مقالات سياسية

قضايا الانتقال والأولويات

محمد عتيق

خارج المتاهة

شهد الأسبوع السوداني المنصرم أحداثاً متسارعةً واكبتها الأقلام السودانية بنفس السرعة ، فيضاً من الكتابات الجادة الشاملة لكل وجهات النظر ، وذلك ببركات العلم والتكنولوجيا التي تجلت في وسائل التواصل الاجتماعي : حوار إذاعي مع السيد رئيس الوزراء ثم خطابه بمناسبة الذكرى الأولى لتكليفه ، مليونية جرد الحساب ، تصريح الناطق الرسمي (السابق) لوزارة الخارجية بشأن التطبيع مع الكيان الصهيوني ….إلى الآخر..

حالة المخاض التي نعيشها ويعيشها وطننا هي مصاعب الانتقال من مرحلة إلى أخرى ، اكتملت خطوة إسقاط النظام ولم تسقط بعد سيطرته على المشهد ؛ أعمدته ، بناءاته الاقتصادية والفكرية والأمنية والاجتماعية والإعلامية ، وهذا هو واجب الفترة الانتقالية ومعناها ، هي إجراءات التصفية لركائز النظام الساقط ووضع الأسس الجديدة المطلوبة في كافة مناحي الحكم والحياة (اجتماعياً ، اقتصادياً ، سياسياً ، تعليمياً ، تربوياً ، خدمياً ..إلخ ..إلخ..

فترة الانتقال ، بأدواتها وتفاصيل قضاياها ، تختلف باختلاف تجارب الشعوب في الأزمنة والأمكنة ، ولها دائماً عدوين : داخلي وخارجي .. ففي تجربتنا السودانية:

– قوى الهيمنة التقليدية تطالب بتقصير فترة الانتقال لتأتي الانتخابات والأوضاع لا زالت كما هي ضماناً لعودتها .. استمرار ركائز النظام الساقط الاقتصادية والاجتماعية والثقافية هي رحيق عودتها وشريان بقائها ، لا مصلحة لها في حدوث تنمية شاملة تنهض بالإنسان وعياً ناقداً ورؤىً متحررة ، بل مصلحتها في استمرار المعتقدات والولاءات القبلية والطائفية والعشائرية لتتكبل خيارات الناس/الجماهير حولها ..

– والخارجي : نفوذ النظام الساقط ، دولته الموازية ، بكل ما تعنيه من سيطرة اقتصادية تقعد بالبلاد ، ومن سيطرة إجتماعية تقعد بالعباد مكبلين بسلاسل الذل والجهل والمرض ، هذه النفوذ/الدولة الموازية تعمل على أن تحيا وأن تعود إلى الحكم بمسوح ورموز جديدة ..
هذه القوى (المعادية) ، منبتها ومصالحها واحدة وإن تميزت احداهما بطلاء ديمقراطي وعداء شكلي للأخرى ذات الوجه العسكري الدكتاتوري ، تلتقيان مهما طالت فترة العداء الزائف دعك عن حديث “الاسلاموية” الغارب ..

في الضفة الأخرى ، المواجهة ، تقف قوى الحرية والتغيير ، قوى الثورة وإعادة تأسيس السودان ، القوى الموصوفة بأنها “الحاضنة السياسية” لحكومة الثورة ، القوى التي تصلح بها الحكومة الانتقالية أو تفسد .. وهي – في الحقيقة – اتفقت واصطفت معها الشعب والأجيال الجديدة – نساءاً ورجالاً – لإسقاط النظام ، وبالفعل أسقطته وجاءت بحمدوك رئيساً لحكومة الانتقال .. لن يفيدنا كثيراً تكرار الوقوف عند الأخطاء التي حدثت ابتداءاً واربكت المشهد هكذا ، ليس لأنها غير ذات أثر على الموقف الآن ، فتلك يمكن تداركها ، ولكن لأن أحزابنا – مهما تسلحت بالمبادئ الثورية والتقدمية نظرياً ، فإنها لا زالت على الصعيد العملي أسيرة واقع التخلف العميق السائد ، فهي مبدعة في تصوراتها النظرية ولكنها عند العمل والتنفيذ ترتد إلى ذلك الواقع فتستبد بها الأنانية وأمراض الذات ، نزعة التميز والانفراد و “المكاوشة”.

مهما تطورت رؤى الدكتور حمدوك وبدأ يلامس القضايا الحية في أحاديثه فإنه سيظل مكبلاً بقحت ؛ بواقع وأمراض أحزابنا السياسية ونزعاتها ..

يجمع الناس أن ثورة ديسمبر ٢٠١٨ السودانية ثورة جذرية، وأنها ثورة وعي في المقام الأول ، وعي ينقل الناس والبلاد إلى حالة من السلام والاستقرار والنمو والازدهار .. هذا النوع من الوعي يفترض في أدوات قيادها وإنجازها مستوىً يوازيها ان لم تكن متجاوزةً لها .. وهذا يعني تماماً أن تتطور أحزابنا السياسية وتخرج من شرنقة الذات الأنانية إلى رحاب الجماعية والثقة في الآخرين ، إلى رحاب الإيثار والمحبة ، رحاب النقد الموضوعي المخلص وقبلها رحاب النقد الذاتي، إلى رحاب الاهتمام الجاد بالنشاط المدني ، النقابي والطوعي ، في كل مناحي الحياة .. نعم، الأحزاب بعضويتها، فعلاً ارتقت عن الواقع المتخلف وأمراضه درجات ولكنها اصطحبت ، في سلوكها ونزعاتها ، درجات أخرى من أمراض ذلك الواقع .. وهذا بالضبط ما يتجلى في سلوك ومواقف الأحزاب المهيمنة على تحالف قوى الحرية والتغيير ، أحزاب “المجلس المركزي” لقحت ، وهي المطالبة باستحضار هذه القيم على طريق العمل الجماعي (عدم الكنكشة) واشراك الجميع والشفافية والقيام بدور ومهام “الحاضنة السياسية” لحكومة الانتقال ؛ تكويناً وبرامج وقرارات على هدي الثورة وأهدافها ، وهذا هو الأهم حتى من تكوين المجلس التشريعي الذي ينادي به الجميع وأشار إليه دكتور حمدوك في كلمته الاخيرة المشار إليها أعلاه ، فذلك مهم ولكنه لن يكتمل وينضج إلا بهذا .. لأحزاب قحت مثلاً ، رؤى صائبة وممتازة في المسألة الاقتصادية ( أس المسائل) ولكن الحكومة – من خلال رئيسها ووزير ماليتها – سفهت تلك الرؤى وتصر على طريق ومنهج يعادي تطلعات الشعب وأهداف ثورته تماماً ، إصلاح مثل هذا المنهج في اتجاه مصلحة الشعب والوطن معقود بناصية الحاضنة السياسية للحكومة (قحت) ، فهي التي تستطيع تغيير المعيق من الوزراء وحتى رئيس الوزراء لينضبط إيقاع الأداء الحكومي مع لحن الثورة وأشواق الناس وطلق الانتقال ..

وهل سيمهلنا الزمن للإصلاح الحزبي الجاد وتنفيذ برامج الانتقال في نفس الوقت؟
نعم ، فالإصلاح الحزبي درجات تأتي ضمن قضايا الانتقال في إطار جدل العلاقة بين الوسائل والغايات .. من ناحية أخرى ، ومن مظاهر الجذرية في هذه الثورة أن قوتها الضاربة ، الأجيال الجديدة ، قائمة على حراستها بالتنظيم الواسع المعروف بلجان المقاومة ، سنداً حقيقياً للحاضنة السياسية ، وإذا جاز لنا أن نهمس في الأذن الجماعية للجان المقاومة ، نقول للشباب :

•• انتبهوا لصفوفكم جيداً ، (جيداً) ، لحسم كل محاولة للاختراق من الأعداء الموجودين بكثافة حولنا ..

•• كذلك انتبهوا لمحاولات الاختراق (الحميدة) من أحزابنا في قحت .. لا عيب ولا مانع أن يكون من بينكم حزبيون منتمون لأحزاب قحت ، ولكن من المهم أن تكون قراراتكم ، كلجان مقاومة ، مستقلة نابعة منكم لا بإملاء من مصلحة حزبية ..

•• أن تكون مليونياتكم وجهودكم في الاصلاح أو في جرد الحساب موجهة لقحت وليس لدكتور حمدوك والوزراء ، فهي الحاضنة السياسية ، هي قوة التغيير بدعمكم والتفافكم المخلص ..

محمد عتيق
[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..