أخبار السودان

الحرب تبدّد إيرادات السودان وتعمق أزمات الاقتصاد المنهار

مساع لإبرام صفقات للموانئ الواقعة على البحر الأحمر وجذب استثمارات للقطاع الخاص للمساهمة في ترميم البنية التحتية المدمرة.

لم تكتفِ الحرب الدائرة في السودان بتدمير البنية التحتية وتشريد الملايين، بل امتدت آثارها العميقة إلى قلب الاقتصاد، حيث تبدّدت مصادر الإيرادات واحدة تلو الأخرى، في وقت يعاني فيه البلد أصلًا من اقتصاد هشّ على شفا الانهيار.

ومع تعطل القطاعات الإنتاجية، وتراجع الصادرات، وانهيار الجبايات العامة، تتعمق الأزمات المالية والنقدية، لتُرسم آفاق أكثر قتامة لمستقبل اقتصادي يرزح تحت وطأة الصراع وانعدام الاستقرار.

وأكد وزير المالية والتخطيط الاقتصادي في الحكومة المرتبطة بالجيش جبريل إبراهيم محمد أن الاقتصاد يشهد “مرحلة بالغة الصعوبة” بفعل الدمار والنفقات العسكرية وتراجع إيرادات الذهب والنفط جرّاء الحرب المتواصلة منذ نحو ثلاث سنوات مع قوات الدعم السريع.

وأعرب في حديث لوكالة فرانس برس في مكتبه المؤقت في بورتسودان عن تطلّع الحكومة إلى إبرام صفقات للموانئ الواقعة على البحر الأحمر وإلى استثمارات للقطاع الخاص تساهم في إعادة بناء البنى التحتية.

وأعلن رئيس الحكومة كامل إدريس الأحد عودة الحكومة رسميا إلى الخرطوم، لكنّ مبنى وزارة المالية هو أحد المقرات الحكومية التي لا تزال العودة الكاملة إليها متعذرة.

وقال الوزير الذي كان يرتدي بزته العسكرية خلال المقابلة إن السودان الذي كان أساسا إحدى أفقر دول العالم قبل الحرب، “فقد كل مصادر إيرادات الدولة في بداية الحرب”، عندما سيطرت قوات الدعم السريع على العاصمة الخرطوم ومحيطها.

وذكّر بأن “معظم الصناعات والشركات الكبرى والنشاط الاقتصادي برمته كان يتركّز في وسط السودان”، مشيراً إلى أنه “كان يساهم بنحو 80 في المئة من إيرادات الدولة”.

وكانت حركة العدل والمساواة السودانية التي يتزعمها ابراهيم خاضت معارك ضد حكومة الخرطوم، لكنها وقفت إلى جانب الجيش ضمن تحالف “القوة المشتركة” للجماعات المسلحة.

ورغم كون السودان غنيا بالنفط ورواسب الذهب والأراضي الصالحة للزراعة، يعاني راهنا من أكبر أزمة إنسانية في العالم، إذ يحتاج أكثر من نصف سكانه إلى المساعدة للتمكن من تأمين مستلزمات الحياة.

وإذ أشار الوزير إلى أن “إنتاج الذهب يتزايد سنة بعد سنة”، لاحظ أن “قسما كبيرا منه يُهرّب يا للأسف عبر حدود دول مختلفة إلى الخليج”.

وأوضح أن “20 طنّا (من الذهب) فحسب صُدِّرت عبر القنوات الرسمية” من أصل إجمالي الإنتاج الذي بلغ 70 طنّا عام 2025.

ورغم بلوغ الإنتاج 64 طنّا عام 2024، لم تتجاوز إيرادات الخزينة العامة 1.57 مليار دولار، إذ حرمتها شبكات التهريب جزءا كبيرا من هذه الإيرادات.

وانخفضت الصادرات الزراعية بنسبة 43 في المئة، حيث تسيطر قوات الدعم السريع على معظم المناطق المنتجة للصمغ العربي والسمسم والفول السوداني الواقعة في ولايتَي (محافظتي) غرب دارفور وجنوب كردفان.

200
مليار دولار كلفة إعادة إعمار المناطق التي استعادها الجيش، بحسب تقديرات الحكومة في ديسمبر 2024

أما صادرات الثروة الحيوانية التي يتركز معظمها في دارفور أيضا، فتراجعت بنسبة 55 في المئة، بحسب الوزير.

وبعد سيطرة قوات الدعم السريع على آخر معاقل الجيش في دارفور في أكتوبر الماضي، انتقلت أعنف معارك الحرب شرقا إلى إقليم كردفان الغني بالنفط.

وفي ظل تنافُس الطرفين المتصارعين على السيطرة على الإقليم، تراجعت عائدات السودان النفطية بأكثر من 50 في المئة، ولحقت أضرار بالغة بمصفاة النفط الأكثر إنتاجية، وهي مصفاة الجيلي بالقرب من الخرطوم.

وأفاد ابراهيم بأن الحكومة رفعت حصة تمويل المجهود الحربي من 36 في المئة من موازنة عام 2024 إلى 40 في المئة من موازنة العام الماضي، سعيا منها إلى تعزيز قدراتها في حربها مع قوات الدعم السريع، لكنه لم يحدد حجم المبالغ.

إلا أن لإعادة إعمار المناطق التي استعادها الجيش كلفة باهظة جدا، قدّرتها الحكومة في ديسمبر 2024 بنحو 200 مليار دولار.

وأوضح إبراهيم أن السلطات تتطلع راهنا إلى شراكة بين القطاعين العام والخاص، آملا في استقطاب شركات “مستعدة لإنفاق الأموال” في مجالات عدة من بينها البنى التحتية.

وكان ساحل السودان الطويل على البحر الأحمر على مر السنين محط اهتمام جهات أجنبية ترغب في إقامة موانئ على هذا الممر المائي الحيوي الذي تتركز فيه نحو 12 في المئة من حركة الشحن البحري العالمية للبضائع التجارية.

وقال الوزير “سنرى أيّ شريك هو الأنسب لبناء ميناء”، مشيرا إلى أن “المتقدمتين الرئيسيتين” هما السعودية وقطر. وأضاف أن الاتفاق تم مبدئيا على مشروع أولي لمنطقة اقتصادية إماراتية، “ثم اندلعت الحرب، وكانت الإمارات جزءا منها”.

وتابع إبراهيم “لذا لا أعتقد أن هذا المشروع سيُكتب له النجاح”، في إشارة إلى الاتهامات الواسعة النطاق الموجهة إلى أبوظبي بدعم قوات الدعم السريع، والتي تنفيها الإمارات.

وأوضح أن الروس كانوا يرغبون أيضاً في “ميناء صغير لتخزين الإمدادات”، لكنهم “لم يُقدموا على هذه الخطوة بعد”.

الصادرات الزراعية تراجعت بنسبة 43 في المئة وقسم كبير من الذهب يُهرّب إلى الخارج وسط ديون تبلغ 221 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي

ومع استمرار الحرب، يرزح السودان تحت وطأة دين عام ضخم، بلغ 253 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي عام 2023، قبل أن ينخفض قليلا إلى 221 في المئة عام 2025، وفقاً لبيانات صندوق النقد الدولي.

وشهد البلد على مدى أعوام نسب تضخم سنوية ثلاثية الأرقام، بلغت 151 في المئة عام 2025، بانخفاض عن التي سجلت عام 2021 وبلغت 358 في المئة.

وكذلك انهارت العملة المحلية، إذ ارتفع سعر صرف الدولار من 570 جنيها قبل الحرب إلى 3500 جنيها في السوق السوداء مع بداية عام 2026.

وانضم إبراهيم البالغ 71 عاما إلى الحكومة للمرة الأولى عام 2021 ضمن إدارة انتقالية قصيرة الأجل، وبقي في منصبه بعد انقلاب عسكري في وقت لاحق من ذلك العام.

ويعد من بين عدد من المسؤولين الذين فرضت عليهم واشنطن عقوبات في محاولتها “للحد من النفوذ الإسلامي داخل السودان وكبح أنشطة إيران الإقليمية”.

العرب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..