مقالات سياسية

تخلف عن الوهج الثوري: التدابير الاقتصادية الانتقالية 

د. عباس عبد الكريم

یتناول هذا المقال بشكل نقدي توجهات السياسة الاقتصادية للحكومة الانتقالية خلال عامها الأول.

1 ما كان يتعين على الحكومة فعله

لعل عناصر الاقتصاد المختطف والمدمّر على مدى 30 عامًا من حكم العصابة الإسلامية ،أصبحت معروفة للجميع. كان من المتوقع من الحكومة الانتقالية التي تم تشكيلها في سبتمبر 2019 ، والتي تمثل نجاح الثورة على نظام فاسد واستبدادي ، أن تتخذ على الفور إجراءات بشأن الضرورات الاقتصادية الرئيسية الثلاث التالية.

(1) العمل بقوة على استرداد الأموال المختلسة ومحاكمة المختلسين ، وإعلان حرب شرسة على الفساد ، واستخدام كل القوة الممكنة لإغلاق جميع الظواهر الأخرى للاقتصاد المختطف (مثل التهريب) ووضع مئات الشركات العسكرية والأمنية تحت سيطرة وزارة المالية والتخطيط الاقتصادي. ولكي تتحقق هذه الإجراءات كان يجب استخدم قوانين وقواعد الطوارئ التي تم إعلانها في ظل الشرعية الثورية\. كان هذا ممكنًا من خلال الاستفادة من الدعم الشعبي الهائل الذي كان من الممكن أن يسكت الأصوات المترددة والمعارضة ، بما في ذلك أصوات بقايا النظام القديم في الجيش. على حكومة الثورة ألا تعتمد على القوانين والقواعد التي وضعها النظام الفاسد (والتي غالبًا ما يتم تغييرها أو عدم الالتزام بها ، وفقًا لمصلحته الآنية) للتخلص من فساد وممارسات نظام الحكم القمعي.

•  لم تتخذ الحكومة أي خطوة فعالة بالنسبة لما سبق، بينما ظل المختلسون والفاسدون أحراراً وهرب العديد منهم أو سُمح لهم بالهروب من البلاد. تظل الشركات المملوكة للجيش والأمن وقوات الدعم السريع خارج سيطرة وزارة المالية. بدأت لجنة محاربة التمكين (النظام القديم) المشكله حديثًا في مصادرة بعض الممتلكات والشركات والأسهم المكتسبة بطريقة غير مشروعة المملوكة للأفراد. ومع ذلك ، فإن ولايتها وسرعة عملها بعيدة كل البعد عن القدرة على إعادة الاقتصاد المختطف.

2)  ) وضع خطة الإنقاذ الاقتصادي التي صاغتها مجموعة من خبراء الحاضنة السياسية للحكومة المدنية، قوى الحرية والتغيير، للمناقشة على نطاق واسع بين أصحاب المصلحة والخبراء، من أجل تطويرها والتوصل ألى توافق بشأنها على المدى القصير لتكون أساس ميزانية  2020.

•  بدلاً من ذلك ، استجلبت وزارة المالية بعض الخبراء الخارجيين لوضع موازنة 2020 مع كبار موظفي الوزارة الذين تم تعيين معظمهم  من قبل النظام السابق على أساس الولاء. من الواضح أن مثل هذا الإجراء لا يمكن أن ينتج ميزانية تعكس تطلعات قوى الحرية والتغيير وقوى الثورة الأخرى.

(3) اتخاذ تدابير لتطوير سلسلة من المنتديات التي تجمع المنظمات والجماعات السياسية والمدنية والمهنية المؤيدة للثورة، إلى جانب الخبراء والشركات الوطنية لوضع إطار لسياسة التنمية الاقتصادية الاجتماعية للفترة الانتقالية (39 شهرًا تقترب من فترة ولاية كاملة لحكومة منتخبة). يجب أن تستند هذه السياسة الاجتماعية-الاقتصادية إلى رؤية واستراتيجية أوسع تعكس مطالب الثورة في غياب مجلس تمثيلي للشعب ، وحتى في وجوده ، من المهم تطوير إجماع بين القوى الثورية حول الاتجاه الاجتماعي -الاقتصادي.

•  لم يتم وضع سياسة اجتماعية- اقتصادية للفترة الانتقالية. مضى عام دون إحراز أي تقدم في التوصل إلى اتفاق مع القوى الثورية (وهي ليست مجموعات قوى الحرية والتغيير وحدها ، بل الشباب الذين يمثلون إلى حد كبير لجان المقاومة ، وكذلك الاتحاد النسائي والمنظمات النسائية الأخرى ، وغيرها) وهي التي تملك الحق المشروع في إدارة الفترة الانتقالية (تهدف الاجتماعات المشتركة لمجلس الوزراء ومجلس السيادة إلى أن تحل مؤقتًا محل مجلس القضاء في إقرار الإجراءات وبعض التشريعات والترتيبات المماثلة ، ولكن ليس لتحل محل القوى الثورية في تقرير مصيرها الاجتماعي -الاقتصادي وفي إدارة الفترة الانتقالية). وقد أعلنت وزارة المالية عن عدد من الإجراءات ، كان على رأسها حزمة تدابير لضمان استقرار الاقتصاد الكلي ، مصحوبة بإجراءين آخرين يهدفان إلى التخفيف من الآثار السالبة لمتطلبات الاستقرار كما هو مقترح، وهما  زيادة أجور الخدمة العامة ، وتقديم تحويلات نقدية لفقراء شبكة الأمان الاجتماعي.

2 مقترح الحكومة لاستقرار الاقتصاد الكلي: ملكي أكثر من الملك

أثناء اقتراح إعادة هيكلة الإنفاق العام في قطاعي التعليم والصحة ، كانت التدابير الاقتصادية (التي لا تشكل سياسة اقتصادية كاملة) تستهدف بشكل أساسي استقرار الاقتصاد الكلي: الحد من اختلالات الاقتصاد الكلي (مثل العجز المالي) من خلال إزالة / إصلاح دعم السلع الأساسية وتحرير سعر الصرف.

مواقف مختلفة من إجراءات الإصلاح المقترحة

أثارت إصلاحات الدعم وتحرير سعر الصرف ردود أفعال عاصفة بين الخبراء الاقتصاديين في صفوف قوى الحرية والتغيير وغيرهم من الاقتصاديين ، والكيانات السياسية والاجتماعية المنظمة ، وعلى نطاق واسع بين الأفراد في وسائل الإعلام. البعض عارضها على أسس أيديولوجية باعتبارها حزمة من توافق آراء واشنطن (صندوق النقد الدولي / البنك الدولي) التي تهدف إلى إفقار الدول النامية وإخضاعها لسيطرة الدول المتقدمة، في حين اعتبرها البعض الآخر إجراءات خضعت للتجربة في السودان منذ السبعينيات وألحقت بالناس آثارًا ضارة. تعتقد مجموعات أخرى وبعض الخبراء بوجود العديد من مصادر الدخل الأخرى التي يمكن للحكومة الاستفادة منها للتخفيف من الاختلالات أثناء تهيئة الظروف للتخفيف من الآثار السلبية لتدابير الاستقرار الاقتصادي عند تطبيقها. هذه المصادر الأخرى وفقًا لمجموعة خبراء قوى الحرية والتغيير هي “استرداد الأموال المسربة إلى الخارج ، واستعادة ولاية وزارة المالية على الأموال العامة ، والسيطرة الحكومية على الشركات التابعة للقطاع العسكري ، ومراقبة إنتاج وتصدير الذهب وغيره من السلع الاستراتيجية (خليفة ، 2020).

السلطات وصندوق النقد الدولي

طلبت الحكومة السودانية مساعدة صندوق النقد الدولي. “طلبت السلطات برنامج مراقبة من الصندوق للمساعدة في صياغة وتنفيذ إصلاحات شاملة” (صندوق النقد الدولي، 2020، ص  5).

شكل صندوق النقد الدولي فريقًا قدم بعد أسابيع من الدراسة (بين نهاية 2019 وبداية 2020) التوصية التالية: “السودان بحاجة ماسة إلى إعادة استقرار الاقتصاد الكلي وتهيئة الظروف لتحقيق نمو شامل أقوى. وهذا يتطلب تحرير سعر الصرف ، وتدابير خاصة بالإيرادات ، والإلغاء التدريجي لدعم الوقود ، على أن يتم ذلك بدعم من شبكة شبكة موسعة من الأمان الاجتماعي (إضافة من المؤلف)، للتخفيف من تأثير التعديل على الفئات الضعيفة من المجتمع. يجب أن تكون الإصلاحات متسلسلة بعناية ، وأن تستند إلى الظروف بدلاً من أن تكون محددة زمنياً. وتجدر الإشارة إلى أنه يجب وضع شبكة الأمان الاجتماعي الموسعة قبل تنفيذ إصلاحات الدعم التي يحتمل أن تكون مدمرة. كذلك ، يتطلب توحيد سعر الصرف عند مستوى مقاصة السوق المستدام، إدخال أدوات السياسة النقدية المناسبة وتعزيز مرونة النظام المصرفي في مواجهة مثل هذه التغييرات”، (ص 9).

من الواضح أن نصيحة صندوق النقد الدولي كانت تفترض وجود نظام تأمين اجتماعي قبل تنفيذ إصلاحات الدعم ، وهو يدعو إلى نوع من المرونة (اعتمادا على الظروف، وليس على زمن محدد).

إذا كانت نية الحكومة هي اتباع نصيحة إصلاح الدعم ، فقد كان من المتوقع منها التفاوض على صفقة لا تسبب ضررًا اقتصاديًا للمجتمع، ولكن هذا لم يحدث. الاقتباسات التالية مأخوذة من صندوق النقد الدولي (2020):

“أعربت السلطات في البداية عن رغبتها في إلغاء الإعانات بشكل أسرع”. “لقد لاحظت هذه السلطات أن هناك ميزة كبيرة في اتخاذ إجراءات حاسمة ومبكرة لإلغاء الدعم وتحرير الموارد لاستخدامات أكثر إنتاجية”. “من شأن الخطوات التدريجية تعريض عملية الإصلاح للإرهاق واحتمال نفاد تمويل المانحين قبل خفض الدعم بشكل حاسم ، و ما يصاحب ذلك من مخاطر على استقرار الاقتصاد الكلي” (ص 15. الخط تحت النص من المؤلف).

كان رد فعل صندوق النقد الدولي على ما ورد أعلاه كالتالي: “مع الاعتراف بهذه النقاط المهمة ، لا يزال أفراد البعثة يحذرون من الإلغاء السريع لدعم الوقود نظرًا للتجربة الدولية الأخيرة التي تشير إلى نشوء حساسية اجتماعية عالية لمثل هذه الإصلاحات” (ص 15 الخط تحت النص من المؤلف).

اقترح صندوق النقد الدولي أن يتم دعم الوقود على نحو تدريجي وأن يبدأ فقط بعد التوسع الكبير في شبكة الأمان الاجتماعي وتنفيذ حملة معلومات واتصالات واسعة النطاق (ص 14).

يقترح صندوق النقد الدولي خطوات تدريجية، وبعد إنشاء شبكة الأمان الاجتماعي، بينما ترغب السلطات في إلغاء الإعانات بسرعة. نحن أمام موقف  يطلب صندوق النقد الدولي يدا وتمد السلطات  ذراعا بالكامل!

ملاحظة ختامية

إن الحاجة إلى تدخل الدولة لدعم الفئات المستضعفة في السودان ليست محل نزاع، غير إن تقديم منافع شاملة (مثل دعم السلع الأساسية) للمحتاجين وغير المحتاجين يحرم المجموعة الأولى من الموارد التي كان يمكن أن تذهب إليهم، بالإضافة إلى توسيع فجوة الثروة بين المجموعتين. يمكن خفض الدعم أو إلغاءه إذا لم تعد المجموعة المستضعفة بحاجة إلى الدعم أو لم تعد بحاجة إليه كما كان من قبل. إذا لم يكن الأمر كذلك، فيجب اتخاذ تدابير للتخفيف من الآثار السلبية على معيشة أولئك الذين يحتاجون إلى الدعم. كانت خطة وزارة المالية والحكومة في هذا الاتجاه تتمثل في رفع أجور موظفي الخدمة المدنية وتقديم تحويلات نقدية للفقراء. ونرى أن مثل هذه التدابير غير مناسبة كعلاج فوري للمشكلة كما سيتم مناقشة هذا الأمر أدناه.

3 زيادة أجور الخدمة المدنية: إجراء اقتصادي أم رشوة سياسية؟

في هذا القسم الفرعي ، سنحاول إثبات أن قرار زيادة رواتب الخدمة المدنية ، رغم شرعيته من حيث المبدأ، من شأنه أن يتسبب في آثار اقتصادية ضارة لمعظم السكان. فق تم اتخاذ هذا الإجراء بمعزل عن غيره ، وليس كجزء من حزمة سياسة التنمية الاقتصادية التي يمكن أن تفضي إلى تحسين معيشة معظم الشعب السوداني. دعنا نشرح هذه الحجة على النحو التالي:

نسبة موظفي الخدمة المدنية من إجمالي العاملين:

في هذه النقطة، سنقدم الأرقام المحسوبة من الجدولين رقم 4.2 و 4.5 من آخر مسح للقوى العاملة في السودان ،2013 (وزارة تنمية الموارد البشرية والعمل ومنظمة العمل الدولية). لقد أشرت في مكان آخر إلى أن المسح يعاني من بعض العيوب المنهجية ، لكنه الوحيد المتاح لدينا.

في نهاية عام 2011  (وقت إجراء المسح) ، كان جميع العاملين بأجر يشكلون 42% من إجمالي الأشخاص المشتغلين (إجمالي العاملين زائد العاطلين عن العمل يشكلون إجمالي قوة العمل). يشكل العاملون لحسابهم الخاص من 39.2% ، وعمال الأسرة بدون أجر 12.1% ، وأصحاب الأعمال 5.7% وغيرهم 1.1% من إجمالي المشتغلين.

من ناحية أخرى، يشكل العاملون بالخدمة المدنية 6.8% فقط من مجموع العاملين بأجر و 2.8% من إجمالي العاملين في الدولة. بعبارة أخرى ، 93.2% من مجموع العاملين بأجر و 97.2% من جميع المشتغلين ، بالإضافة إلى جيش ضخم من العاطلين عن العمل ، هم خارج الخدمة المدنية ، ولم يتم اتخاذ أي تدابير لتحسين معيشتهم.

آثار زيادة الأجور

يتم اتخاذ قرار رفع أجور الخدمة المدنية وسط ندرة شديدة في معظم السلع التي تشكل أساس احتياجات موظفي الخدمة المدنية (وغالبية السكان الآخرين). ومن المعروف أن زيادة المعروض النقدي في ظروف تقييد توريد السلع تؤدي إلى زيادة الأسعار (وليس فقط على السلع التي يشتريها موظفو الخدمة المدنية) يحدث هذا في الأوقات التي تكون فيها الضغوط التضخمية مرتفعة بالفعل بشكل ملحوظ. غير أن هذا المصدر الجديد للتضخم قد يلتهم جزءًا أو معظم الزيادة في الأجور الجديدة التي يتلقاها موظفو الخدمة المدنية، علاوة على أن التأثير على 97.2% من الموظفين الآخرين (وبقية السكان) سيزيد من سوء أحوالهم المعيشية.

من المغالطات الكبرى الافتراض بأن زيادة رواتب الخدمة المدنية ستؤدي إلى زيادة رواتب موظفي القطاع الخاص أيضا.

أولاً، العاملون في القطاع الخاص غير قادرين على ترك وظائفهم أو التهديد بتركها للالتحاق بالخدمة المدنية ، لأن الخدمة المدنية ببساطة لا تتوسع.

ثانياً، كان عدد العاطلين عن العمل في المناطق الحضرية (مع إن نسبة عالية منهم من الشرائح الأكثر تعليماً) ضعف عدد جميع موظفي الخدمة المدنية (الجدولان 4.5 و 5.4 في المسح) ، ومن المتوقع أن يكون عدد العاطلين عن العمل قد ارتفع منذ وقت المسح. هذا يعني أن القطاع الخاص لن ينقصه العمال إذا غادر البعض ولن يتعرض لضغوط لزيادة مستوى الأجور.

ثالثًا، حتى لو افترضنا أن أجور القطاع الخاص قد تشهد بعض الزيادة، فإن هذا لن يؤدي إلا إلى قيام أصحاب العمل بزيادة أسعار المنتجات والخدمات ، وبالتالي زيادة الضغوط التضخمية. في المقابل، لا يمكننا أن نفترض نمو الإنتاجية للمساعدة في استقرار التكلفة أو خفضها، حيث لا ثمة مؤشرات على الإطلاق لتحسينات في مستوى التكنولوجيا والمهارات ، وإمدادات الكهرباء ، إلخ.

ملاحظة ختامية: دوافع سياسية تؤدي إلى فوضى اقتصادية

ظل مستوى أجور الخدمة المدنية دون تغيير لفترة طويلة ومن المنطقي التفكير في التعديل. ومع ذلك، فإن تطبيق الزيادات في ظل تضخم لا يمكن السيطرة عليه، وتدهور قاعدة ومستوى الإنتاج المحلي يضيف مصدرًا آخر لمزيد من التدهور في مستوى معيشة السكان.

قد تكون لوزارة المالية ومجلس الوزراء أسبابا سياسية خاصة ، والتي ، للأسف ، تتجاهل المصالح الاقتصادية للجماهير.

لتأكيد الدافع السياسي وراء زيادة الأجور، قد يكون من المناسب الإشارة إلى أن صندوق النقد الدولي حذر منها. فقد قيل للصندوق أن الزيادة سوف لا تتعدى 123% فقط ، ومع ذلك كان رد فعله هو أن “الموظفين (أي بعثة صندوق النقد الدولي) أقروا بأن أجور القطاع العام لم تواكب التضخم منذ عام 2017 ، لكنه حذر من أن الزيادة المخطط لها ستزيد فاتورة الأجور بنسبة 1% من الناتج المحلي الإجمالي ، وربما تكون على حساب بنود الإنفاق الأخرى نظرًا لعدم اليقين بشأن التمويل الخارجي” (صندوق النقد الدولي 2020، ص 15. العبارة بين قوسين إضافة من المؤلف). وحذر الصندوق من أن التمويل الخارجي قد لا يأتي، وهذا ما حدث بالفعل. مع ذلك ، تم تحديد الزيادة في الأجور بمتوسط  569 % (وليس 123%) دون تأمين أي مصدر للتمويل الدائم. ومنذ البداية، واجهت الوزارة صعوبات في تأمين الأموال اللازمة. ويبدو أن النية كانت مبيتة لتمويل الزيادة من الأموال المكتسبة من إلغاء الدعم. لذلك، لدينا حالة يتم فيها دعم الأثرياء نسبيًا عن طريق فرض ضرائب على الفقراء. وإلا ماذا هو التفسير السياسي والاقتصادي لهذا العمل؟

4 شبكة أمان اجتماعي في ظروف لا تتوفر فيها تخطيط سليم ولا تمويل مضمون

ظهر مصطلح “شبكة الأمان الاجتماعي” (SSN) في عام 1990، لا سيما فيما يتعلق ببرامج التكيف الهيكلي للبنك الدولي / صندوق النقد الدولي (SAP). تم تقديم برامج شبكات الأمان الاجتماعي للتخفيف من الآثار السلبية لبرنامج التكيف الهيكلي على الفقراء. بالطبع ، سبقت البرامج الرسمية المختلفة التي تقدم الدعم للفقراء برامج شبكة الأمان الاجتماعي بوقت طويل. وفقًا للبنك الدولي (2019)، نجا 36% من الفقراء (الذين يعيشون على أقل من 1.9 دولارًا أمريكيًا في اليوم) من الفقر المدقع بسبب شبكات الأمان الاجتماعي. وتعد شبكات الأمان الاجتماعي أكثر انتشارًا في البلدان ذات الدخل المتوسط م بالبلدان ذات الدخل المنخفض. وقد ساهمت فوائد شبكات الأمان الاجتماعي بنسبة 13 % من إجمالي استهلاك الفقراء في البلدان ذات الدخل المنخفض

تتضمن برامج  شبكات الأمان الاجتماعي تحويلات نقدية (مشروطة أو غير مشروطة) ، وتحويلات عينية (مثل توفير الغذاء المباشر، برامج التغذية المدرسية)، الأشغال العامة (مثل الغذاء مقابل العمل) ،الخدمات الاجتماعية (مثل تلقي الرعاية الصحية والسكن) ، وما إلى ذلك مما توفيره العديد من المنظمات الدولية والثنائية والحكومات. وتتلخص خطة وزارة المالية للتحويلات النقدية فيما يلي:

“أشارت السلطات إلى أن حوالي 60% من السكان (حوالي 4 ملايين أسرة) بحاجة إلى المساعدة. وقد أعرب هؤلاء أنهم يفضلون نظام الدخل الأساسي المؤقت شبه الشامل (QUBI) لمدة 2-3 سنوات الذي يغطي 80% من السكان، لأنه مع التغطية شبه الشاملة، سيكون استهداف المزايا أبسط وأسرع، فضلا عن أن التأثير على الطبقة الوسطى ذات الأهمية السياسية سيكون أقوى من اتباع نهج أكثر استهدافًا، مما سيسهل إحراز تقدم أسرع في تنفيذ إصلاحات مؤلمة” (صندوق النقد الدولي،2020 ، ص14). وفقًا للصندوق، ستكلف هذه الخطة 2 مليار دولار أمريكي سنويًا ، أي حوالي 5.25%  من إجمالي الناتج المحلي. وهذه نسبة كبيرة للغاية بكل المقاييس، إذا ما قورنت بإجمالي الإيرادات والمنح الحكومية لعامي 2018 و 2019 ، والتي تقدر بنحو 7.8% و 6.4% على التوالي (صندوق النقد الدولي، 2020 ، الجدول 1 ، ص 32) كانت الحكومة تتوقع تمويل المشروع من مساعدات المانحين.

لاحظ صندوق النقد الدولي أن “الخطط القابلة للتطبيق لإصلاحات الدعم وشبكات الأمان الاجتماعي غير مكتملة” (صفحة 11)، وأن خطة الحكومة ستكون صعبة نظرًا لمحدودية مساعدات المانحين. واقترح الصندوق خطة بديلة لتغطية 60% من السكان، بمتوسط 3.3 دولارًا أمريكيًا شهريًا للفرد، و 20 دولارًا أمريكيًا لأسرة مكونة من 6 أفراد، وهي مبالغ مناسبة كما يراه البنك الدولي”. ستشكل التكلفة الإجمالية للخطة 2.5% من الناتج المحلي الإجمالي (ص 14).

لم تأت مساعدات من الجهات المانحة لتغطية تكلفة الخطة لأي من السيناريوهين أعلاه. وهذه ليست المشكلة الوحيدة، حيث تعكس آلية تنفيذ الخطة التي تسعى إليها وزارة المالية نقصًا حادًا في فهم الواقع الديموغرافي والاجتماعي، إذ تخطط وزارة المالية لتقديم المساعدة من خلال نظام تحويل هاتفي، دون التفكير في:

عدم وجود نظام سجيل سكاني في السودان، ونحن لا نعرف شيئًا عن توزيع السكان (كان آخر تعداد سكاني في 2011)  ولا عن التجمعات السكانية وتحركاتها (ناهيك عن البدو). لذلك ستواجه السلطات المحلية صعوبات في الوصول إلى شريحة كبيرة من السكان.

لا يستطيع غالبية السكان تحمل تكلفة امتلاك هاتف محمول ، والأكثر صعوبة ، أن غالبية السكان ، بما في ذلك المجتمعات المتنامية حول المراكز الحضرية، لا يحصلون على الكهرباء.

في البلدان التي يتم فيها استخدام نظام الهاتف في عمليات التحويل ، يقتصر استخدامه للإعلام فقط وسيتعين على المستفيد الصرف من أحد البنوك أو فرع مكتب البريد. كيف يمكن أن يكون هذا عمليا في السودان مع وجود بضع مئات فقط من هذه الفروع (ناهيك عن أن عددًا كبيرًا من المستفيدين قد لا يملكون حتى وثائق هوية)؟

من منظور نظام الإدارة المقترح، فإن مشروع التحويل النقدي ليس له نصيب من النجاح، ذلك أنه قد يغطي شريحة من سكان الحضر يعانون نسبة أقل من الفقر مقارنة بسكان الريف.

من الواضح جدًا أن مشروع التحويل النقدي لم يستند إلى دراسة مناسبة. تشير مراجعة الأدبيات الدولية حول هذا الموضوع (انظر القسم الخاص بالفقر) إلى أنه لم يكن هناك أبدًا مشروع بهذا الحجم  يشمل 80% من السكان. تحتوي معظم المشاريع ، باستثناء الإغاثة الطارئة المتعلقة بالكوارث الطبيعية والحروب ، على عنصر تنموي لتمكين المجتمعات من أن تكتفي ذاتياً من الناحية الاقتصادية في المستقبل. ومعلوم أن  مشروع وزارة المالية يمتد لفترة 2-3 سنوات، ماذا سيحدث بعد ذلك؟ هل نتوقع أن يمول المانحون مثل هذا المشروع بمبلغ 2 مليار دولار أمريكي سنويًا (ما يقارب إجمالي الإيرادات الحكومية والمنح لعام 2019)؟ من الواضح للغاية أن المشروع قد تم طرحه فقط لتمرير خطة إلغاء الدعم دون التفكير مطلقًا فيما إذا كان قابلا  للتنفيذ أم لا.

5  الخلاصة

عندما لا يتم انتهاز اللحظة الثورية، قد يتأخر التغيير الثوري أو حتى ينتكس.وقد أفلتت اللحظة الثورية من الحكومة الانتقالية. لم يتسبب التأخير في العمل لإعادة الاقتصاد المخطوف في إضعاف الحكم المدني وثقة الثوار فيه فحسب، بل سمح للثورة المضادة باستعادة قوتها والمبادرة بالقتال.

كان يمكن للحكومة المدنية من خلال الإرادة السياسية واستخدام الشرعية الثورية، وهو أمر مشروع إلى حد كبير في هذا المنعطف، أن تستعيد السيطرة على الموارد الاقتصادية المتاحة، وهي ليست قليلة. كان بإمكان الحكومة أن تخطط ليس فقط لبرنامج استقرار الاقتصاد الكلي مع عدم وجود آثار سلبية على الفقراء ، ولكن أيضًا الاستثمار في النمو الاقتصادي والتنمية البشرية. كان يمكن أن تكون السيطرة على التجارة غير المشروعة وحدها ، كما هو موضح في القسم 1 ، كافية للقضاء على العجز في ميزان المدفوعات. لكن وزارة المالية اختارت تجاهل العمل مع الثوريين المنظمين أصحاب المصلحة، ومئات الاقتصاديين المؤيدين للثورة داخل وخارج البلاد ، والعديد من الآخرين المطلعين على ما حدث، حتى  ضاع عام كامل دون جدوى.

يبدو أننا في حاجة ماسة إلى إعادة الوميض الثوري مرة أخرى!

Dr Abbas Abdelkarim

[email protected]
webpage: www.abbasconsult.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..