
في موسم الفيضان في قري الشمالية علي الرغم من الفرح المنساب في لين العيش وحصاد النخيل الوفير والذي تكثر فيه مناسبات الزواج وغيرها من الافراح التي يصاحبها الطرب واجتماع الاهل والاحباب من عدة بقاع، فجأة تسمع الصايح ينعي بصوت يشق ضجيج وصمت القري (الحي الله والدايم الله فلان ود فلا راح في حق الله)
ويستبعد الناس موت بعضهم من فرط الفجيعة والالم ،يقول احدهم باستغراب ياخي امس دا كان معاي ياهو دا دربو !
ويكاد لا يصدق!
والاكثر ألما ومضاضة حوادث الغرق اذكر غرق علي شيخ ،خرجت القرية عن بكرة ابيها واصطفت علي شاطيء النيل والرجال يغوصون في باطن النيل يبحثون عنه بلا جدوي يختلط عويل النساء بالرجال.
وغرق علي برو الذي كان يعمل في ورشة كريمة مع صديقه السر محجوب ، تاخروا عن موعد المعدية وهي مركب متوسطة الحجم تقل الناس شرقا وغربا وعادة عندما لا يدركونها عند الشاطي يضعون ملابسهم علي رؤوسهم ويسبحون الي الشاطي الاخر.
اثناء السباحة وعندما اقتربوا من الشاطي
تحدث السر مع علي وسأله لكنه لم يسمع منه وعندما التفت ناحيته لم يجده !
لو نظرت في وجه السر الي يوم الناس هذا ستشاهد وجه علي برو المفقود في تقاطيع وجه السر محجوب.
وغرق التيمان الحسن والحسين اولاد ام الحبيب نجح الحسين ودخل معنا المعهد الاوسط غرق مع الحسن في فترة الاجازة وعندما رجعنا من الاجازة وفي طريقنا الي المدرسة كنا صامتين طوال الطريق ومكان الحسين ظل شاغرا بيننا جيئة وذهابا !!
ولم استطع مقابلة والدتهم ام الحبيب !
والطفلة بنت السبع سنوات التي اصطحبتها نفيسة ابو جديري من شندي وهي بنت اختها كانت نفيسة تاتي كل عام لحصاد النخيل وزيارة الاهل ثم تعود كانت وحيدة ،
اما هذه المرة كان اهتمام الناس بها اكبر لوجود هذه الطفلة المغمسة في اللطف
والمودة سرعان ما اخذت مكانها في قلوب الجميع ينادونها البت الضيفة ذهبت مع نديداتها لجلب الماء من النهر كل منهن تحمل بستلة من صفيح يصنعها سعدي او امير في موسم النخيل ،غمست البستلة وعندما ارادت سحبها جرفها الموج والي الابد !
بكت القرية عشرات الرجال كانو ا يعترضون الخالة نفيسة ابوجديري من الوثوب الي داخل النهر وهي تصرخ وتتمرغ في التراب تقول ( اقول لي انها شنو ؟)
وعلي مدي السنين تنظر في وجه نفيسة تري معلما هاما غير موجود ولا تستطيع تحديده !
نعم العيون موجودة والانف والفم المزموم والشلوخ المايلة علي الخدود الجافة ،
وعلي الرغم من المقنع المحكم حول الراس والوجه الا ان الوجه جميعه مخطوف لمكان ما !
ومصطفي وعلي وغيرهم ..
اضافة لموت الحقول والاشجار والنخيل الباسق الذي استظل به الناس وتانسوا واكلوا وشربوا وضحكوا وغنوا تحت ظلاله !
يتهيج النهر ويبدأ الهدام فيجرف حقول الذرة التي اوشكت علي الحصاد يلتهمها والطير يرك اعلا القناديل والحلة الباسقة وحولها تستدير بناتها ويتدلي السبيط عليه التمر النضيد تشتد وتيرة الموج فينحر القيف ويتوغل اسفل الجزور فتخر النخلة الباسقة واسرتها ويطويها التيار الي الابد.
كثير من الوفيات التي تشبه لي موت هذه الاشياء ذات المعاني المتجزرة في نفوس الناس موت محمود محمد طه وكل شهداءنا من الفنانين الموسيقيين والتشكيليين والمسرحيين والسياسيين والشعراء والظرفاء رجالا ونساءا واطفالا ،
حتي الاحياء والمدن والبيوت والقري وكثير من الكائنات ذات المعني.
ارتبط فقدها في نفسي بالهدام وبالفيضانات !
واخيرا ياتي غياب المناضلة زينب بدر الدين ،
رمز الشجاعة والتضحية والنضال ونكران الذات ، الثائرة ذات الفعل والاثر في العمل النضالي والحياتي اليومي .
عليها وعليهم وعليهن جميعا شابيب الرحمة والمغفرة والخلود .
عبد الواحد وراق



