مقالات وآراء

الصَلَفْ

هشام عبيد جودة

طوال فترة سيطرة الإمبراطورية البريطانية على العالم، لازَمت الإنجليز صفة نَتَجَت بالطبع عن وعيهم بحقيقة سيادتهم المطلقة على ربع مساحة الكرة الأرضية وربع سكانها على وجه التقريب. فعندما تذكُر غردون أو وِنجت باشا في السودان أو ونستون تشرشل في كل من الهند وجنوب أفريقيا والسودان أو في غير ذلك؛ تقفز الكلمة ومعناها إلى تفكيرك دونما إستئذان!.

ومع ضرورة وأهمية ذكر حقيقة أن فترة الإستعمار قد إنتهت رسميا، قبل 20 سنة وبضع أشهر فقط، لا غير، وذلك بعودة المستعمرة البرتغالية ماكاو إلى الصين في 20 ديسمبر 1999، بعد سنتين تقريبا من إنعتاق هونغ كونغ من (سَطْوَة) الإستعمار البريطاني، وعلى النقيض من حقيقة أن بريطانيا قد إستنزفت من موارد الهند وحدها، ما يعادل قرابة التسعة تريليون (9,000,000,000,000,000,000) جنيه إسترليني، وأنها، أي بريطانيا، وغيرها من الدول التي إستعمرت العالم، ما زالت -بطريقة أو بأخرى- تستعمر دُوَلاً، وتستنزف خيرات مواردها وعرَق شعوبها؛ فإن الشخص البريطاني العادي، وبدلا من أن يستشعر الخزي والعار جرّاء تاريخه القبيح هذا، نجد إنه، وبدلا عن ذلك، لا يستحضَر هذا التاريخ وحسْب، وإنما يفتخر به بِصَلَفٍ وسَمَ الطبع الإنجليزي طوال تاريخ الإستعمار، ويسِم حاضرهم الراهن، كبديل يهربون عبره من الإعتراف بحقيقة نهبهم للعالم أجمع، وبديل، بالتالي، عن الإعتذار عن جريمتهم البشعة هذه، منعا لإمكانية محاكمتهم عليها، قانونيا، على الأقل، فالمحاكمة الأخلاقية لن تحصل، وبكل تأكيد، في عالم حقبة الفيتو هذا!.

|إذا ما سعَيتَ ونقّبتَ في القواميس بحثا عن الكلمة، فغالب الأمر أنك لن تجد ما يشفي غليل معناها، وذلك لإنك إن وجدتَهُ، شكّكتَ في دِقّته؛ ناهيك عن الشعور بجوهر المعنى، فهو أمرٌ عصِيٌّ بحقّ! ستجد في القواميس أنَّ صَلِف (على وزن فَعِلْ) تعني وقِحْ، ستَجِد أنهُ إنْ صَلِفَ الشخص، فإنه قد إدّعى فوق قدرهُ عجَبَاً وتكبُّرا، وفي ظني المتواضع، ولخدمة غرض هذا المقال، فأزعم أنك سوف تشعُر أن هذا يجافي جوهر المعنى، وستجد إن مضيت قُدُما، ما يُفيد أنه إن صَلِف الشخص كذلك فقد ثقُلت روحه، فأُبغِضَ عند العامة ولم يحظ بالرضا عند عوام الناس، لتشعُر أيضا كذلك، أن هذا يشير إلى غير مكنون الكلمة، وإن قارَبَ جوهر معناها. هذا عن صيغة الفِعْل، أما صَلَف، الصفة، بفتح كل من الصاد واللام؛ فستجد أنها تشير إلى التكبُّر والعَجْرَفَة، بينما سوف تجد كذلك أن خُلاصة معنى مصدر الفعل، أنّ الشرف آفته الصَّلَفْ! تماما كما يُفسَّر الماء بعد جُهدٍ بالماء! لتفضِّل أن تُفسَّر الكلمة بـ (وَقِح) كأقرب معنىً لا يتطلب إعمال الفكر أو البحث عما هو أعمقُ من ذلك!.

قد تجد مثل هذا أو ما دار في فلك معانيه، لتبدأ في محاولة قياس الصلَف على أشخاص وإيجاد نماذجه سواء في الذاكرة الحية أو التاريخ الإنساني.. لتجد أن أنصع تصويرٍ حي له يتمثّل في الرئيس الأمريكي الحالي ذلك الإنسان المُتعنْجِه المُتعجْرِف، الذي يظن أنه أفضل سكان الكرة الأرضية على مر تاريخها؛ وعندما ترى رئيس كوريا الشمالية، فلا بد أن تفكر في إضافة صفة ما إلى الصَلَف؛ ومع ما تعرف عن كونه دكتاتورٌ يندُر أن يمر على التاريخ، ستجد أنه يتوجّب إضافة صِفتٓيْ الجلافة والإستبداد لصلَفه هذا!

وما أن تبدأ في التعرُّف على معنى الصلَف وتستشعره في الأمريكي والكوري الشمالي، ستجد أنه يمكنك أن تحسه في كلٍ من شخصية رئيسة وزراء النرويج، أو الطريقة التي تتحدث بها إليزابيث الثانية ملكة بريطانيا، ذلك مباشرةً قبل أن يقفز إلى دماغك كل من أمثال حسني مبارك، شمعون بيريز، بنيامين نتنياهو، هتلر، موسوليني ولا إنتهاءا بجورج بوش الأب والإبن معا!.
هذا على مستوى العالم المتاخم لذاكرتنا وتاريخنا. أما عندنا في السودان، فلا بد أن يستدعي التفكير في الصلَف إلى ذاكرتك، بضرورة الحال كل من الترابي والبشير، نافع، علي عثمان، علي الحاج، غازي العتباني، والبقية من اللئام الذِمام!؛ بالإضافة إلى المتمهدي بالطبع، والذي تتطابق نظرته لنفسه تماما مع نظرة هذا الترامب أعلاه، مع إضافة بُعدٍ من القدسية، والأوكسفوردية، ومع فارق أن الثروة عنده هي نتاج تجارة الرقيق وأتاوات البسطاء وعٓرقهم، بإختلاف طفيف عن مصدر ثروة الآخر!.

خلافا للتعاريف السابقة، غير الدقيقة بالضرورة، فأزعم أن الصلَف كصِفة، يرتبط لدى الشخصية المُصابة به إرتباطا وثيقا بمنصبٍ ما، أو ثروة، أو كلاهما معا، وترتبط الثروة إرتباطا وثيقا، في غالب الأمر، بهذا المنصب، ما يعنى إنقطاعها حال فراق هذا المنصب!. وأدَّعي أن هذا الصلَف زائفٌ بالضرورة، وأنه ليس من صفات الشخصية السويّة السليمة، وبالضرورة كذلك فإن ثلاث مسببات رئيسية قد تكون سببا في هذا الصلٓف: فإما أن يكون صاحبه يعاني من نقص ما في شخصيته يستعيض عنه بالعنجهية والإستعلاء الزائدين؛ أو أن يكون أغبَى من أن يستشعِر أن صلَفه هذا يقلّ من قدره عند الناس وليس العكس؛ أو أن يكون مقهورا ومُستَلَباً وبالتالي فهو متماهٍ في نموذج الشخصية القاهرة له، والتي يكون الصلَف بضرورة الحال ضمن أهم سماتها!.

في فترة ما بعد التغيير، حرِصَ عديد من رموزنا على تجنب النزعة إلى توضيح صلفهم، ما عدا شخصيتين في الشق العسكري من المجلس السيادي، أحدهما تم إعفاؤه، فأراح وإستراح، وثانيهما ما زال يصر أن يكون (لايوقاً) ولزجاً وثقيلاً!.
ما دفعني إلى كتابة هذا، أن بعض ما في الصلَف -الصفة-، والذي أحسه في عيون وطريقة حديث بعض أولي الأمر علينا، لا يوجد ما يُقارب معناهُ في كل قواميس اللغة!.. فمن هذا الصلَف مثلا أن يدرك الشخص “الصلِف” ويفهم (ويفوت فهمو بي غادي) أنْ لا أحد يريدُه، فيصرّ على فرض نفسه أكثر فأكثر!..

أي أن الصلِف -بكسر اللام- هو الذي يظن أن الشعب سيحبه أكثر كلما أكثر من ظهوره مثنى وثلاث رباع في نشرات أخبار اليوم الواحد على مُختلف المنافذ الإعلامية،، خاصة إذا ما حاول بعض أفراد الشعب أن يوضحوا له، مدى ثِقله عليهم، في أي مكان، كالحَتّانة على سبيل المثال، أو أن يؤكدوا له ألّن يرضوا عنه أبدا، في أي مكان آخر، كالشيخ الياقوت أو كادوقلي، أو مدني، في تاريخ لن يُنسَى، على سبيل المثال كذلك؛ فإذا كان الصفيق، هو الذي يصرّ أن يحكم الناس رغم أنوفهم؛ خاصةّ إن كان جنرالا يعلم أن الشعب قد أزاح لتوّه جنرالا آخرا قبله جَثَم على صدورنا لثلاث عقودٍ مريرة؛ فالشخص الصَلِف هو الذي يصر أن يتزيّأ جلباب فرعون؛ يتبختر، واثقا في عمى البسطاء مِنّا عن عورةٍ فيه، ظنا منه أنْ لن تفضحها صفاقته في إستصغار “ما حدث”، ولا تماديه في الضغط على حروف “ما حدث”، عند تكراره لها، إمعاناً منهُ في إيضاح صَلَفه!.

الصلَف، هو أن يمنُّ أي جيش على مواطني شعبه أنه قد إنحاز لهم!.. الجيش الذي هو أصلا منهم ولهم، أصل مهمته حمايتهم، وماله ومنصرفاته ومرتباته وزيّه العسكري ونياشينه، وعلاواته، وبدلاته، وغير ذلك مما نعلم ويعلمون، من حر مال هذا الشعب!.

أما قمة الصلَف فهو أن يُصدِر هذا الجيش، بياناً [طوله لسانٌ ممدودٌ لشهداء ثورة ديسمبر 2018 الخلَّدها التاريخ، وعرضُه مصيبتنا في هذا الصّلِف الصفيق وأمثاله] يمُنّ فيه علينا، نحن مخدِّميه، ودافعي رواتبه، إنحيازه لنا، ولِيَصِف ثورتنا بـ (الموقف السياسي)؛ تماما كما سبق ووصفها متحدث الأسرة السعودية الحاكمة في مؤتمر برلين، بـ (المنعطف التاريخي)!.
الصلَف هو أن يستمر أعضاء مجلس السيادة عندنا، وخاصة أفراد المكون العسكري فيه، في الإعتقاد الراسخ بأن الأصل في سلطتهم هو طاعتنا وإمتثالنا نحن الشعب لهم، وخضوعنا مرغمين لكل ما يُملَى علينا، مع ضرورة فَرَحنا نحن أفراد هذا الشعب واهمية إبتسامنا، عند رؤية أيٍّ من أعضاء مجلس السيادة؛ أو علّ أعضاء هذا المجلس، ولعِلّةٍ ما، فيهم، يظنون أن البسطاء منا يفرحون ويسعدون فعلا برؤياهم، ليتفضلوا علينا بظهورهم السمج المتكرر هذا!.

هشاختام القول أنّ أملنا يظل ويبقى في لجان المقاومة، رفاق شهداء الثورة، وصُنّاعها ورفاق صُنَّاعها، ونبض الشعب الحي؛ وأن ثُلّةً جنرالات اللجنة الأمنية هؤلاء شئ، والجيش السوداني الذي نعرفُ شئ آخر!؛ وأن قطار الحرية الذي رَوَتهُ دماءُ رفاقنا بما وَصَفَه هذا وأمثاله بـ “ما حدث”، لن توقفه حصاةٌ واحدةٌ مثله، أو بعضٌ، من نياشين غيره! ولن يهتم هذا القطار بهذا الصلَف في شئ سوى تبيان مصدر الغَثّ هذا!.

هشام عبيد جودة
[email protected]

‫3 تعليقات

  1. بارك الله فيك يا هشام
    تحليل دقيق لحالنا وعشمنا بعون الله في ثوارنا

    الثورة الثورة حتى لتحيق غايتها

  2. اذا اردنا ترتيبهم فهو كاتالي 1. نافع 2.امين حسن عمر 3. الفاتح عز الدين 4. البشير .5.الترابي 6. كباشي. عموما كلهم صلف ولكن نافع اصلفهم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..