دعوة لإعادة توجيه البوصلة الإعلامية السودانية

الطاهر نرجا الله
لقد آن الأوان أن يعيد الإعلام السوداني النظر في وجهته، ومضمونه، وخطابه، وأن يطرح على نفسه سؤالاً مصيرياً: لمن نتحدث؟ ومن نخاطب؟ وهل ظل خطابنا الإعلامي يعبّر عن قضايانا حقاً، أم صار مرآةً مشوشة تعكس مواقف لا تُشبهنا ولا تنتمي إلينا؟
منذ الاستقلال، ظللنا نلهث خلف وهم “الانتماء العربي” بكل تكلفه، نغلف خطابنا السياسي والإعلامي بألفاظ مستعارة، ونبحث عن اعتراف في عيونٍ لم ترَ فينا يومًا أكثر من هامش يمكن تجاهله.
وفي كل مرة سقطنا فيها أو واجهنا محنة، لم نجد من “الأشقاء” العرب سوى التجاهل في أفضل الأحوال، والتآمر في أسوأها.
انظروا إلى موقف الدول العربية من الحرب الحالية في السودان.
أين التضامن؟
أين الغضب الإنساني؟
بل أين الحياد؟
ما نجده هو دعم مباشر وغير مباشر لمليشيات تمزق البلاد، وأموال تُضخ لتغذية الصراع لا لإطفائه.
الإمارات مثال صارخ على هذا النفاق السياسي: علّمناهم، واحتضناهم في جامعاتنا، وفتحنا لهم عقولنا ومواردنا، ثم كانت النتيجة أن تحوّلوا إلى رعاة لمشروع تدميري عابر للحدود، يستهدف السودان كدولة وشعب وهوية.
في المقابل، تُبدي الدول الإفريقية رغم ضعف مواردها تفهماً أكبر لقضايانا، وتواصلاً أكثر إنسانية معنا، فقط لأننا وإياهم نتقاسم ذات الجراح والآمال والتجارب. نحن أفارقة، شئنا أم أبينا، وهذه ليست دعوة للانغلاق، بل لتحرير الذات من التبعية الموروثة والهوية المضللة.
وعليه، فإنني أرى أن الإعلام السوداني، بشقّيه الرسمي والمستقل، مدعوٌ اليوم لإعادة تعريف رسالته وأولوياته، وأن يتجه بخطابه نحو العمق الإفريقي:
• نُعزز تواصلنا مع الإعلام الإفريقي.
• نُنتج محتوى يخاطب القارة بلغاتها، وعلى رأسها الإنجليزية.
• نُسلط الضوء على قضايانا من منظور إفريقي مشترك: السلام، التحرر، التنمية، العدالة.
• نُبني شراكات إعلامية حقيقية بعيداً عن الوصاية والمجاملات.
هذا ليس ترفاً، بل ضرورة استراتيجية لبناء حلفاء حقيقيين في معركة البقاء التي نخوضها.
كفانا خذلانًا من “الأشقاء”. آن لنا أن نرجع إلى ذواتنا، وأن نختار بوعي من نخاطب، وكيف نخاطبه، ولماذا.
ولنبدأ من هنا: من إعلام يُشبهنا، وينحاز لنا، ويضع أولوياته حيث تكمن مصالحنا لا أوهامنا.




من الطبيعي أن نُعيد الكُرة إلى أصلها، فالأصل هو الجذر الذي تُبنى عليه الأوطان، وتُرسم به ملامح الهويّة. غير أن هذا الرجوع لا يتمّ إلا بوعيٍ عميق بالمشكلة الحقيقية التي تغلغلت في جسد الأمة السودانية عبر أزمان متراكبة، فكانت الثمار المُرّة: وطنٌ بلا ملامح، وهويةٌ مشوشة، ومعتقدٌ يركن إلى المحلية الضيقة أكثر مما ينتمي إلى القومية الجامعة.
الرجوع إلى منصة التأسيس أمرٌ ضروري، غير أنه يُعدّ خطرًا داهمًا على المجموعات التي تسعى، بمكرٍ ودهاء، إلى تشكيل هويتنا على مقاس مصالحها، لتُحكم السيطرة على حاضرنا ومستقبلنا. وهذه الحرب العبثية التي نشهدها اليوم، ليست إلا محاولة لإعادتنا إلى “بيت الطاعة”، حيث لا رأي لنا، ولا انتماء.
“إن لم تكن لك هوية، فلا وطن لك”—هذه المقولة تختصر جوهر القضية. فالوطن ليس فقط أرضًا تُسكن، بل هو مرآة للهوية، وعنوان للانتماء. محو الانتماء سهّل للأنظمة العالمية أن تتسيد المشهد، وأن تفرض رؤاها علينا، حتى بتنا كما نشاهد اليوم: شعبًا يبحث عن ذاته في مرايا الآخرين.
علينا أن نعود إلى ذواتنا، أن نستعيد ذاكرتنا الجمعية، لا لنُعيد اجترار الجراح، بل لنرفض كل محاولة لطمس وجودنا أو تغييب موقعنا من الإعراب الإنساني. وإن كنا – أو لم نكن – فليكن وجودنا ماثلًا لا يتأثر، بل يؤثر.
الرجوع إلى أفريقيتنا هو الوعي الحقيقي. إنه البوصلة التي تعيد توجيهنا إلى حيث يجب أن نكون: أمةً ذات جذور، لها صوتٌ ووجهٌ وقيمة.