مقالات وآراء

الحزب الشيوعي السوداني.. أفق العزلة ومآلات الجذرية

((قراءة في جدلية الإستراتيجية والتكتيك))

محمد ضياء الدين

تتابع قوى الثورة السودانية مواقف الحزب الشيوعي لا من موقع الخصومة، فالحزب الشيوعي السوداني بما راكمه من تجربة طويلة، ظل أحد أعمدة الحركة الجماهيرية. غير أنّ ما يثير التساؤل اليوم هو التناقض بين خطابه السياسي الذي حول الجذرية الي إنحياز أيدولجي صلب عزل الحزب عن حركة الواقع المعقدة، مع ميل (بعض) كوادره خصوصاً في الفضاء العام إلى إتخاذ مسافة آخذة في الاتساع مع بقية قوى الثورة، وهو ما يطرح سؤالاً مشروعاً حول كلفة هذا التموضع على مجمل الفعل الثوري.

أكتب هذه السطور من موقع التجربة النضالية المشتركة مع عدد مقدر من الزملاء الشيوعيين، ومن ذاكرة (بيوت الأشباح) والمعتقلات التي جمعتنا في مواجهة الاستبداد، حرصاً على ألّا تنفلت بوصلة العمل الجماعي. ومن هذا الموقع تحديداً أستعير عن قصد التنبيه لا التبنّي الفكري بعض أدوات القراءة التي طالما إستخدمها الشيوعيون أنفسهم، لوضع هذه اللحظة أمام مرآة تجربتهم ونظريتهم، لا سيما في ما يتصل بعلاقة التكتيك بالاستراتيجية، وحدود المفاصلة وحدود التحالف والتنسيق.

فإذا كان الحزب الشيوعي يستند في تحليله إلى المنهج المادي الجدلي بوصفه أداة لفهم الواقع في حركته وتناقضاته. الخشية اليوم أن تنزلق (الجذرية) من أفق إستراتيجي إلى تكتيك إنعزالي يفتقر الي المرونة الثورية والي حالة مفارقة للواقع، وإلى موقف مغلق يفضي عملياً إلى عزلة سياسية. وهي عزلة مهما كانت دوافعها ومبرراتها تُضعف القدرة على التأثير. فالتغيير الجذري ليس فعلا معزولا عن تفاعل العوامل الذاتية (قوة الحزب وتنظيمه) مع العوامل الموضوعية ( جاهزية الجماهير وطبيعة توازن القوى ) .
إن تجاوز هذه الحقائق تُفضي إلى الانكفاء تحت شعارات النقاء الثوري، بما يفتقر إلى وعي (الكتلة التاريخية) التي صاغها الحزب الشيوعي في وثيقة (السبيل إلى إنجاز الثورة الوطنية الديمقراطية) . وهنا يبرز تساؤل جدلي مهم .. هل يمكن للجذرية أن تحتفظ بفاعليتها إن إنفصلت عن شروط بناء الكتلة الواسعة القادرة على حمل مشروع التغيير الجذري؟

لقد أثبتت تجارب الحزب نفسه أن العمل الجبهوي هو تطبيق لقانون (تراكم التغييرات الكمية التي تؤدي إلى تحول كيفي) .
عليه فإن التحالفات السياسية والتنسيق لم يكن خيار تكتيكي بقدر ما كان (ضرورة ديالكتيكية) لجمع القوى صاحبة المصلحة في التغيير رغم تبايناتها التي فرضتها طبيعة تطورها وطبيعة الصراع في السودان، بل يمكن القول إن قوة الحزب الشيوعي التاريخية تجلّت، في أحد أوجهها في قدرته على المزاوجة بين وضوح خطه السياسي ومرونته في بناء التحالفات.

ومن هنا فإن الدعوة اليوم ليست إلى تمييع المواقف أو التنازل عن المبادئ، (الدعوة الضرورة) هي لأهمية التنسيق العملي بين قوى الثورة حول المهام العاجلة إلى حين إستكمال شروط بناء الجبهة العريضة للديمقراطية والتغيير، بوصفها أداة الثورة الجامعة التي يتطلع إليها الشعب السوداني لتشكّل المخرج لأزمة التطور الوطني. وإذا تعذر العمل المشترك بين قوى الثورة، فليكن التنسيق في القضايا المصيرية ضرورة لا مناص منها. وإن تعذر ذلك أيضاً فالأجدر أن يحتفظ كل طرف بموقعه في الساحة، دون أن ينزلق السجال مع قوى الردة إلى سجال بين قوى الثورة نفسها، بما يبدد طاقاتها ويضعف جبهتها في مواجهة خصومها. فالتناقضات الثانوية في حد ذاتها لا تمثل أزمة ما لم تتحول إلى قطيعة تستنزف الجميع، وتخدم موضوعياً قوى الثورة المضادة، لذلك يصبح التنسيق ضرورة لضمان عدم إنكسار الحركة الجماهيرية أمام تغول العسكر والفلول.

وفي هذا السياق، يكتسب النقاش حول أدوات الثورة وعلى رأسها لجنة تفكيك تمكين نظام الثلاثين من يونيو 1989 أهمية خاصة. فبدلاً من أن يتحول التباين بشأنها إلى سبب للقطيعة، يمكن أن يكون مدخلاً لتطويرها وتصويب مسارها في ولادتها الثانية، إنطلاقاً من التحقق حول إمكانية شروط النقد نفسه بدلا من إسقاط (النقد الجذري ) الذي يأخذ الأشياء من جذورها.
المطلوب هو الحفاظ على دور اللجنة كأداة ثورية ولدت بأسنانها في سياق صراع معقد كإحد آليات تفكيك بنية النظام القديم، وبما يمنع في الوقت ذاته أي تقاطعات موضوعية حول إستعادة دورها مع أطروحات قوى الثورة المضادة.
ومن زاوية أخرى، فإن غياب موقف رسمي واضح من قيادة الحزب الشيوعي حتى كتابة هذا المقال حول عودة لجنة تفكيك التمكين هو في تقديري ما فتح المجال لاجتهادات بعض كوادرة لتبني مواقف متباينة قد تُحسب على الحزب، وهو ما يطرح ضرورة ضبط الخطاب العام بما يعكس الموقف المؤسسي، خاصة في ظل ظروف الحرب التي أفرزت (بدرجات متفاوتة) في كل الأحزاب دون إستثناء لأسباب لسنا بصددها الآن، حالة من تراخي بعض العضوية في الإلتزام والإنضباط السياسي.

إن اللحظة الراهنة والحرب تقترب من دخول عامها الرابع بما تحمله من تداعيات إنسانية وسياسية عميقة، تفرض إعادة ترتيب الأولويات على قاعدة (وحدة العمل لا تطابق الرؤى). فالتمسك بالثوابت الوطنية وإنهاء الحرب ومعالجة آثارها واستعادة المسار المدني الديمقراطي، هي مهام لا تحتمل الانتظار ولا الانقسام. وهنا أيضاً يبرز سؤال موضوعي.. أيهما أكثر خدمة لهذه المهام التباعد أم تنسيق الحد الأدنى الممكن؟

هذه ليست مرافعة ضد الحزب الشيوعي وخطه السياسي، بل هي مناشدة له من موقع النضال والهم الوطني المشترك، أن يستدعي أفضل ما في تقاليده النقدية، وأن ينظر إلى واقعه الراهن بعين تجربته الطويلة. فالنظرية (أياً كانت) تفقد معناها إن لم تتحول إلى أداة لقراءة الواقع والتأثير فيه لا الانكفاء عنه، كما أن صلابة النظرية لا تُقاس بمقدار الابتعاد عن القوى الأخرى بدعوى الثورية والنقاء الثوري، بل بالقدرة على إختراق الواقع وإدارة تناقضاته لصالح البديل الديمقراطي.

إن الجذرية الحقيقية في تقديري المتواضع، ليست في المفاصلة مع الجميع، بل في القدرة على قيادة التغيير عبر الالتحام بقضايا الناس، وبناء أوسع قاعدة ممكنة حولها. ذلك هو التحدي، وذلك هو الأفق الذي يستحق أن نلتقي عنده ونعمل من أجله معاً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..