
شهدت الأشهر القليلة الماضية نقلة نوعية في طبيعة وجغرافية الصراع القبلي ببلادنا عبر انتقاله إلى شرقنا الحبيب وفقاً لمسببات لا ترتبط بالأرض (الحواكير) ولا المراحيل (مسارات الرعاة) في تقاطعاتها مع الكيانات الزراعية المستقرة ، ولأول مرة يسقط العديد من القتلي جراء الاحتراب القبلي بهذا الجزء من البلاد الذي شهد على مدار العقود الماضية هدوءاً نسبياً مقارنة بغربنا وجنوبنا الحبيبين. اشتعلت شرارة البداية في مايو الماضي كما ورد نتيجة مشاجرة عادية بين شخصين أمام مخبز في كسلا استنجد كل منهما بمكونه القبلي ليتفجر الصراع الدامي الذي لا يزال مستمراً وسقط جرائه عشرات القتلى والجرحى من الجانبين. الطرفان النوبة والبني عامر جرت بينهما مواجهات في أوقات سابقة في القضارف وبورتسودان إلا أنه جرى احتوائها أمنياً دون البحث في حلول جذرية لها وبالتالي جاءت واقعة كسلا في مايو الماضي أشد استعاراً لتتمدد بعدها الصراعات القبلية إلى بورتسودان بشكل أكثر ضراوة ليتجدد الصراع مرة أخرى ببورتسودان في التاسع من أغسطس الحالي. وكأنما دخل أغسطس ليشعل نيران المواجهات القبلية في شرقنا الحبيب ولكن هذه المرة عبر مكونين جديدين في مواجهة بين النوبيين (الحلفاويون) والزغاوة وكان مسرح الأحداث هذه المرة القرية 10 بحلفا الجديدة لتسيل أيضاً الدماء الزكية إرضاءاً للعصبيات القبلية.
تاريخياً كنا ننسب الصراعات القبلية للخلافات حول الحواكير والمراحيل وكان مسرحها في الغالب غربنا الحبيب بدارفور وجنوب كردفان ، إلا أنها أيضاً وفي أحداث كادقلي الأخيرة خلال يوليو المنصرم لم تكن بسبب الأرض بل نتيجة الاحتقانات العرقية لتأخذ طابع صراع العرب/الزرقة. كانت مجالس الإدارة الأهلية هي مسارح معالجة الخلافات التاريخية بين القبائل من خلال الترضيات والتعويضات والديات ولكن نفس الصراعات كانت تختفي لتعود مرة أخرى حيث أن اسبابها لم يتم علاجها من خلال إجراءات إدارية حازمة تبين للأطراف المختلفة ما لهم من حقوق وما عليهم من واجبات.
تتفجر عشرات الأسئلة التي تبحث عن إجابات بعد أن انتقلت المواجهات إلى الشرق من واقع دخول عوامل جديدة ضمن أجندة الصراع. هل ينسب تفجر هذه الصراعات لمكونات محلية أم أجندة خارجية؟ من المفهوم أن عناصر المؤتمر الوطني ترتبط مصالحهم بزعزعة الوضع الاجتماعي والسياسي وتصعيب الحياة على الناس أملاً في العودة لسدة الحكم مرة أخرى ، كما أنه من المفهوم أن الشرق شهد تغيرات ديموغرافية واجتماعية خلال الثلاثين عاماً الماضية من عمر الانقاذ وهذه بالضرورة قادت إلى تضارب المصالح بين المكونات المختلفة لمجتمع الشرق. ودون شك هنالك اصحاب مصالح غير مشروعة يتواجدون بكثافة في تلك البقعة من بلادنا بينهم مهربي السلع الاستهلاكية وتجار البشر وغيرهم ممن يملكون الثروة وفقدوا السلطة ومن الذين تضررت مصالحهم ز هذا من جانب ، ومن جانب آخر نجد أن المنطقة اكتسبت بعدا استراتيجياً بعد تشييد سد النهضة بحكم جوارها لأثيوبيا مما يوحي بأن من يرغب في زعزعة الاستقرار الحدودي للجارة أثيوبيا قد يجد ضالته في تزكية الصراعات القبلية وزعزعة استقرار المنطقة لتبقى بؤرة توتر تلقي بظلالها السالبة على من حولها، وحتى أثيوبيا نفسها قد تستفيد من هذا الوضع الذي سيؤجل مطالبتها بالجلاء عن الأراضي السودانية المحتلة ، أما بالنسبة للجارة الثانية والتي ظلت تشكو من تسلل الحركات المسلحة الاسلامية التي كانت تدعمها الانقاذ عبر الحدود فهي فرصة سانحة لضرب الملاجئ الآمنة لهذه الحركات ، كما لاننسى الاطماع الإقليمية في الموانئ السودانية سواء سواكن أو بورتسودان وما يرتبط بها من أمن البحر الأحمر. هل يمكن الربط بين هذه الأحداث و زيارة مدير المخابرات المصري أو الوفد العسكري الأثيوبي أو زيارة الرئيس الإريتري أو حتى زيارة حمدوك إلى جيبوتي والتي لا يعلم الشعب حتى الآن عن مردوداتها شيئ. بعض الأجهزة الأمنية أيضاً يبدو أنها تستثمر بذكاء في هذه الأحداث فتظهر كالمنقذ الذي يسبح بحمده الجميع في ظل تقاعس الأجهزة المعنية التي من المفترض أن تتولى فرض الأمن المجتمعي.
تبدو الصورة قاتمة في ظل عدم وجود رؤية حكومية واضحة للتعامل مع هذه الأحداث وبطء واضح في التعامل معها مما يقودنا إلى سؤال جوهري عن إمكانية بناء نظام مدني وديمقراطية مستدامة في ظل هذا التناحر القبلي وتفشي النعرات الإثنية ، هذه العملية تبدو غاية في الصعوبة إن لم ننجح في إدارة تنوعنا الثقافي والعرقي بالشكل الذي يحفظ لنا استقرار البلاد. لا بد من حوار مجتمعي لا تقوده النخبة السياسية بل تقوده الجماهير ومنظمات المجتمع المدني يسبق المؤتمر الدستوري ليتم تضمين مخرجاته بالدستور. أكرر ضرورة ابتعاد النخب السياسية عن الحوار المجتمعي فهي تأتي بكل حمولتها التاريخية السالبة وأن يمثل أصحاب المصلحة الحقيقيين تمثيلاً عادلاً مع وجود رقابة من الهيئات الدولية ذات الصلة على أن توكل لهذا الحوار مهمة مخاطبة جذور هذه الأزمات المتكررة ووضع الأسس التي من المفترض بناء النظام المدني عليها فنحن أمام تحدي أن نكون أو لانكون كدولة بحدودها الجغرافية الحالية ، فهل نمتلك القدرة على التعامل مع هذا التحدي الوجودي؟
أسامة الكاشف
[email protected]




يلحقوا ليه شنو ومن شنو اي واحد كان من البني عامر ولا من النوبة جاهل ومتخلف وقبلي وعنصري وما راضي بالاخرين وحامل سلاح وعايز يقتلهم عشان بكرههم خلي يموت وان شاء الله مايفضل فيهم واحد، واي واحد يشترك في معارك زي دي الموت اولى به.
ألف شكر يا كاشف للمقال الرائع لقد طرقت موضوعا في غاية الأهمية والخطورة ولا سبيل غير الحوار المباشر بين أصحاب الوجعةكما قلت ولا مجال غير مزيد من الديمقراطية بفهمها الإجتماعي العميق الذي يخاطب قضايا التنوع الثقافي والعرقي وتعميق ثقافة المواطنة والتعايش السلمي. وطبعا أيا كانت الجهات التي تسعي لتأجيج الصراعات القبلية والعرقية في بلادنا عموما وشرقنا علي وجه الخصوص وأيا كانت أهدافها فهي تصب في خانة دعم قوي الثورة المضادة ولا يخلو الأمر بأي حال من الأحوال من نظرية المؤآمرة