
ليس أكثر فجاجةً من مشهدٍ يُبث على الملأ، وتُقدَّم فيه الإهانة بوصفها فضيلة، والابتزاز بوصفه تربية، والفقر بوصفه “صورة جميلة”. هكذا فعل تلفزيون الكيزان وهو ينقل، بعبثٍ مزرٍ، ما سمّاه زورًا وبهتانًا “نفرة الكرامة” من محلية المتمة؛ نفرة لم يكن فيها من الكرامة غير الاسم، ولا من القيم غير سكاكينها المغروسة في صدور التلاميذ والتلميذات.
أي كرامة هذه التي تُنتزع من أطفال بؤساء، تظهر على وجوههم علامات العوز والحرمان، ويُرغَمون ترهيبًا على دفع “ألف الكرامة”؟ أي أخلاق هذه التي تجعل الدولة — بواليها، ورئاسة محليتها، ولجانها الإدارية — تمارس النشل العلني باسم الوطن، وتصفق له الدقون الكاذبة وهي تتلو خطب الضلالة؟ لقد كان المشهد درسًا واحدًا فقط: كيف تُشرعن السرقة حين تلبس عباءة الدين، وكيف يُقنَّع القهر بخطابٍ أجوف.
الأفدح من الجريمة نفسها هو مسرحها. مدرسة الحميراب — التي تحتاج إلى الإغاثة والعون والاحتواء — لم تجد سوى خطبةٍ متعالية من والي الولاية. لا دفاتر، لا وجبة، لا كساء، لا كلمة مواساة؛ بل منبر للوعظ على حساب جوع الأطفال. وفي لقطة لا تُنسى من قبحها، وُضعت “ألف الكرامة” في “كرتونة” من مخلفات الإغاثة، مكتوب عليها بخطٍ فاضح أنها كانت تحمل ما أُفرج عنه — أو بالأحرى ما سُرق — من مساعدات. كأن القدر أراد أن يوقّع على الفضيحة باسمه الكامل.
وأين المعلمون والمعلمات؟ غيابٌ كامل ومتعمد، إلا من مشهدٍ مُهين لمعلمة واحدة تحمل — مع شديد الأسف — السوط أمام الوالي. أي رسالة تربوية هذه؟ أن يُربّى الطفل على الخوف، وأن يُعلَّم أن الكرامة تُجلد ثم تُجبى، وأن المدرسة ليست بيت المعرفة بل ساحة استعراض للسلطة؟
ثم تأتي الكوميديا السوداء مكتملة الأركان بتعليق مذيعة تلفزيون الكيزان، وهي تمضغ كلماتٍ بلهاء عن “الصورة الجميلة” و”غرس القيم”. أي قيم تُغرس حين تُسقى بالترهيب؟ وأي جمال في مشهد أطفالٍ يُبتزّون أمام الكاميرا، ليُزيَّف الواقع ويُغسَل الضمير على الهواء؟ هذا ليس إعلامًا؛ هذا تزويرٌ مع سبق الإصرار، وشهادة زور لا يرمش لها جفن.
إن ما جرى ليس حادثة عابرة، بل نموذج لثقافة كاملة: ثقافة تبرير القبح، وتقديس السلطة، وتسليع الفقر. لذلك لا يكفي الاستنكار. لا بد من المحاسبة. لا بد من مساءلة هذا الصنف من الإعلاميين الذين يفترون الكذب ويزورون الصورة، ويحوّلون الشاشة إلى أداة إذلال. ولا بد من محاكمة منظومةٍ ترى في الأطفال خزائن مفتوحة، وفي “النفرة” غطاءً للنهب.
الكرامة لا تُجبى ألفًا ألفًا من جيوب الصغار، ولا تُخطب من فوق رؤوس الجائعين. الكرامة تُبنى بعدالةٍ تحميهم، وتعليمٍ يصونهم، وإعلامٍ يقول الحقيقة. وما عدا ذلك — فهو نشلٌ موصوف، وخطبةٌ بلا أخلاق، وصورةٌ قبيحة مهما سمّوها جميلة.



