مقالات سياسية

السودان و التجاذب بين رؤيتين

زين العابدين صالح عبد الرحمن

كل عام و الجميع بخير، و نسأل الله أن يديم عليكم نعمة الصحة و العافية. و الوطن شامخا يخطو خطواته في سلم الحضارة الإنسانية ناهضا أمنا مستقرا.

كانت قيادات الإنقاذ تمثل أعلي درجات الرؤية التقليدية لإيديولوجية اليمنية في المسار السياسي التاريخي في السودان، و هي رؤية لم تنشأ من فراغ بل كانت عملية تراكمية للعمل السياسي التقليدي في البلاد، و  لذلك وضعت تجربة الإنقاذ كل النخب السياسية الأيديولوجية اليمينية أمام عدد من التساؤلات المهمة جدا، إذا كانت لدى هذه النخبة الرغبة العودة مرة أخرى للعمل السياسي بعد أن تدين التجربة أولا، ثم تنقدها نقدا علميا بعيدا عن التأثير العاطفي، و أن كانت هنات مجهودات فردية تمارس نقد التجربة علي أسس علمية قبل و بعد سقوط النظام، و ايضا كانت انتفاضة إبريل قد وضعت أيديولوجي اليسار الماركسي و القومي و الاشتراكي أمام عملية نقدية مهمة لقضيتين الأولي الانقلابات العسكرية كوسيلة للوصول للحكم هل هي صالحة لاستقرار البلاد و نهضتها أم تعطل التطور الطبيعي للمجتمع و ديمقراطيته، و  أيضا ما هي الأدوات التي تؤدي إلي صناعة الشمولية.

فالتجربة السياسية كانت أكثر إيلاما للحزبين التقليديين الحركة الاتحادي المقسومة لتيارات متعددة تقف علي ذروة سنامها الطائفية، و حزب الأمة المتطلع إلي الصراع وسط الطبقة الوسطى، فتجربتيهما في السياسية منذ الاستقلال حتى اليوم تطرح أسئلة عديدة، هل الدمج بين الوظيفتين السياسية و الدينية صالحة للعمل السياسي أم هي مضرة له؟ ما أثر هذا الدمج في ممارسة النقد؟ و هل مباح للحوار أن يمارس النقد لأقوال شيخه؟ هل الثقافة الصوفية المنتشر في البلاد و حتى وسط النخبة المثقفة تبيح النقد أم تعطل أدواته؟ هل استطاعت النخبة السياسية في هاذين الحزبين قدمت نقدا علميا لتجارب الحكم السابقة أم هي كانت تبرر أخطائها؟ ما هو سبب التشظي في هاذين الحزبين؟ هل الأفكار الإقصائية و الفردية التي لا تقبل الرؤى الأخر تستطيع أن تحدث تغييرا ديمقراطيا؟ هناك العديد من الأسئلة سوف ندمجها فيما بعد.

قبل المواصلة في المقال و طرح الأسئلة. هناك أسئلة استمعت لها في حوار مهم التطرق إليه. في عام 1995م كنت مديرا ” للمركز السوداني للثقافة و الإعلام في القاهرة” و نفذنا مهرجانين للثقافات السودانية الأول في الجامعة الأمريكية في القاهرة و الثاني في نادي الجزيرة بالقاهرة بدعم من مؤسسة فورد فونديشن ” Ford Foundation” و أيضا مؤسسة الشرق الأدني فونديشن ” Nearest Foundation” و حظيا بوجود كبير جدا للسودانيين في القاهرة، و أيضا بعض من أعضاء السلك الدبلوماسي الأروبي و الأمريكي و المؤسسات المدنية و الإعلام. بعد المهرجان الثاني. أتصلت بي الدكتورة كريستينا ديفيز التي كانت مديرة القطاع الثقافي في مؤسسة فورد و كان زوجها المدير العام للمؤسسة في الشرق الأوسط،. و دعتني لتناول الغدا مع بعض الأشخاص في المطعم الأسيوي في فندق شبرد بالقاهرة ” ِAsian Restaurant” ثم قالت الرجاء أن تأتي لوحدك. ذهبت و قد وجدتها و يجلس معها شخصان، الأول كان رئيس الدراسات الأفريقية في الجامعة الأمريكية و الثاني كان من السفارة الأمريكية. و بدأ الحديث عن المهرجانين و الإشادة بهما. و كان السؤال ما هي الأسئلة التي يمكن أن تطرح علي المستويين الثقافي و السياسي بعد رؤية السودانيين للمهرجانيين؟

أجابت كرستين عن السؤال الأول، لمزيد المعرفة “أن رسالة الدكتوراة لكرستينا كانت عن التلاوات المتعددة للقرآن، و أنعكاسات ذلك علي اللغة في تباينات الثقافية” قالت كرستينا أن المهرجان عكس الواقع الثقافي في السودان ” التنوع الثقافي” و أكد أن السودان يمتلك كنزا غنيا بالثقافات، و الذي جعله مؤثرا وجدانيا في عدد من الدول في شرق أفريقيا و غربها، و قالت الغريب في الأمر؛ أن السودان  لا يستغل هذا الكنز في لعب دور يمكن أن يسهم في عملية السلم و الاستقرار في المنطقة، و أشعاع العمل الثقافي سوف يجعل السودان من الدول المؤثرة في صناعة السلام و السلم العالمي، و بالتالي يتستطيع من خلال العمل الثقافي أن يرمي بظلاله علي كل المناطق التي يريد أن يلعب فيها دورا مؤثرا. من خلال هذا النقاش أكدت أن الرؤية لم تكن غائبة عند بعض الأكاديميين و المثقفين السودانيين، و يؤكد ذلك رؤيتهم لتأسيس معهد الدراسات الأفريقية و الأسيوية في جامعة الخرطوم، الذي كان من المفترض أن يتبع المعهد مؤسسة أو مركز يترجم الدراسات إلي نشاط و عمل إبداعي. طبعا ذلك الوقت لم تكن تكنولوجيا الاتصال للقنوات الفضائية، القضية الثانية بدأ رئيس قسم الدراسات الأفريقية في الجامعة الأمريكية و هو أمريكي. قال؛ هل النخبة السودانية السياسية أو المثقفة و حتى الأكاديميين طرحوا أسئلة تتعلق بالتجارب السياسية الماضية و كيف يتم تجاوزها مادامت قد فشلت في عملية السلام و الاستقرار الاجتماعي و التنموي، و كيف يتم بناء سودان المستقبل متجاوزا أخطائه؟ و هل الأدوات التي قادت للفشل تم دراستها و فحص أدواتها لمعرفة إذا كانت تصلح في العمل مرة أخرى أم لا.؟ ما هي الأخطاء التي وقعت فيها طريقة التفكير السابقة؟ لكن ممثل السفارة قال: يجب علينا أن نتحدث بصورة مباشرة في طرح الأسئلة، هل الأحزاب التي شكلت الحضورة في فترة ما قبل انقلاب الإنقاذ أحدثت أي تغيير في فكرها و أدواتها و إدارتها؟ هل هي مؤسسات صالحة أن تسهم في بناء النهضة المستقبلية في السودان؟ إذا كانت هي لا تصلح لذلك ما هو البديل لها الذي يستطيع أن يشكل القاعدة الاجتماعية لدعم النظام الديمقراطي مستقبلا؟ و قال الآن القوى التي تحكم في السودان هي تلتف حولها قوى حديثة أكتسبت تعليما عالي لكنها عاجزة عن صناعة النهضة في السودان لماذا؟ هل يعد ذلك خللا في التعليم الذي اكتسبوه أم خللا في البناء المفاهيمي الذي تؤمن به هذه النخبة؟ و هل الحركة الشعبية و قوات التحالف السودانية تستطيعا أن تخلقا معادلة سياسية جديدة في السودان لتغيير المعادلة التقليدية؟ أم أن الذين جعلوا أداة العسكرية طريقا للتغيير عاجزين بحكم طريقة التفكير في طرح الأسئلة المطلوبة للتغيير؟ لماذا النخب السودانية و المثقفين السودانيين لا يريدون التفكير في صناعة أدوات جديدة؟

هذه الجلسة كانت مهمة جدا، لمعرفة كيف يفكر الأخرون غير السودانيين في القضية السودان؟ و محاولة الإجابة علي هذه الأسئلة بالضرورة سوف تشكل وعيا جديدا؟ خاصة أن الثورة تفجرت خارج أسوار الأحزاب كانت أدواتها للتعبئة هي الاستخدام الأمثل لوسائل الاتصال الاجتماعي، و حتى التكتيت كان يدار خارج دائرة سيطرة الأحزاب، الأمر الذي يؤكد أن قابلية أكتساب وعي جديد في الشارع السياسي ممكنة، و ممارسة الضغط علي الآخرين بهدف تصحيح ممارساتهم ممكنة، و تغيير الأدوات التي قادت للفشل أيضا ممكنة. لكن لماذا تفشل النخب السياسية في إدارة الصراع بالطرق التي تؤدي لوعي جديد و تغيير طبيعة التفكير التقليدية؟ التحدى في عملية التغيير مسألة متوقعة و تحدي يجب أن يخلق طريقة في التفكير الجديد، و سوف تواجه تيارات مختلفة تتمثل في المحافظين في المجتمع، و تحدي من قبل أصحاب المصالح الخاصة، و تحدي من قبل أصحاب الأيديولوجيات المختلفة الذين لا يؤمنون بتعددية الأفكار، هذه التحديات و مواجهتا لابد أن تؤدي إلي توسع من مواعين الديمقراطية، و أيضا من زيادة رقعة الحرية، لكن الملاحظ أن بعض النخب المثقفة لا تقبل النقد، رغم إنها تدعي أنها مؤيدة للثورة، مما يؤكد علي رسوخ الثقافة الشمولية التي خلفتها الإنقاذ، و هذه الثقافة الشمولية لا تنتهي بين يوم و ليلة تحتاج لفترة طويلة حتى تستيطع الثقافة الديمقراطية المنتجة من هذا الصراع أن تنداح في المجتمع. و حملة الثقافية الشمولية لن تحدث أي تغييرا ديمقراطيا إذا لم تتخلص من الثقافة الشمولية. 

الصراع الدائر في البلاد الآن بين رؤيتين. الأولي؛ هي الرؤية التقليدية التي تأسست من خلال الصراع الذي كان دائرا في مؤتمر الخريجين. و هي رؤية جعلت الثقافة الصوفية قاعدة للإنطلاق رغم أن التعليم الحديث الذي أسسه المستعمر قد خلق واقعا جديدا في التفكير، و أيضا في أدوات الممارسة التي كانت تتركز في المنابر الخطابية و الصحف و المجلات. هي الأمكانيات التي كانت متوفرة في ذلك الوقت، خاصة أن التعليم خلق طبقة جديدة في المجتمع، استطاعت من خلال أسئلتها الجديدة أن تحدث تغييرا نوعيا لكنها أنتكست بعد الاستقلال، و هو السؤال المطلوب الإجابة عليه، لأن الانتكاسة استمرت مع النخبة السياسية التي وصلت الحكم رغم تباين مدارسها الفكرية. الثانية هي رؤية بدأت تتولد منذ تفجير الثورة و ظهرت بصورة جلية في ساحة الاعتصام من خلال تنوع أدواتها و أفكارها التي قد تجلت في شعاراتها، إذا كان ستمر الاعتصام كانت الرؤية قد تبلورت و خلقت معالمها، لكن حدثت تصفية الاعتصام….! و هي تصفية مقصودة ليس من قبل القوات التي تحمل السلاح وحدها ” هؤلاء كانوا أدوات فقط”  لكن حدث من قبل كل الداعمين للرؤية التقليدية التي تدافع عن مصالحها، لكي تحدث انقطاع بين التيار الفكري الإبداعي الذي بدأ يتخلق في ساحة الاعتصام و ينداح علي الأجيال الجديدة، و بين الرؤية  التقليدية التي تريد أن تتسيد ما بعد الاعتصام، و ظهر أيضا في انشقاق تجمع المهنيين و في الاهثين وراء السلطة، و المثقفين الذين يحاولون ترسيخ فكرة الإنسان ذو البعد الواحد الذي كان قد انتقدها هربرت ماركوزا في كتابه ” الإنسان ذو البعد الواحد” و تظهر في كتابات العديد من الكتاب الذين يشخصنون القضايا، و استخدام لغة القذف و الإساءات بهدف القتل المعنوي، و هي تبين تواضع المعرفة عند صاحبها.، و هي أداة من الأدوات التقليدية العاجزة.

رغم رواسب طريقة التفكير التقليدية، المستمدة رؤيتها من مصدرين؛ الأول الثقافة الصوفية التي تعطل أدوات التفكير مادام هناك شخص واحد يفكر للكل. و الثاني المستمدة أيضا من مصدرين الثقافة العسكرية التي تعتمد علي مقولة “نفذ ثم ناقش، التي تعطل إداة التفكير و تبادل الأراء، إلي جانب الأيديولوجية أداة التوليد الدغمائي التي لا تؤمن بتعدد الأفكار. لكن هناك رؤية بدأت تتخلق في المجتمع من خلال رفع رايات الرفض التي برزت بصورة واضحة في مسيرة 30 يونيو 2020م، لكن الرفض وحده لا يحدث التغيير المطلوب، إذا لم يكن هنا عملا منظما و يحمل أفكارا جديدة، لأن العمل المنظم تكسبة التحديات قوة، و خيال يساعد على استنباط الحلول، و تطوير الأفكار، و أيضا يكون جاذبا للعناصر التي تعمل بالعقل و تساعد علي طرح الأسئلة. كما يقول المفكر اللبناني علي حرب ” أن الأفكار هي أشياء تبتدع أو يعاد أبتكارها و إنتاجها في أتون التجارب الفردية و في رحم الممارسات الاجتماعية” و إذا ظلت قوى التغيير غير فاعلة و لا ترفد الساحة بالأفكار الجديدة و المقترحات، تكون قد قدمت مساحة كبيرة للقوى ذات التفكير التقليدي التي تحديثا تغبيشا في الوعي الجماهيري. و نسأل الله حسن البصيرة.      

زين العابدين صالح عبد الرحمن
[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق