مقالات وآراء

عن إتفاق السلام أقول

لا بد من الإشارة أولآ إلي أن أي إتفاق سلام يوقف نزيف الدم و يعصم الأرواح ينبغي الإشادة و الترحيب به… إن أم قشعم ( اي الحرب) المنتصر فيها خاسر، بينما الكل رابح في معادلة السلام… و من هنا ينبع إحساس الفرح و الارتياح عندما تتوصل الأطراف المتنازعة ” عسكريآ ” الي اتفاق يوقف المآسي و الآلام المرتبطة و المرادفة لأي حرب. فالحرب مهما صغرت، فهي كبيرة.
إن النزاع و الإحتراب قد أقعد السودان عن السير في طريق التنمية و الإستقرار منذ الإستقلال، و هذا “الجنون” الذي أرهق كاهل الدولة له أسباب متعددة، معقدة و متشعبة، ولكن كانت نتائجه واحدة في كل العصور… موت مجاني لأرواح بريئة جلها من المدنيين… نزوح أدي الي تغييرات ديموغرافية كارثية… لجوء الي دول الجوار و ما تبعه من فقدان للهوية الوطنية و في بعض الأحيان الارتهان للخارج…فقدان للأيدي العاملة التي بدلا عن المشاركة في مشاريع التنمية والبناء تحمل السلاح و تشارك في مهرجانات القتل العبثية… ولا يخفي طبعا الأثر الإقتصادي المدمر لهذه الحروب نتيجة للأسباب أعلاه مجتمعة… و اخيرا و كأن كل هذا لم يكن كافيآ، جاء إنفصال جزء عزيز من الوطن ليبقي جرحآ غائرآ لن يندمل و وصمة عار لن تمحي من تاريخنا السياسي المعاصر.
إن التوقيع علي إتفاق السلام بين السلطة الإنتقالية بمجلسيها السيادي و الوزاري و الجبهة الثورية، جري في أجواء إحتفالية في جوبا عاصمة دولة جنوب السودان. و رغم الكلمات الحماسية لرئيس مجلس السيادة سعادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان و لرئيس دولة جنوب السودان سعادة الفريق أول سيلفا كير ميارديت و لرئيس الوزراء، الدكتور عبد الله حمدوك. هذه الأجواء لم ينعكس صداها في الخرطوم !. و تلقاها الشارع بشئ من البرود و ربما عدم الإكتراث، في أحسن الأحوال… و ببعض التشاؤم في أحيان أخري كما جاء في مقال الأستاذ زهير السراج الذي عنونه
” يوم النكسة ” مع إختلافي معه.
إن من أهم أسباب عدم التفاعل الإيجابي مع هذا التوقيع هو غياب الفصائل المؤثرة علي الأرض ( الحلو+ عبد الواحد) .. فالموقعون جلهم خبرهم الشارع السوداني الذي أصبح حصيفآ. و مدركآ بأنهم لن يغيروا من المعادلة العسكرية شيئا يذكر، و سيكونون عبئآ علي الخزينة ” الفارغة” قبل وصولهم.. و أنهم من أساطين المحاصصات و خبراء الإستوزار !!. و هي تقريبا نفس الوجوه التي إعتاد المواطن السوداني علي رؤيتها عند كل توقيع علي إتفاقيات السلام..كما أن نفر منهم شارك الإنقاذ في الحكم في فترة ما، و لم ينجزوا شيئا يذكر لمناطقهم التي يدعون بأنهم حملوا السلاح لرد الظلم عنها.
من الأسباب الأخري للتوجس، غياب الأعلام المقروء و المسموع و المشاهد عن الحدث.. فالشارع لا يدري علي ماذا تم التوقيع بالضبط، و ما هي المعوقات التي اكتنفت سير المفاوضات و كيف تم تجاوزها.. فالشارع الثوري المتأهب و الذي كان السلام أحد أركان مثلثه الأثير ( حرية، سلام و عدالة) يريد أن يعرف ما هي مخرجات هذا التوقيع و ما هي فرص حدوث سلام مستدام. لقد ” شبع ” هذا الشعب من الإحتفاليات التي لا تقدم او تأخر.
لذلك أقول، ينبغي علي رئيس الوزراء الموقر و بصفته المسؤول الأول عن العمل التنفيذي أن يدلي ببيان مفصل يشرح فيه ما تم التوصل إليه مع هذه الفصائل الهامشية، ثم يشرح أسباب عدم دخول الحلو و عبد الواحد الي باحة التفاوض و كيف سيتم تدارك هذا القصور “المعيب” الذي يفرغ الاتفاق من أي معني حقيقي..
إن وقف الحروب في أطراف السودان كافة هو السبيل الوحيد الي ضمان إستدامة الديمقراطية و الوصول بالبلاد الي بر الأمان… و قف الحروب سيؤدي الي الاستقرار السياسي الذي يمكن السودانيين من الإستفادة من الخيرات التي وهبهم إياها رب العباد، و عندها لن يضطروا الي إستجداء العالم لمساعدتهم.. بل يمكنهم النهوض كمارد جبار، للإنطلاق نحو بناء دولة التقدم و الرفاه. و عندها يصبح لبلادنا موطئ قدم بين الكبار.
و الله من وراء القصد.
د. معتصم بخاري
[email protected]

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..