مقالات وآراء

كسلا من جنة الإشراق إلى حفرة الإظلام

كانت فاتنة الدنيا ،وحسناء الزمان، المدينة التي تضج جمالا واشتهاء وألقا ، وتفوح أريجا ومسكا وعبقا ، كانت ملاذ كل متعب ، وموئل كل موجوع ، ووَزَر كل محزون ، تربت عليهم ، وتمسح دموعهم ،وتخفف آلامهم ، وتبهجهم بقضاء أسعد الأوقات فيها .
كانت كما قيل فيها :
كسلا أشرقت بها شمس وجدي فهي في الحق جنة الإشراق
مدينة حفّها القاش، واحتواها الجبل، واحتضنتها السواقي ، فهي تحف من أتاها ، وتحتوي من جاءها ،وتحتضن من سكنها..
أما أهلها ، فقد خلدت في عقل السودانيين الجمعي مقولة : “ناس كسلا ناس طيبين” ، والطيبة هنا ليست من السذاجة، وإنما من حسن المعشر، وجمال التعامل ، وإكرام الضيف .
مدينة جمعت بين جوانحها كل قبائل السودان ، أتوها من كل الأنحاء ،وجاؤوها من شتى الأصقاع ، فانسجموا في نسيجها ، أقاموا بين لحمتها وسداها ، وباتوا بين دثارها و شعارها .
أتاها مَن أتاها مِن خارج السودان ، أتاها الهنود والإثيوبيون والإرتريون والصوماليون واليمنيون وغيرهم، عاشوا فيها، واتّجروا ،وتزاوجوا ،واختلطوا ،وأصبح لهم ما لأهلها ، وعليهم ما عليهم ، فاستوطنوا فيها ،وكانوا من ضمن مكونات النسيج الاجتماعي ، فما لفظتْهم، وما رفضتهم ؛ إذ كانت أمًّا رؤوما للجميع ، تهبهم محبة ،وتهديهم احتراما ، وتملؤهم تعايشا .
ولدت ونشأت ودرستُ فيها جميع المراحل المدرسية ، فما كنت أعرف جاري في الفصل من أية قبيلة ، وما كنت أعرف جاري في الحي من أية عشيرة، كانت تجمعنا كسلا ، فهي قبيلتنا ، وهي عشيرتنا ، وهي وطننا ، ننصهر في بوتقتها ، فنتحد.

كانت مدينة المدائن ، لا يبدّلها أهلها ، ولا يرون أجمل منها ، ويفخرون بها ، وحين يُسأل أحدهم من أين أنت ؟ يقول – ويكاد يطأ الثريا من تيهه وفخره وزهوه – من كسلا.
ما رأيت على طول غربتي، ومخالطتي أناسا من مناطق أخرى من جميع أنحاء البلاد ، ما رأيت أحدا يحب مدينته كما يحب أهل كسلا كسلا .
قد كنتِ يا كسلا
تبزّين الشموس وضوءها لمَعًا
وتستبقين ماء البحر؛ إذ جفت مياهْ
يا قولا نبيلا في محياه
يا معنىً جميلا في حناياه
يا عشق أيامي
ويا زهو أحلامي.

ولكن : “وتلك الأيام نداولها بين الناس”
ولكن :
هي الأمور كما شاهدتها دول من سره زمن ساءته أزمان
فقد تبدلت الأحوال وتغيرت الأوضاع ، وما عاد أهلها يحبونها كما كانوا ، بل عقّها أبناؤها ، وفجَروا في عقوقهم ، وأصبحوا يتنادون بدعوى الجاهلية ؛ إذ تفشت بينهم النعرات القبلية ، واستفحلت فيهم الخلافات العنصرية ، وأصبح أبناؤها لا يوحّدهم ما كان يوحدهم ، ولا يميزهم ما كان يميزهم ، بل أفسد بعضهم ماءها ،ولوثوا هواءها ،وشوهوا سيرتها، وعوّقوا مسيرتها .
ضاقت المدينة ببعض أهلها ، بل ضاق أهلها بها :
لعمرك ما ضاقت بلاد بأهلها ولكن أخلاق الرجال تضيق
فهجروها إلى غيرها من لداتها ، اللاتي ما كنّ يحلمن في يوم أن يضممن بين جنباتهن شخصا خرج مغاضبا من تلك الوريفة ، ولكن لأنها لم تعد كما كانت ، لم تعد “شاربة من الطيبة ديمة”.
عانت كسلا من إهمال متعمد ممن تولوا أمرها ، لم تنشأ فيها مشاريع إستراتيجية ، ولم تقم فيها برامج تطويرية ، فبقيت متقاعسة بتقاعس حكامها ، وزاد من ذلك تخاذل أبنائها .
يتحدثون عنها ،وتسمع من كلماتهم – التي لا تجاوز حناجرهم – أنهم حريصون عليها، ،ولكن أفعالهم تفضحهم ،فهم يقولون ما لا يفعلون :
وكلٌّ يدعي وصلا بليلى وليلى لا تقر لهم بذلك
تحتاج كسلا إلى توحيد الكلمة ،ونبذ العصبية ،ومنع الفتن القبلية ،وتشكيل الرؤى ،ووضع خطط إستراتيجية للنهوض بالمدينة ،ومعالجة مشكلاتها المتجذرة التي تستفحل كل يوم.
تحتاج كسلا لرجل رشيد يحمل همها ، ويقُوم بشأنها ، ويقَوِّم اعوجاجها ،ويصلح حالها ، ويغير ثقافة أهلها ؛ حتى يكون الهم العام مقدما على الهم الشخصي .
تحتاج كسلا وقفة صادقة من أبنائها في الداخل والخارج ، تحتاج كسلا لدعم مالي ومعنوي وفكري ، وتتطلع كسلا لبروز الضمير الذي عاش مستترا كثيرا ، وكفاه استتارا.
فليعمل كل أبنائها – كلٌّ فيما مكّنه الله منه- لرفعة شأنها ، وليستغل شعراؤها وشخصياتها المؤثرة القاطنون في المركز علاقاتهم ،وصلاتهم لتنفيذ مشروعات التنمية في المدينة .
تحتاج كسلا جهودا مخلصة من أبنائها ،وزعماء قبائلها ،وكبارها، لسد الفجوة التي تتسع يوميا بين أهلها، ولرتق الفتق الذي يكبر باستمرار.
مدينة حباها الله من عناصر الجمال ما لم يتوافر لأية مدينة في البلاد وخارج البلاد ، ولكن بقي جهد أبنائها في استكمال مشوار النهوض بها ؛ لتعود سيرتها الأولى مدينة جاذبة ومصطافا ومرتبعا للجميع كما كانت، وكما عهدناها.
وليدرك أهلها أن المكان يتسع للجميع ، وأن كسلا قادرة على استيعاب كل أشكال التنوع التي تميز المدينة منذ القدم .
فهل تعود جنة الإشراق لتضيء جنباتها وما حولها ، أم تظل في حال الإظلام الذي يخيم عليها منذ فترة ليست بالقصيرة ؟
وأقول متفائلا:
لكن وريفتنا التي أبدا عشقناها
ستنفض عن مآسيها غبار الحزن من كبد اللقاء
وتحدّث التاريخ عن قوم بروح وجودها رفعوا اللواء
نهضوا وقاموا ،حين تقاعس الآتون من رحم الغباء

طارق يسن الطاهر
[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..