مقالات وآراء

مفتتح رواية أماندا ماران بون

عبدالحميد البرنس

على إحدى شاشات المراقبة، التي تغطي منطقة بنك إسكوتشيا، وقعت عيناي على ما بدا عاشقين مراهقين أخذا يذوبان في سعير قبلة طويلة متمهلة. وجدتني أقول فجأة في نفسي: “هذا أمر تُقام له هناك في بلادي مظاهرة، ربما مليونيّة”. رحت أتخيل المشهد: “بالروح.. بالدم.. نفديكِ، يا فضيلة”. أو “لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى حتى يراق على جوانبه الدم”.

أخذتُ أتطلع تاليا بحزن إلى وجه زميلي ديريك مولر الذي اتخذ مجلسه منذ مدة على مقعد جلدي قديم متحرك، إلى الجوار.

رأيته مشدودا بدوره إلى شاشة المراقبة نفسها. كالذي يواصل مخاطبة نفسه، قلت: “دع هذين العاشقين شأنهما، عزيزي ديريك”!

هزّ ديريك مولر رأسه في صمت دون أن يحوّل نظرته تلك عن الشاشة. كما لو أنّه استجاب حقا لطلبي أن تبادل القُبل على ذلك النحو أمر لا يخلّ على أي حال بأمن هذا المجمع التجاري الضخم. لم يعد أمامنا كحارسين تحت مظّلة هذا التواطؤ سوى مراقبة ما كان يدعوه صديق سابق لي بنزق الحياة. لعلّه لورد الله الفقير. حدث أمر غريب “حقا”. انفلتتْ الفتاة من حضن رفيقها على حين غرة. واجهتْ عدسة الكاميرا رافعة رأسها هكذا إلى أعلى قليلا. أرسلتْ نحونا أنا وديريك من هناك لاهية إصبعين من شفتيها من قبل أن يتحولا في ظرف أقلّ من الثانية الواحدة إلى إصبع واحدة منتصبة. لكأنها هي الغارقة في الشقاوة، تقول لنا بكل عذوبة يمكن تخيلها في هذا العالم: “طزا لكم يا حرّاس هذا المبنى المحترم”!

أخذ رفيقها ذو الشعر الأشقر والسترة الخضراء الغامقة يضحك، يشدها إليه من خصرها باحكام، بينما تحاول هي جاهدة التملّص منه. مثل سمكة خرجت للتو من الماء. لكأن شيئا لم يكن من عبث العاشقين الصغيرين. قال ديريك مولر بأسى:

“هل ستغادر المدينة بالفعل، يا هاميد”؟

لا يزال ديريك ينهج في مجلسه على الكرسي الآخر الدوار. كما لو أن أنفاسه تحاكي الآن تلك الأصوات الخافتة المتقطّعة التي تصدرها مكنة عربة توقفت للتو في الظلّ نهارَ صيفٍ قائظ. مع أنّه مر نحو نصف الساعة على وصوله إلى مكتبي. كانت كرشه تكوّمت أمامه كثلاجة صغيرة أعلاها يدان معقودتان. تجاهلتُ سؤاله. الرحيل يذكرني بأسبابه “تلك”.

ذلك أمر لا طاقة لي على المرور به ثانية.

أخذت فقط أتتبع خطى صاحبي القبلة عبر شاشات المراقبة أمامي، بينما يواصلان السير في طريقهما إلى خارج المبنى.

لا يوجد سنتيمتر واحد داخل هذا المجمع يقع خارج نطاق عمل كاميرات المراقبة. نحن نرى كل شيء هناك ونستعيد أدق وقائعه بجلاء تامّ إذا لزم. حتى زحف النملة على الأرضية الرخام. هذا، إذا ما وُجِدَ مثل ذلك النمل يوما ما في كندا.

لا بدّ أن ديريك نسي سؤاله ذاك. وظلّ يتابع بدوره خطى العاشقين المغادرين. حدست ذلك. لأنني لم أعد أسمعه يتحدث بعدها.

كدت أنفجر هكذا على حين غرة بكل ذلك الضحك العرمرم المكتوم، بُعيدَ أن أخذ العاشقان الصغيران وقد غادرا المبنى للتو يعبران إلى الجانب الآخر من شارع بورتيج ذي الإتجاهين، ويختفيان تماما عن دائرة رصد أي كاميرا للمراقبة هناك. الأمر لن ينتهي هنا. ستتلقى العاشقين نفسهما كاميرات مراقبة مختلفة ملحقة بأبنية ومؤسسات ومراكز تجارية وبنوك أخرى. ومن يدري؟ ففي المستقبل، سيكتمل بناء الشبكة الكاملة وتتبادل كاميرات المراقبة مجتمعة تبادل تلك الرسائل.

أجل، كدت أنفجر بالضحك!

آنذاك، انتبهت كما لو أنها المرة الأولى إلى جوانب ديريك مولر بطياتها المتعددة تلك تتدفق إلى خارج المقعد الدوار ذي العجلات البلاستيك السوداء المصمتة الباهتة المتآكلة قليلا. وقد خطر في ذهني لسبب ما أن أول ما يهلك في أزمنة الحروب وكوارث الطبيعة أصحاب الوزن الثقيل. مع أن القصص أخذت تتواتر عن حدوث المعجزات أثناء ذلك الزلزال الذي هزّ أركان مصر عام 1992 إن لم تخن الذاكرة. لقد تمكن وقتها من الهرب حتى بعض أولئك المشلولين الذين فجأة وقعت أعينهم على سقف الأسمنت يتراقص فوق رؤوسهم مثل قالب الجيلي. أما بعض أولئك العميان من أمثال ذلك “الأعمى التقدمي” فالله وحده أعلم في النهاية كيف شقوا طريقهم وحدهم في سرعة الصاروخ إلى خارج أبنيتهم دون أن يسقط أحدهم أبدا على وجهه. ما لبث ديريك مولر أن راح يزيل بيده الضخمة قطرات العرق البلورية المتكونة أعلى جبينه المتغضن، على الرغم من لسعة برودة خفيفة داخل المكتب ظلّت تنبعث تباعا من مكيف هواء قديم ماركة كارير جرى تثبيته قرب الحافة الجنوبية للسقف المرتفع قليلا. “على أي حال، هذا الجسد الضخم مثل سفينة جانحة إلى اليابسة لا تصدر عنه أي أفكار مهمة”، أيضا خطر لي هذا، كما لو أنّه لم يعد لي هناك سوى السخرية على إنسان طيب مثل ديريك. كنت لا أزال أواصل تأمّل هيئته لما أخذ يتطلع بدوره إلى صفحة وجهي بمثل تلك الطيبة معيدا عليّ سؤاله:

“هل ستغادر المدينة بالفعل، يا هاميد”؟

عبدالحميد البرنس
[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..