بناءً على خطبة العيد: ما الجدوى السياسية من خطاب الصادق المهدي؟

صلاح شعيب

منذ حين يحاول زعيم حزب الأمة القومي الصادق المهدي اللحاق بالوتيرة الثورية المتصاعدة فيفشل في الوصول إلى مرحلة الاندماج مع أهدافها الجوهرية. ولاحقًا يسعى المهدي لتجيير الوضع الجديد الذي أفرزته الثورة لصالح خطاب حزب الأمة بسياسات مناوئة، ولكن هيهات.
فسودان اليوم ليس هو سودان الستينات، أو الثمانينات، على أقل تقدير، إذ تراجعت فيه آثار زعامة الحزبين التقليديين، شاء المريد أو أبى، وهذه سنة الحياة.

فلو درس الإمام أسباب رفض قادة الحزب الستة الإذعان لنداء التنظيم بانسحابهم من تعيينات الولاة لأدرك الفرق بين نفوذ صادق “الوعد الإسلامي” في الديموقراطية الثالثة ونفوذ صادق “العقد الاجتماعي” في ديموقراطيتنا الأخيرة هذي.

فمنذ “خطاب البوخة” كما درجت على اصطلاحه قوى الشباب الثوري الغاضب على الزعيم حاولت بتأنٍ تأمل خطوات الزعيم الثمانيني في مسار منعرجات الثورة، وهي تتخلق لتحقق بعض مدنيتها. وهناك على طرف المسار الثوري يتذبذب الزعيم بتصريحاته ضد حلفائه حتى خرج عليهم. ولقد تفاديت التعجل في فهم الزعيم حتى توصلت إلى نتيجة مفادها أن قراءاته للواقع السوداني الجديد إما قاصرة، أو أنه يفهم مصباته، وبالتالي يتعمد ضبط هذا الواقع من موقف متعالٍ بوصاية بائنة، والاحتمال الثالث – وأرجو ألا يكون صحيحا – وهو أنه عرف عجزه في فهم وضبط واقعنا السياسي شديد السيولة، وبالتالي يريد فقط عرقلة مسار الانتقال ما دام هو غير قادر على قيادة الدفة.

وفي كلا الحالتين ليس هو مؤاخذ البتة. فأي زعيم سياسي هو مجتهد بالضرورة في تنفيذ أجنداته الايدولوجية، أو البراغماتية، أو الشخصية حتى. ولكن تأتي المؤاخذة على محاولة المهدي تلفيق التهم المجانية في المكونات السياسية وربطها بالخارج لدواع خبيثة، وهو أكثر زعيم راهن على الدعم الخارجي حتى أتى يوما غازيا البلاد بسلاح ليبي. والمؤاخذة الثانية على اتخاذ موقف ضد حق العلمانيين في عقد تحالفاتهم لتحقيق أهدافهم ديموقراطيًا، وهو يدرك من خلال معارفه الوسطية أن العلمانية هي جوهر حكم عشرات الدول الإسلامية المتقدمة. والمؤاخذة الثالثة على مغازلته للإسلاميين بخطاب عاطفي، وتوج ذلك باجتماعاته معهم لخلق الاصطفاف الديني، وهو يدرك أنه ليس هو الأفضل تأهيلًا في الخلق الديني عن الآخرين ومزايداته بأنه أكثر الناس حفظاً لبيضة الدين يكذبها واقع قبوله تكريم البشير نفسه في وقت تتعرض قرى أنصاره في دارفور، وكردفان، لقصف الآلة العسكرية للنظام السابق، بل هو الذي هدد بالدفاع عن البشير في حال تسليمه المحكمة الجنائية الدولية آنذاك.

أما المؤاخذة الرابعة على مناجاته الجيش للاصطفاف معه بما يعني ذلك أنه غير واثق بأن خطابه السياسي سيهزم الخطاب العلماني، ولذلك يتنكر لحجج الديموقراطية بتفضيل الاستعانة بحميدتي، أو البرهان، أو دعم (الخارج العربي الإسلامي)، كما اتضح كل هذا في خطاب العيد، والذي جاء تحشيديا على نسق خطابات الحزب في الستينات تحديدا.

إن الصادق المهدي يطرح نفسه ديموقراطيًا منذ نعومة أظفاره، ولكنه حتى الآن يستبطن عداء محكمًا لأي حزب يتبنى خطابًا علمانيًا، وكأنه يصدر من موقف متوصٍ لما ينبغي أن تكون عليه حرية الفرد، او الجماعات في وطن التعدد، وفي عصر الحريات. فالدعوة إلى تطبيق العلمانية، أو فصل الدين عن الدولة حق مكفول للفرد والجماعات، ولا يجرمها قانون، مادامت الدولة نفسها أقرت هذا الحق، ونظمت نشاط الأحزاب، وساوت في حقوق دعواتها. بل إن الإله نفسه أعطى الفرد حريته لأن يكفر، فكيف لزعيم يدعي الديموقراطية أن يهدد بالتصدي للتيارات العلمانية حتى لو دعا الأمر عون القوات المسلحة والإقليم الحضاري. إذن ما جدوى الديموقراطية لو أنها تفرض فقط على الأحزاب تبني النهج الإسلاموي الذي يريده المهدي حكما للبلاد؟، وما جدوى التحالف مع الحزب الشيوعي في كل مراحل العمل السياسي إذا كان المهدي يستعين به في كل تحالفاته بينما يسعى لتلطيخ سمعته لاستبطان خطاب لاهوتي يقوم على العداء نحوه كلما حدث التضارب في الرؤيتين السياسيتين؟.

إن اتفاق الحركة الشعبية، جناح الحلو، وتجمع المهنيين السودانيين حول فصل الدين عن الدولة هو عمل سياسي في المقام الأول. والتنظيمان عبرا في أدبياتهما عن هذا الفصل دون أن يملي عليهما أي طرف خارجي. ولعل شكل ومضمون ذلك الاتفاق لا يختلف عن الاتفاقيات التاريخية التي عقدها المهدي مع الحركات المسلحة. وقد كان أبرزها مع الحركة الشعبية، إذ كان الاتفاق صريحا حول فصل الدين عن الدولة. وقد وقع حزب الأمة بقيادة المهدي على هذه العلمانية مع قوى التجمع الوطني، فلماذا يمنع المهدي الآخرين من تقفي أثر أدبياته السياسية التي لم يراجعها، أو يتنصل منها حتى الآن؟، وهل اتهم أحد الصادق يومها بأن اتفاق اسمرا كان مدعوما من الأصولية المسيحية بالغرب أم أن الاتفاق أملته ضرورات التعايش السوداني وفق قناعات الموقعين؟.

إن المهدي يعلم تماما أن القوات المسلحة ينبغي أن تكون على مسافة من القوى السياسية أثناء مرحلة الانتقال، ولكن أن يدغدغ عواطف قادتها بأنه في الموقف الصحيح لحماية الإسلام، وينبغي عونه يتطابق تماما مع خطاب الفلول الإسلامويين. بل إن معظم خطاب العيد هو في الأصل دعوة للاصطفاف الديني ولكن من ضد من، ومن مع من؟

إن الملاحظ في خطاب المهدي، وسعيه السياسي، أنهما يصدران عن انفراد دون قاعدة حزب الأمة، وقد استبان هذا في عدم مشورة الولاة الستة في الانسحاب، وجاء الرفض ليؤكد أصالة موقفهم من دعم الثورة، وهي تسعى لإكمال هياكلها. والحقيقة أن مواقف قاعدة الحزب ومعظم قادته مشهودة بالنضال ضد النظام السابق، وكذلك ظل دعمها للثورة في كل مدن وقرى البلاد معلوما للقاصي والداني، ولذلك استجابت قاعدة الحزب في الولايات لقرار قبول أبنائها المسؤولية بينما خسر المهدي قادة الحزب، وقواعده هناك، في محاولته إفشال مهام الثورة رغم أن حزب الأمة أخذ نصيب الأسد في التعيين الولائي.

إن محاولة المهدي لتحقيق الاصطفاف العقائدي عبر خطاب العيد تصب ضمنياً في مجرى أهداف الفلول بلا أي شك، ولذلك فإنه بهذا يعزل الحزب عن النضال الملحمي للتخلص من تركة الدولة الدينية للحركة الإسلامية من أجل خلق دولة المواطنة التي تفصل الدين عن الدولة بذات المعاني التي وقع عليها الصادق المهدي في أسمرا، أصالة عن نفسه، وليس إملاءً من مادلين أولبرايت.

صلاح شعيب
[email protected]

الوسوم

‫13 تعليقات

  1. الخطاب هذا فاقد الدسم والشباب اليوم أكثر وعي من الاجيال او الاحزاب الكرتونيه التي لم تنفع من اداة كسر حكومة البشير ولا حتى التفكير بانقلاب ضدة واليوم الشباب فكر كيف يفك بيت العنكبوت المؤتمر الوطني الشؤوم ولكن يا الصادق المهدي الخطاب قديم ولا يثمن من جوع ولا بحل ديمقراطية الاحزاب التشكيل الواسطه اليوم النيل يجري افضل تشربوا منه وقبل الشباب الثوري يقول إليكم اذهبوا الي البحر

  2. شكرا استاذ صلاح شعيب وليت السيد الصادق المهدى يضطلع على هذا ( البحث ) القيم ويقرأه جيدا وبانفراد بينه وبين نفسه ويأخذ كل الملاحظات التى ابداها كثير من الاساتذه والمعلقين ( إن كانت ناقده او ناصحه !! ) حتى بعض الانفعالات على مواقف المهدى منذ الانقلاب 89 وحتى السقوط المدوى ثم ليته يتخلى عن هذه النرجسيه التى انقضى زمانها وراح مكانها .. !!
    للحق لانريد أن نقدم للسيد الصادق نصحا فنحن أقل من ذلك ولكن نأمل أن ينتبه ويعمل على لملمة أطرافه حتى لايذكره التاريخ أنه من وأد ذلك الحزب العريق بل أنه من قام بهدم هرما من إهرامات السياسة السودانيه اسمه السيد محمد المهدى ومن أتى من بعده من ذريته العظام ودورهم فى التاريخ السودانى ونضالاتهم المشهوده قبل أن يتجه الى ( الدائرة ) زعيما دينيا او حتى ( مرشدا ..!! ) على السيد الصادق أن ينظر الى حزبه نظرة واقع مطلة على القواعد التى تغيرت نظرتها تجاه القادة بملايين الاميال الضوئية وأن يستعيذ بالله من طنين ( لن نصادق إلا الصادق ) ويسلم الحزب نظيفا كما استلمه وتجربة الولاة فيها عظا كثيرا وأن عياله نفسه قد كبرت فمالك بالآخرين بالتبنى سيد الصادق ..!!

  3. من هو صلاح شعيب
    المشكلة في السودان ان كل من يفسو بقلمه يطلق عليه صحفي
    مدعي الثقافة المستلب المتواضع المقدرات الذي يقتات علي دافعي الضرائب في السكن المدعوم لان امكاناته المتواضعة لم توفر له الفرصة ليعمل فيما يظن انه يجيده في الكتابة ركلته في وظيفة يبيع فيها جهده فقط

    فليخسأ هذا الشعيب وامثاله ممن يقرأون باذانهم ويبثون سمومهم

    1. قعدت تشتم يا فريد في الفاضي، وما رديت..!

      أبو كلام هو الشغال يعني؟! اتحداك وريني ليو وللا أي واحد من عائلته الكارثية اشتغل شغل شريف سوى الانبطاح للأنظمة والعمالة للخارج؟! بتعرف شعيب من وين عشان تقول ما شغال؟!

      دة شنو الانحطاط الانت فيو دة؟!

    2. يافريد اذا كان دفاعكم عن هذا الدجال بهذا الفساء فسيذهب الى مزبلة التاريخ مع اخوانه الكيزان غير ماسوف عليه

  4. إن أكثر ما يفتقر إليه هذا الضلالي، هو المقدرة علي إستشراف المواقف السياسية الصحيحة، ولذلك تجده دوماً في ميوعة وسيولة، جلبت الوبال، ليس فقط علي البلاد، وإنما عليه هو شخصياً، وجعلته عرضة للملطشة، بدأًً بملطشة النميري، فالترابي، فالكيزان، ثم حميدتي، والتي يحاول يائساً إلي تحويلها إلي بطولات، مدَّعياً أنه المناضل أول رُكن، في السودان !!!!!!

    الثابت أيضاً، أنه يسعي دوماً إلي الإستفادة القصوي من إمتلاكه لأربعة قوائم، فتجده : كراع مع الكيزان والبورجوازية الطفيلية المرتبطة بهم، كراع مع العسكر، كراع مع دراويش حزبه الخاص، وكراع في القبر !!!!!!!!!!!
    وما كل ذلك التخبط، إلا لعدم ثقته في نفسه، ولجُبنه، وحرصه القمئ علي أن يكون له موطئ قدم، في جميع الأحوال !!!!!!!!!!!!!!!!!!

    إنه ديناصور خالي الوفاض، بكل ما يحمل المصطلح من معاني، وأنه يعلم يقيناً، أن رصيده من الإنجازات الوطنيه، ماهو إلا صفراً مطلقاً، وعليه فليس أمامه من وسيلة للتشبث، سوي بالإمعان في ضلال مورثيه، بل وزيادته حبتين بالفرعنة الفارغة، والنفاق البائن، والسعي الدؤوب لنسف الفترة الإنتقالية، بل وإجهاض الثورة الشامخة، لقطع الطريق علي إرساء أي ديموقراطية، لكونها تُمثل خطراً داهماً علي مكتسباتهم الإقطاعية الفاسدة، وعلي طائفيتهم الرجعية، وعلي ضلالهم الساذج، وعلي بورجوازيتهم الطفيلية !!!!!!!!!!!!!!!!!!!!

    ثم ألم يكن تحرير مُدَّعِي المهدية، فقط من 1885 وحتي 1898، حيث تسبب في إزهاق الألاف من الأرواح المسلمة البريئة وهو في طريقه من الجزيرة أبا إلي الخرطوم، فقط لأنهم لم يُؤمنوا بدَجَله، ثم كانت الطامة الكبري في كرري عندما رجع كتشنر، وقتله 11 ألف من أتباعه وجرح 16 ألف، ثم هرب الخليفة التعايشي وتم العثور عليه وقتله في 1899/11 !!!!!!

    وإمعاناً في إذلال محمد أحمد، وإنتقاماً لذبح غوردون، قام كتشنر وجيشه بنبش قبر “المهدي”، وقام بإقتلاع أظافر أصابع يديه !!!!!!!!!!!!!!!

    هل كان ذلك تحريراً للوطن ؟؟؟؟؟؟؟

    #تنقرض_بس.
    #الثورة_محروسة.

  5. السيد الصادق المهدي له ارث في مقاومة الدكتاتوريات ليته يستثمره في اشاعة الديمقراطية داخل الحرب فحزب البيت الواحد هو كحزب الرجل الواحد وقد يكون هذا التغيير سببا في كسب جماهيري للحزب وما عدا ذلك فسوف يصرف من هذا الرصيد حتى ينفد

  6. الصادق المهدي يسعى لتكوين حلف يميني يضم إضافة إلى حزب الأمة المؤتمر السوداني و أفراد من المنظومة الأمنية وبعض الفلول وبدعم من المحور العربي. الموضوع واضح وما يحتاج عبارات منمقة. سيسعي إلى إنهاء الفترة الإنتقالية قبل موعدها واذا لم يستطع سيدخل الانتخابات بهذا الحلف.

  7. هذا الشخص تمت تسميته مؤخرا بامام البوخه والخرمجه فيرجي الا يذكر الا بهذا الاسم!!!
    تراس ثلاثه وزارات سابقه وفشل فيها جميعا.. كل مره يقوم بتسليم حكومته للعسكر ويهرب ويختفي.. ثم بعد فتره تجده كالكلب يلهث وان ترك يلهث… وهو الان يمارس نفس اللهث الذي كان يقوم به تجاه حكومة سرالختم الخليفه عام 1964/1965.. حتى اسقطها..
    يريد تكرارها لاسقاط حكومة حمدوك ليتسلق على الكرسي للمره الرابعه!!
    ترأس حكومه بعد عبود ثم حكومتين بعد النميري، واحده مع الاتحاديين والثانيه مع الجبهه الاسلاميه وكلها كانت فاشله..
    بالتأكيد شباب ديسمبر 2019 الوصفت ثورتهم ببوخة مرقه ما ح يخلوك تنط فيها للمره الرابعه مهما فعلت فاخسا ياثقيل !!!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق