مقالات وآراء

شفوت الثورة قاعدين

تدور منذ أمد ليس بالبعيد، رحي حرب خفية، بين بعض مكونات الثورة السودانية، التي إستطاعت إسقاط أعتي دكتاتورية سودانية، في القرن الأفريقي، هذه الحرب سطرها ونسج حبالها- إعدادا وتخطيطا وتنفيذا- نفر أدمنوا الفشل والغوص في وحله، وقد أجهزوا بفعلهم هذا للقضاء مبكرا علي الثورة، وقطع الطريق أمام بني وطني، الذين أرادوا قطف ثمار ثورتهم، أمنا وسلاما وإستقرارا، وعدالة وتنمية، بل وعودا حميدا آمنا: للنازحين واللاجئين، الهائمين علي الوجوه، المتوضئة بماء الإرادة والعزيمة.
لذلك ما زال المكيدون يدبرون ويخططون، ليقضوا علي ما تبقي من أمل الثورة، ظنا منهم أنهم سيعتلون المرافئ، ليسقطوا شعار (حرية سلام وعدالة)، ولكن هيهات هيهات، وبالكاد فالخاسر الأول من هذه الصراعات والحروب العبثية، هم الظلاميون قبل الشعب السوداني، الذي ظل مستغلا (بضم الميم)، لستين عام ونيف، وواهمون إذا إعتقدوا أنهم وحدهم المستفيدون من هذه الحروب، فبجانبهم من أدمنوا تجارتها، من الأمراء والسماسرة، وحارقي البخور، من ذوي الأفكار الصدئة، والأقلام المأجورة، المستمرئين، للقتل والسحل، والحرق والسحق، والنهب والسلب، والتشتيت والتفتيت، وكل ما من شأنه أن يؤدي إلي إذلال الإنسان.
وظن الحالمون أن شمس دولة تمكينهم، ستشرق من جديد، عبر هذه البوابة، بيد أنهم تناسوا أن شمسها غربت، وأفل نجمها ولن تشرق أبدا، طالما أن تروس (الشفاتة والكنداكات) قاعدين صابنها وصاحيين لكل المآلات، وبالتالي لن يتمكنوا العودة بعقارب ساعة الوطن، إلي أتون الجهل والتخلف، كما أن بون التشظي، سيتم رتقه ولن تتسع مساحته، مثلما لن يجد الإنقسام طريقه للإتساع، ليكون الهدف والمصير التلاقي والإنسجام، والذي بدأت روحه تدب في أوصال الجسد المنهوك، الأمر الذي ينبغي أن يدفع الجميع، إلي إمعان النظر كرتين، حتي لا يرتد إلينا، كلام أهل البادية السوداني: (عايرة وأدوها سوط)، أي تلك البهيمة العائرة عن قطعيها، ثم زادوها سوطا علي عيرتها (بفتح العين وتسكين الياء)، حتي إختفت عن الأنظار، فالمتتبع للمشهد السوداني، بعد سقوط النظام الإسلاموي البائد، صاروا الأشبه (بالعايرة وأدوها سوط)، وحتي لا نجد أنفسنا، كما السائرين تحت جسر معطوب بالحفر والمطبات، ومليئ بالمياه الآسنة، فسرعان ما سينهد الجسر تحت أقدامهم، إذا أرادوا العبور، إلي بر الأمان بكل تبايناتهم السياسية، وتبعاتهم الثقافية، وتقاطعاتهم الإجتماعية، والتي إذا لم ندرأها بالحكمة والفطانة، ستشكل عائقا كبيرا في تصحيح مسار الثورة، وتصعب من عمليات الإنتقال السلس، الذي يجعل الضحايا، وكل الآملين والحالمين، الإحساس بإنسانيتهم وكرامتهم الآدمية، في بلد ظلت تنتهك فيها القيم، وتستعبد (بضم التاء الأولي) فيها الكرامة البشرية، علي مر السنين والدهور، وباتت كثيرا من أجزاء البلاد ليست لنا وطن، كما ندعي، وصارت عرضة لفرز العيشة، لطالما أن الوطن نفسه لم يسع الجميع، لأنهم ظلوا يتصارعون ويحتربون، حسبما يقتضي الحال، وينوي تجار الحرب إزكاء النيران، تارة تحت دواعي ولافتات السيادة الوطنية، وتارة أخري تحت دوافع إستهداف الدين والمشروع الحضاري.

نور الدين بريمة
[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق