به عليكُم، كما لا أمَنُّ به على قضيَّة نَذَرْنَا لها عُمراً. لكن سوف تُدركون بعد الفراغ من تصفُّحه أنه يُعَد أكبر وأخطر اختراقٌ في تاريخ العُصبة الحاكمة على مدى سنواتها في سُدَّة السُّلطة.. هي سنوات تطاولت – بفقه “التمكين” – لأكثر من رُبع قرنٍ، جفَّ خلالها الضَّرع، وهلكت الأنفُس والثمرات. مع ذلك، لم يألُ الحادبون جهداً في العمل الدءوب على كشف مخازيهم وفضح عيوبهم، وتبيان مساوئهم. صحيح أنها لم تبلغ نهاياتها المنطقيَّة، وقد تعاظمت المحنة. لكن المُؤكَّد أنه كان وما يزال صراعاً مكشوفاً بين الصِّدق والكذب.. بين الدَّجل والحقيقة.. بين الحق والباطل.. بقناعة كاملة، أنه حتى لو تباطأ قطار التغيير، فلن يصِحَّ غير الصَّحيح في نهاية المطاف. فالحق أبلج والكذب لجلج، وفق القول المأثور التي نطق به أكثم بن صيفي التميمي المُلقب بـ“حكيم العرب” وصدعت به الألسُن ردحاً من الزَّمن، فلا غُرُوَّ أن أصبح حديثه هذا فاصلاً بين حدَّين في كُلِّ مُعتركٍ من معارك الحياة!

إن تسلّط العُصبة ذوي البأس الحاكمة على رقاب البلاد والعباد على مدى أكثر من رُبع قرنٍ، يُعَدُ هو الأطول والأبشع في تاريخ الشعب السُّوداني بعد الاستقلال، علماً بأن “نظاماً” سلف قبل الاستقلال جعل من الأيديولوجيا الدينيَّة مرتكزاً أيضاً لأطُروحاته، لكن الأوَّل ذاك، والذي تقاصَرَت سنواته عن الثاني، طغت أهدافه الوطنيَّة عمَّا سواها. ولا يعني أن يكون ذلك مدعاةً لتجريب المُجرَّب، مِمَّا سيُورِّث الندامة فعلاً، كما يقول المثل العربي السائد، لاسيَّما، وأن البلد الذي أصبح ميداناً للتطبيق تميَّز بالتعدُّد الإثني والديني والتنوُّع الثقافي بما يصعُب فيه غلبة هُويَّةٍ على أخرى، أو تغليب دينٍ على آخر. ومن المُفارقات، أن ذلك واضح وجلي ليس في إطار المرجعيَّة الدينيَّة التي يدَّعون – إذ إن فيها ما يتضاد مع ما يزعمون – ولكن في سياق ما توصَّل إليه التعايُش البشري من أن التنوُّع يمكن أن يكون أساساً متيناً لوحدة تستوعب اختلافات اللون والعرق والدين والثقافة بشتى مُكوِّناتها. وقد أصبحت تلك قاعدة لكُلِّ من توسَّل الصعود إلى مراقٍ حضاريَّة، تنعكس عليه رُقِياً وتقدُّماً وازدهاراً!

لكن محاولات تجاهُل هذا الواقع والسباحة ضد تيَّاره لا بُدَّ أن تكلف الوطن السُّوداني من أمره عُسراً، فقد وفَّر ما نُسمِّيه بـ“تحالف الجُغرافيا والتاريخ”، أي تحالف الموقع الاستراتيجي الفريد، والتاريخ الضَّارب في القِدَم، فرصة ذهبيَّة للانصهار الإثني والتمازُج الثقافي والتعايُش الديني. وهو ما كان مرجوَّاً منه أن يُنتِج قوَّة تُصبح سياجاً لوحدة متينة ومنعة، لتنعكس إيجاباً على تطوُّر وتقدُّم وازدهار البلاد. فالسُّودان قُبَيْلَ انفصال الجنوب، الذي تمَّ على يد العُصبة الحاكمة، ضمَّ داخل حدوده الإداريَّة والسياسيَّة أكثر من خمسمائة إثنيَّة، تنتمي لنحو اثني عشر مجموعة ثقافيَّة، وتتحدَّث أكثر من مائة وخمسين لغة. وعِوَضاً عن توظيف الاختلافات إيجابياً، كانت حُروب الموارد والعِرْق والدِّين قاسماً مُشتركاً في مُعظم بقاع البلاد، الأمر الذي أقعدها عن تطوُّرها الطبيعي. ولعلَّ المُحزن أن الموارد التي تتمتع بها الدولة لا يُضاهيها إلا القليل من دُول العالم قاطبة، ولو أنَّها وُظِّفت التوظيف الأمثل، لباعد ذلك من شبح الحُروب، وقارب بين رُؤى الاختلافات، وانعكس بدوره أمناً واستقراراً ورفاهية!

من أجل هذا، فقد أخطأ الإسلامويُّون العِنوان، واختاروا ميداناً عصيَّاً على التطبيق، وفق تفكيرهم الأيديولوجي الضيِّق. ثمَّ أخذتهم العِزَّة بالإثم بعد الإمساك بزمام السُّلطة المُغتصبة، وتوهَّموا أن السَّاحة السُّودانيَّة يمكن أن تكون مُنطلقاً لتطبيق أطروحاتهم، بل ستكون نقطة نحو انطلاقة أمميَّة تتوغَّل في قلب القارَّة الأفريقيَّة. ومن عجبٍ، كأنهم لا يعلمون جرَّاء تلك الأوهام، أنه كلما توغَّلتَ جنوباً، كلما كان التعدُّد الديني والعِرقي أكثر وضوحاً، وبنفس القدر تتراجع الهُويَّة العربيَّة لتسود الهُويَّة الأفريقانيَّة بالكامل. وطبقاً لمُسلَّمات هذا الواقع، فإن ما ادَّعته العُصبة الإسلامويَّة الحاكمة في السُّودان عُدَّ مَحْضَ تُرَّهاتٍ ومتاجرة بالدِّين الإسلامي. عِلماً بأن مثل تلك التُرَّهات انعكست وبالاً على العقيدة الإسلاميَّة نفسها، وأصابتها بكوارث لا قِبَلَ لها بها، وبعدئذٍ لم يكُن غريباً أن تنال من انتشارها بالحكمة والموعظة الحَسَنَة، وذلك مِمَّا لا يُدركه الغافلون ولا الذين في آذانهم وقر!

على عكس حقائق التاريخ والجغرافيا التي أشرنا إليها، أرادت العُصبة ذات البأس الحاكمة في السُّودان مُجافاة تلك الحقائق، والسير في الاتجاه العكسي، دون مراعاةٍ لما يُمكن أن تجنيه العقيدة من أضرار، بل وما جنته البلاد باسم العقيدة نفسها. فقد انفصل ثُلثها مساحة وسُكاناً ومواردَ على وجه التقريب، ناهيك عن التاريخ التليد والرَّوابط الاجتماعيَّة. نعم، لقد هَزَمَ الإسلامويُّون الوحدة التي قاومت وصمدت أمام تحديَّاتٍ كثيرة على مدى الحِقب التاريخيَّة المُختلفة. أما الذي أصاب العقيدة نفسها، فذلك مما ستحكي عنه أجيال، وستَبرَع في توصيف الكيفيَّة التي وُضِعت بها القضيَّة على سطح صفيحٍ ساخنٍ. ولو أن الذين أسكرتهم السُّلطة، أحكموا العقل ونصبوا الميزان، لتبيَّن لهم مدى الخُسران المُبين، الذي حاق بالبلاد والعباد. ولكن يومئذٍ، لن تُجدي الشعارات الرنَّانة، ولا صريخ الحناجر المتشنجة، ولو كره المكابرون!

لعلَّ السُّؤال الذي يطرح نفسه من قِبَل كثير من المُراقبين: كيف أنَّ نظاماً بكُلِّ هذه المُوبقات استطاع أن يبقى أو يصمد – سيَّان – كُلَّ هذه السنوات، والإمساك بتلابيب السُّلطة لنحو ما يُقارب الثلاثة عقود زمنيَّة؟!  في واقع الأمر، إن وقائع هذا الكتاب لا تخوض في تفسير هذا الظاهرة النشاز.. ففي مقاماتٍ غير هذا المقام، نصب الكثيرون شباكهم، وأراق الحادبون حبراً كثيراً وجهداً أكثر في تعرية هذه السُّلطة. أما نحن هنا، فسوف نحاول بقدر المُستطاع كشف الآليَّات والوسائل التي استندت عليها واتبعتها العُصبة الحاكمة “تمكيناً” توخَّت به ديمومة الجُلوس على كُرسي السُّلطة. وقد يأتي في طليعة هذه الآليَّات الاستناد على الأجهزة الأمنيَّة، بحَسْبِها الوسيلة الأنجع تجريباً وأجدى فاعليَّة في تاريخ الشُموليَّات والديكتاتوريَّات، بُغية التحكُّم في السُّلطة. لكن في الحالة السُّودانيَّة، يَعجَبُ المَرء أن الحاكمين لم يضعوا اعتباراً لطبيعة وسايكولوجيَّة السُّودانيين التي تنفر من التسلط، ولا يجرِّمنها وقوع البلاد تحت إبط الديكتاتوريَّة لأكثر من رُبع قرن من الزمن!

بهذه الخُلاصة المنطقيَّة في التسلسُل، نكون قد وصلنا إلى جوهر مادَّة هذا الكتاب، والقائلة إن دولة الفساد والاستبداد التي أسَّستها العُصبة ذوي البأس في السُّودان، استندت واعتمدت بشكلٍ كاملٍ على الأجهزة الأمنيَّة، ولذا فقد ظلَّ الأمن هاجساً في أجندة التنظيم يَعلُّو ولا يُعلى عليه. ولم يكن غريباً بعد أن أسَّست دولتها، أن تقوم بتوجيه معظم الميزانيَّة لقطاع الأمن والدفاع، أي ما يفوق نسبته 70% من ميزانيَّات الدولة المُعلنة على مدى سنواتها في السُّلطة، سَوَاء في العُهود التي عانت السُّلطة فيها المُسغبة، أي قبل اكتشاف البترول، أو تلك التي صارت فيها مُترفة، تعبث بالأموال الطائلة من عائدات البترول بلا حسيبٍ أو رقيب!

إن الأجهزة الأمنيَّة ومُمارساتها في الكواليس والدهاليز ليست مادة هذا الكتاب وحدها، فهي تشتمل على فضح أشياءٍ أخر، يمكن القول إنها عين ما خُفي على الشعب السُّوداني طيلة سنوات تسنُّم العُصبة ذُرى الحُكم. فمادة الكتاب تذهب إلى أبعد من ذلك في كشف خبايا أخطر جهاز حَكَمَ هذه الدولة في الخفاء، وهو جهاز الأمن الشعبي، “أ.ش.” كما يختصرونه، وللذين لا يعلمون، فهو الجهاز العقدي والإخطبوط الخفي الماسِك بزمام أجهزة الدولة. وقد يتساءل البعض عندئذٍ عن جهاز الأمن والمخابرات “الوطني”، الذي يرأسه الفريق أوَّل محمَّد عطا المولى.. الإجابة التي سيعرفها القارئ أكثر عند مطالعته هذا الكتاب، تقول إن جهاز الأمن والمُخابرات هذا يُطلقُ عليه في أروقة الدولة اسم “الجهاز الرسمي”، أما الذي نحن بصدد الدخول في عرصاته والغوص في كواليسه، فهُو جهاز التنظيم الإسلاموي المُسمَّى “جهاز الأمن الشعبي”، ويقيننا أن التسمية وحدها كفيلة بفغر الأفواه وجُحُوظ العيون في محاجرها!

إن “جهاز الأمن الشعبي”، الذي دخلنا دهاليزه دونما استئذانٍ بالطبع، تشير قواعد تأسيسه إلى أنه الجهاز الذي ينبغي أن يَحِلَّ مَحَلَّ ما سُمِّي بـ“الجهاز الرسمي” في حال انهيار الأخير. وهو الأهم في تراتُبيَّة هيكل الدولة الشموليَّة، أي أن سُلطاته تعلو على أي سُلطاتٍ في الدولة، بما في ذلك الأجهزة النظاميَّة الأخرى، وهو المَعْنِيّ بخُطط الاستراتيجيَّات الكُبرى، أي الذي يرسم توجهات الدولة في القضايا المصيريَّة، سواء داخل البلاد أو خارجها، وهو الذي يضع القرارات العُليا اللازمة التنفيذ، وهو الذي يُشرف على الأداء العام للدولة، وهو الذي تتنزل توجيهاته من عَلٍ مقرونة بالتنفيذ دُون تلكُّؤ أو استدراكٍ أو مُراجعة، وهو الذي يُوجِّه رئيس الدولة نفسه بما يجب عمله، أو ما ينبغي اجتنابه، وهو الذي يُراجِع ولا يُراجَع في قراراته!

لم تكن هذه الزيارة الأولى لنا لأجهزة أمن النظام، فقد سَبَقَ لنا أن دخلنا دهاليز جهاز الأمن والاستخبارات “الوطني” عندما كان رئيسه الفريق أوَّل صلاح عبدالله “قوش”، وهتكنا أستاره، وعدنا للقراء بصيد ثمين، كان عبارة عن وثائق شتى، ضمَّناها كتابنا الموسوم بــ“الخندق – دولة الفساد والاستبداد”، وهو الذي أرَّق مضاجع العُصبة الحاكمة، بما لتلك الوثائق من تأثير على مُجريات الأمور في الدولة، وكان أهمُّها كشف خبايا أخطر وأعقد قضيَّة تواجهها العُصبة، وهي نشر وثائق المحكمة الجنائيَّة المُتهم فيها رئيس النظام عُمَر حسن البشير وبعض جلاوزة العُصبة. وقد كشفت تلك الوثائق للقُرَّاء كيفيَّة تعامُل الدولة بوجهين في تلك القضيَّة الحسَّاسة، كان ذلك إلى جانب وثائق أخرى دامغة، تفضح ممارسات دولة الفساد والاستبداد التي أسَّستها العُصبة، وجثمت بها على صدر الشعب السُّوداني سنواتٍ عِجَافٍ!

بَيْدَ أن ما سردناه وكشفناه في أروقة جهاز الأمن والمُخابرات آنذاك، تتضاءل أمامه اليوم ما سنكشفه ونزيح الحُجُب عنه في “جهاز الأمن الشعبي”. وليس تنطعاً ولكن يقيننا أنه اختراق يعجز الرَّاصدون عن التنبُّؤ به حتى.. فهذا الكتاب يتضمَّن أضعافاً مضاعفة من الوثائق، تفوَّقت – كمَّاً وكيفاً – عن تلك التي سبرنا غورها في جهاز الأمن والمخابرات “الرسمي”، ففي حين كانت تلك بضع عشرات، فإن هذه التي تحصَّلنا عليها وتخص الأمن الشعبي أكثر من ثلاثمائة وثيقة. وقد ارتأينا في هذا الكتاب أن ننشر بعضاً منها، على أن نتحف القرَّاء ببعضٍ آخر في إطار الكشف المُتواصل لما نسمِّيه بـ“أسرار الدولة الباطنيَّة” للعُصبة الإسلامويَّة الحاكمة. أمَّا الجُزء التالي، الذي سنُلحقه بهذا، فلسوف نمضي فيه إلى أبعد مِمَّا يُنشر الآن، وحينها سوف تتدحرج فيه رُؤوسٌ كثيرة عندما يحين ويُونِعَ قِطافُها!

في هذا الكتاب، سندع الوثائق تتحدَّث عن نفسها دون تدخل مِنَّا، ولكن سوف نُعلِّق على بعضها لكي نُعين القارئ على فكِّ طلاسمها واستجلاء لوغريثماتها، وذلك لربط الأحداث مع بعضها البعض، وصولاً للهدف الذي رَمَت إليه دولة العُصبة الحاكمة في تمكين قبضتها على أجهزة الدولة المُختلفة. وفي هذا الإطار، أزحنا النقاب عن الشخصيَّات المُتوارية في كواليس هذا الجهاز، وهي من فرط تخفيها تحت أقنعةٍ شتى لإبعاد الشكوك والارتياب، صارت أشبه بالأشباح. واتساقاً مع هذا الغموض، فهم لا يحملون رُتباً عسكريَّة مثل الجهاز الآخر “الرسمي”، وقد يُدهش القُرَّاء حينما يعلمون أنهم أناسٌ يمشون بينهم في الأسواق، ولكنهم مِمَّن ينهشون لُحُوم البشر، وفي الوقت نفسه يشاطرونهم حياتهم الاجتماعيَّة بكُلِّ ضُروبها. والغريب في الأمر، أن ذلك يحدُث في مجتمع ظلَّ وما فتئ في خُصومة معرفيَّة مع مفهوم الأمن، سواء بمعناه السِّلبي الذي رسَّخته الديكتاتوريَّات، أو الإيجابي الذي يحض على إطعامٍ من جُوع أو تأمين من خوف!

لـ“جهاز الأمن الشعبي” ثلاثة عشر دائرة، وُضعت أرقامها بتقسيم فردي (لا أدري لماذا، ولكن يبدو أنه من باب الإمعان في التمويه).. استطعنا أن ندخل دُورها المُحرَّمة جميعاً، وفي داخلها إدارات فرعيَّة، علمنا أسماءها، وأسماء مُدرائها الذين يتسنَّمون وظائف أخرى في الدَّولة، لا صلة لها بالعمل الأمني.. كذلك كشفنا عن مواقعها الجُغرافيَّة في العاصمة وضواحيها، وهي لا تحمل أي لافتات بأـسماءٍ مُعيَّنة. ثمَّ تتبَّعنا كيفيَّة سير العمل فيها، وفق الترتيب الهرمي. في هذا الكتاب، سنزيح القناع أيضاً عن مزيدٍ من أحداث نعلمُ سلفاً أنها ستزيد المشهد غُمُوضاً وتعقيداً، بالرغم من تقديرنا أنه حال ما ينفضَّ سامِر هذا النظام ويذهب إلى مزبلة التاريخ، سيقف الناس على أسرار تنوء بحملها الجبال!

في هذا الكتاب، تعرَّضنا كذلك، لأسوأ خطايا العُصبة الحاكمة، وهي جرائم القتل التي اقتُرِفَت بدمٍ باردٍ. فأوردنا قصصاً لضحاياها، وخاصة مِن الطُلّاَّب، وشرحنا على لسان مصادرنا التي شاهدت الجرائم الكيفيَّة التي تمَّ تقتيلهم بها، وكذا الأمكنة التي قُتِلوا فيها، وأسماء قاتليهم وصُورهم، دون مُواربة. وبالقدر نفسه، أزحنا الستار عن جرائم دم أخرى مضت في زحمة الحياة، ولم يعلم بها سوى القليل، بل لم يعُد يذكُرهُم أحدٌ سِوَى أهاليهم الذين افتقدوهم. وفي السياق نفسه، سجَّلنا زيارة أخرى للتاريخ، وأعدنا توثيق روايات جرائم قتلٍ بالغة في ميلودراميَّتها، ولم يكن هدفنا فيها استحلاب الدُموع، ولكن للتوثيق، حتى لا يفلت قتلتِهِم من العقاب في اليوم الموعود!

مِمَّا يجدُر بنا ذِكرَه، أنه على الرغم من أننا طمحنا، بل عملنا من أجل توثيق كل جرائم الدم التي طالت الأفراد، إلا أننا ما زلنا على يقين بأن ما استطعنا توثيقه لا يُعَدُّ أن يكون سوى نقطة في محيطٍ من الخطايا والآثام.. فنحن على يقينٍ أيضاً، بأن هناك ضحايا آخرين لم نستطع الوصول إليهم، ومَن لم نجد أدلَّة دامغة في جرائمهم ندين بها قَتَلتِهِم، اكتفينا بإيراد أسمائهم فقط، لعَلَّ غيرنا يواصل المِشوار ويأتي بالقرائن والإثباتات التي تُحكِم الوثاق حول رقاب المُعتدين. فجرائم الدم – كما تعلمون – لا تسقط بالتقادُم، ولا تُمحى بالتسويات الضيزى.

من جهةٍ ثانية، وبذات القدر في الشفافيَّة والأمانة ونُبل المقاصد، وثَّقنا لجرائم اغتيالاتٍ وقعت في صُفوف العُصبة الحاكمة نفسها، أي من كوادرها الناشطة، ذلك حَدَثَ بعد أن مضى “الأحباب” كُلِّ في طريق، بعد ما سُمِّي بـ“المُفاصلة الكُبرى”، أو صراع القصر والمنشيَّة!

تجدُرُ الإشارة كذلك، إلى أن التوثيق يستلزم أحياناً الإشارة لمعلوماتٍ متصلة بجهاز الأمن والمخابرات “الرَّسمي”، وذلك من باب فقه المُقاربات. نأمل ألاَّ يُسبِّب ذلك التباساً في ذهن القُرَّاء، ويظنون أن حابل الجهاز “المَخفي” اختلط بنابل الجهاز “الرَّسمي”، إذ أنَّ تتبُّع هذه الأجهزة العنكبوتيَّة أمرٌ بالغ المشقَّة، ومُرهقٌ للعقل والوجدان معاً، ويقيننا أن للقُرَّاء عيناً فاحصةً تستطيع تمييز السيِّئ من الأسوأ. غير أن النقطة الأكثر أهميَّة في التوضيح، هي أن السَّرد جرى في بعض الفصول على لسان المصادر التي زوَّدتني بهذه المعلومات، وقد لعبتُ دور “الرَّاوي”، كما يُطلقون عليها في المُصطلحات الأدبيَّة. وسواءً هذا أو ذاك، فلا مناص من التأكيد على أنه أصالة عن نفسي ونيابة عن مصادري أتحمَّلُ كامل المسئوليَّة، مهنياً وأخلاقياً، وذلك هو ما دأبنا عليه في هذا الحقل منذ ما يُقارب الأربعة عقود زمنيَّة!

يتبع …

الوسوم

‫3 تعليقات

  1. أولاً ترجمة عنوان الكتاب -بيت العنكبوت – ب Spider’s House غلط!
    بيت العنكبوت باللغة الإنجليزية يقال له The Cobweb أو The Spider’s Web, NOT The Spider’s House
    !!!

  2. منو القال ليك خلو الكتاب لازم يمسكو العصا من راسها يعنى من الغلاف للغلاف والله ما مفروض يضيعو الوقت فى محاكمات من الذى حاكمه الكيزان اعدامات على طول وردمهم فى حفر حتى ترتاح امهات واسر الشهداء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق