دم الجبل… و سلالة الظلم قراءة في مرآة السودان ما بين الأسطورة والواقع

م. معاوية ماجد
في جبال دارفور البعيدة، حيث يختلط الحزن بطمي الذاكرة، و تتعانق الأسطورة مع أنين الأرض، تُروى حكاية السلطان كسفروك، ذاك الذي أراد أن يُثبت قدرته على تحريك الجبال، وأن يجعل من البشر حجارةً في يديه.
أمر الناس أن ينقلوا الجبل من مكانٍ إلى آخر، فحملوا الحجارة بأيديهم وأرواحهم، وساروا على جلودهم الممزقة تحت الشمس، حتى جفّ العرق في عيونهم وصاروا مثل ظلالٍ تمشي فوق العدم.
لكن حين بلغ طغيانه ذروته، خرج التيتل — الحيوان الجبلي الهائج الذي ترمز به الحكاية إلى غضب الطبيعة وعدلها — بعد أن دلّته “أم شُويحة” بحكمتها ودهائها على مكمن السلطان، لتثبت أن العقل، لا القوة، هو الذي يفتح بوابة العدالة.
فحمل التيتل السلطان على ظهره، وركض به حتى مزّقه، في مشهدٍ يختصر مصير كل من توهّم أن السلطان أبدٌ، وأن الدم يحرس العرش.
لم تكن الحكاية خرافةً منسية، بل نبوءةً تتكرّر كلما أُهين الإنسان في هذه البلاد.فالتاريخ في السودان لا يموت، بل يبدّل زينته، ويُعيد عرض المأساة نفسها بأسماءٍ جديدة.
لقد عاد كسفروك إلى الحياة في صورةٍ أخرى، حين صعدت جماعة الإخوان المسلمين إلى الحكم، ورفعوا شعار “المشروع الحضاري” وهم يحفرون قبور الحضارة.
استباحوا المال والروح، كمموا الأفواه، وأحرقوا الأمل في صدور الناس، حتى صار الوطن بأسره مملكة كسفروك جديدة، يُؤمر فيها الفقراء أن يحرّكوا الجبال ليبرهنوا على ولائهم، بينما السلاطين ينامون فوق أكوام الذهب المسروق.
كان زعيمهم الأول يتصرف كما لو أنه يحمل مفاتيح الغيب، يوزّع صكوك الجنة، ويقيم على الناس حدّ الفكر قبل حدّ الجريمة.وحين أُقصي، جاء تلميذه بإيعازٍ من نائبه، في تواطؤٍ سياسيٍّ غامضٍ لبس وجه القدر، وجلس على الكرسي نفسه ليكمل السيرة ذاتها.
ذلك التلميذ جعل من الحكم استعراضًا، ومن المنصات معابد للضحك الفارغ.
كان يرقص أمام الجموع، يظن أن الإيقاع يُنسي الجرح، وأن التصفيق يمحو الجريمة.ابتسم كسفروكُ العصر كثيرًا، مثلما ابتسم السلطان القديم، وكلاهما غافلٌ عن التيتل الذي يترصّده في الظلال، صامتًا، لا ينسى ولا ينام.
ثلاثون عامًا حمل فيها السودانيون الجبال ذاتها — جبال الفقر، والذلّ، والخذلان، والحروب — بينما الطغمة الحاكمة تتقن تبديل الأقنعة كما يُبدّل الممثل زيه بين فصلٍ وآخر.
وحين اندلعت الحرب الأخيرة، بدا كأن التيتل قد عاد يعدو، لكن هذه المرة من قلب السودان نفسه؛
من دارفور التي احترقت، ومن كردفان التي نزفت، ومن مدن الشرق التي نامت على الجوع، ومن الشمال الذي جفّ عرق نيله.لم يخرج من الأسطورة، بل من جوع الأمهات، من دم الأطفال، من صمت المدن التي فقدت أسماءها.ركض التيتل في وجه الجميع، لا انتقامًا، بل تطهيرًا، كأنه يقول بلسانٍ قديم:“من يظن أن الدم يحرس العرش، فليجرب النوم فوق رماده.
”ومع سقوط البشير، تنفّس الناس بقايا الأمل، غير أن الحركة الإسلامية لم تمت، بل بدأت محاولتها للرجوع بثوبٍ جديدٍ مطرّزٍ بدخان الحرب والوطنية الكاذبة.
غيّرت لغتها، واستعارت خطابًا وطنيًا، وتزيّنت بحديث الجيش والوطن والإصلاح، لكنها ظلّت هي ذاتها في الجوهر — كسفروك القديم بثوبٍ جديد، يحمل ذات الطغيان ولكن بنغمةٍ أخفّ، يخفي مخالبه في يدٍ ممدودةٍ باسم الوطن.
وفي هذه اللحظة، يعود السؤال الذي تختم به الأسطورة: أين أم شُويحة السودان؟
تلك المرأة التي كشفت عورة السلطان بحكمتها ودهائها، أين مَن يُعيد نسختها إلى واقعٍ يتقدّمه التيتل ليحمل كل الفكر الخبيث الذي أورد البلاد المهالك، وقذف بها في عمق المجهول؟
من يملك جرأة الكلمة ودهاء العقل ليخلّص البلاد من هذا الوحش الجديد الذي يأكلها باسم الدين والوطن والحرية؟
من يعيد للعدالة وجهها الإنساني بعدما صارت سلعةً في سوق الساسة والتجّار والمستبدّين؟
هل ستولد من رماد المدن امرأةٌ أو فكرة، تحمل ملامح “أم شُويحة” وتعيد للناس حقّهم في النظر إلى السماء دون خوف؟
إن ما بين جبل دارفور وسهول النيل، تمتدّ الحكاية ذاتها، تتبدّل الأسماء ولا يتبدّل المصير.كل كسفروكٍ يظن أنه خالد، وكل أمةٍ تصمت عن سلطانها، إنما تفكّر وتخطّط لكيفية فرش طريقٍ لتيتلٍ جديدٍ يعدو في ظلال الغبن.
وهكذا تظلّ الأسطورة حيّة، تصهل كخيلٍ مجنّحة فوق رماد السودان، تذكّرنا أن العدالة، وإن تأخرت، لا تموت… بل تغيّر شكلها وتعود.
ولعلّ صهيل التيتل، حين يسمعه القادمون، سيكون نداء الأرض نفسها تقول فيه:“كفى… فالجبال لا تُنقل بدماء الناس.”وربما، في كل جيلٍ، يولد كسفروكه وتيتله، غير أن الشعوب حين تصحو، تخلق أسطورتها الخاصة، وتكسر الحكاية القديمة قبل أن تبتلعها من جديد.
فالتاريخ — مهما تبدّل وجهه — لا يرحم من يكرّر خطيئته.



