مقالات وآراء سياسية

إصطادوا السودان في المياهِ العَكِرة! 

عثمان محمد حسن

* المشهد السياسي والاقتصادي السوداني مهترئ اللُحْمة.. فوضوي المظهر، والمتأمل بعمق في جوهره  يرى فوضى خلاقة مصنوعة محلياً وإقليمياً ودولياً بعناية فائقة.. والصناع المحليون أدوات أنيط بها نشر الفوضى في عموم السودان..

* وفي خضم الفوضى تم الربط المحكم بين موضوعين لا رابط بينهما شكلاً ولا موضوعاً.. فشتان، علاقةً، ما بين رفع إسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب وبين التطبيع مع إسرائيل..

* كانت كل الشواهد، قبل ذلك، تشير إلى رفع إسم السودان من تلك القائمة بعد وقت ليس طويلاً.. كما وأن التطبيع كان قادماً بخطىً متسارعة لأن المطالبة الشعبية به كانت ذات قوة دفع لا يستهان بها لأسباب ليس من بينها رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب.. فالرغبة في التطبيع كانت تجري على ألسن الشباب حتى قبل لقاء البرهان بنتنياهو.. بل وحتى قبل سقوط النظام المنحل..

* وأتى ترامب ليربط بين الموضوعين ربطاً سرعان ما حقق له ساديته المفرطة في تعذيب الآخرين.. فأثار حنق كل ذي بصيرة  وضمير حي.. لكنه أسعد جنرالاتنا الجالسين على الكرسي المسروق.. كما أسعد غمار السودانيين الذين صار ذهبُهم نُحاساً في الأسواق.. وصار المشهد السوداني كله أقرب إلى ما شدا به شاعرنا محمد مفتاح الفيتوري:-

” يامحبوبي ذهبُ المضَّطرِ نُحاس… قاضيكم مشدودٌ في مِقعدِه المسروق يقضي ما بين الناس ويجُرُّ عباءتَه كِبَراً في الجَبَّانة….”

* و” الجبانة هايصة!”

* هذا، وأعلن حزب البعث سحب دعمه للحكومة، وتوعد الإمام الصادق المهدي بإسقاط الحكومة.. ودعا الحزب الشيوعي الجماهير إلى الخروج في مظاهرة مليونية ضد الحكومة..

* وكادت الحكومة أن تصبح بلا حاضنة سياسية يعتد بها..

* أيها الناس، لا يجدي البكاء، وفتح بيوت عزاء، على ما (حدث).. ولا يجدي العويل على ما سوف (يحدث).. فإكمال مسيرة الثورة، لتقويم ما نعتقد أنه معوَّج، لا يزال متاحاً أمامنا في الفترة ما بين الحدَثَّين.. شريطة الاعتراف بالواقع والعمل على إيقاف مدِّ سلبيات إسقاطاته على المجتمع..

* ومع ذلك لا يزال بعضنا واقفاً عند مفترق طريقين متردداً لا يدري أي الطريقين يسلك خروجاً من عنق الزجاجة التي أحكمت أمريكا ودول الخليج وبعض جنرالاتنا سدها أمام تسيير أعمال حكومتنا الانتقالية.. بينما اختار كثيىون طريق  التطبيع دون تردد وساروا فيه لا يلوون على شيئ.. بعد أن فقدوا الأمل في كل شيئ عداه..

* أيها الناس، إن الجنرالات قد قرأوا الشارع السوداني جيداً.. وعرفوا أن الشارع السوداني منقسم على نفسه.. وأن الغَلَبة لأنصار التطبيع.. وتلك هي الحقيقة التي لا ينبغي اخفاء الرؤوس في الرمال حيالها..

* وقد صار البرهان، بعد التطبيع، غير برهان ما قبل التطبيع.. بينما تشظت قحت، التي كانت بعبعاً يخيف الجنرالات، ومثلها الآن مثل (الهمبول) في الأراضي الزراعية.. ا يخيف إلا الطيور التي لم تكتشفه بعد..

* وقد لمِس البرهان ضعف قحت وهوانها، فركلها وانبرى يجتمع برؤساء بعض مكوناتها طارحاً عليهم ما انتوى فعله.. ولم يكن اجتماعه بهم اجتماعاً للمشْوَرة إنما كان اجتماعاً لفرض واقع التطبيع عليهم، وسيان عند البرهان قبولهم أو رفضهم له.. وقافلة التطبيع تمضي بلا توقف..

* إن التطبيع قد حدث والمجتمع السوداني منقسم على نفسه بين أغلبية تقف في صفه وأقلية تقف في الصف المقابل.. وعلى الأحزاب الرافضة له أن تركن إلى العقل والمعقول.. وممارسة فن الممكن، والتعاطي مع الواقع بما يمكنها من كبح جماح السلبيات التي ربما تنجم عن التطبيع.. وعليها، قبل ذلك كله، ترميم الشروخ التي أحدثتها بنفسها في جسد قوى الحرية والتغيير.. والعمل على تقوية لجان المقاومة لتتماسك كما كانت طوال فترة الثورة المجيدة..!

* لقد تم اصطياد السودان في المياه العكرة.. وتلك حقيقةُ لا مغالاة في قولها.. ويتوجب العمل على منع الطامعين في موارد السودان وعملائهم من نيل مرادهم بابتلاعه بعد اصطياده!

حاشية:-

* نفى البرهان أي ممارسة ضغوط إماراتية عليه للمضي قدماً في مسار التطبيع.. وربما ينفي أي ممارسة إماراتية عليه للمضي قدماً في مسار سلام جوبا المنقوص..

* وبالأمس، سافر (رؤساء) الجبهة الثورية إلى الإمارات لتقديم فروض الطاعة والولاء.. وربما تقديم التهنئة بتحقيق السلام المنقوص وإرساء دعائم التطبيع الكامل..

* هؤلاء ( رؤساء) كانوا ثواراً.. ولكنهم انقلبوا على أهليهم وباعوا سلاحهم في سوق الارتزاق.. ويلهثون اليوم وراء المال ومحاصصات المناصب الدستورية  دون حياء..

 

* والباقي باقي!

 

عثمان محمد حسن

<[email protected]

‫2 تعليقات

  1. الحكم الان حكم عسكر،،القرار اماراتي،،يجب على ممثلي قحت الانسحاب من الحكومة ،،والانحياز إلى الجماهير ،،،الطنطنة،،الهمهمة ،الشجب والادانة،،الرفض،،مع البقاء في الكراسي ،لا تعني شيء .سوى الذل والهوان،،وحيجي يوم تسمعوا فيه ،،اخرص،،اطلع بره ،أعلى ما في خليك اركبو،، ،،إذا فقدت شرعية الثورة والجماهير،،،،وياما حنسمع ونشوف ،،دراما .

  2. علي الحاضنه السياسيه ان تكون واقعيه وتترك المواقف المبنيه علي الايدلوجيا المتحجره حتي لا تخسر وزنها السياسي وبالتالي تخسر الثوره قوة دفعها ويسهل الانقضاض عليها وسرقتها من القوي المتربصه. التطبيع مع اسرائيل هو تحصيل حاصل بمعني انه في كل الظروف سياتي لا محاله لان القضيه الفلسطينيه ماتت وشيعها الفلسطينيون قبل بقية العرب وسوف لن يمر عام او اثنان الا وكل العرب قد طبعوا مع اسرائيل.كان الاتزام بسلاح المقاطعه جماعيا والان اصبح فرديا ولذا فاميركا قادره علي لي زراع الدول العربيه واحده اثر الاخري حتي تطبع جميعها.اهمية التطبيع للسودان في الوقت الحالي كبيره ليس للخروج من قائمة الدول الراعيه للارهاب ولكن للاعفاء من الديون المتراكمه.رغم احقية السودان باعفاءه من الديون بحسب مبادرة الهيبك الا انه بدون مباركه اميريكيه مستحيل ان يحدث واميركا لا تعطي بلا ثمن والثمن هنا التطبيع مع اسرائيل، هلا فهم الذين يصرخون بلا وعي وتفكير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..