مقالات سياسية

جذور الشعوذة

معادلات- علي يس

قلت (في مقالة سبقت بعنوان “تاريخنا مزوّر”) إنّ المغامرين العرب الذين يَنسِبُ إليهم  التاريخ (نشر الإسلام) في أرض السودان ، جاء جُلُّهم باحثاً عن فرص أرغد للعيش ، أو هارباً من مطاردة (مثل بقايا الأمويين الذين جاءوا من تلقاء الشرق من جزيرة العرب هرباً من انتقام العباسيين،  أو بقايا الأندلسيين الذين جاءوا من جهة الغرب بعد سقوط دولة الأندلس) و لكنهم كانُوا – معظمهم – من عوامِّ المسلمين الذين يحملون من الإسلام قشوراً  لا تتجاوزُ العبادات الشكليّة ، وربّما بعض سورٍ من القرءان و رواياتٍ من أحاديث و أخبار، لم يجِدُوا عناءً في نشرها بين من صادفوهم من أهل السودان بدءاً من (دنقلا) و ما تلاها من الحواضر و البوادي جنوباً و غرباً و شرقاً . هذا بشأن الذين جاءوا ، كجماعاتٍ أو أفراد، من تلقاء أنفسهم. أمَّا الذين جاءُوا، قبل ذلك ،  بموجب (اتفاقيَّة البقط) ضمن جند عبدالله بن أبي السرح، فبنود الاتفاقيَّة نفسها تشرح أسباب مجيئهم ، التي لم يكن من بينها (نشر الإسلام) ، بل كان أهمُّ بندٍ فيها على الإطلاق “إلتماسُ العبيد” حيث نصَّت الاتفاقيّة على (إرسال 360 عبداً كل سنة إلى حاكم مصر) .. أقام بعض هؤلاءِ و أولئك بدنقلا  و اتخذوا مسجداً فيها، بينما تابع بعضهم الرحلة إلى الجهات الثلاث، خصوصاً غرباً و جنوباً ، حيث الأرض أخصب و المراعي أوفر..
و لما كان التفاعُل الاجتماعي و الثقافي محتَّماً بين المقيمين  وبين  الوافدين ، فقد أخذ المقيمون بعض ظواهر الإسلام و شرائعه ، و أخذ الوافدون – إلى إسلامهم القشري – بعض تقاليد التديُّن الوثني لدى القبائل الحاميّة بالسودان ، و من بينها الكثير من طقوس  السحر و الشعوذة ، و من بينها أيضاً  الكثير من “الفنون الشعبيّة” المتَّصلة بتقاليد تلك القبائل ، مثل استخدام الطبول و بعض الرقصات الشعبيّة ، التي تمَّ تهذيبها قليلاً  لتندغم ضمن (حلقات الذِّكر) لاحقاً لدى الطرق الصوفيَّة التي تسيَّدت المشهد الديني في أرض السودان ، خصوصاً بعد قيام الدولة الفاطميَّة في مصر ، فأنتج ذلك (إسلاماً هجيناً) يجدُ الباحث شواهده في وثائق تاريخية لاحقة ، مثل طبقات ود ضيف الله ، و كتاب “الشونة” ..
من هناك انغرست بذرة (الإسلام السياسي) الذي كان أوّل تجلِّياته ، و إنْ على استحياء، في  (السلطنة الزرقاء) التي قامت على تحالف بين الفونج و العبدلاّب، فقد تطورت  سياسة تلك الدولة ، لاحقاً ، و بعد محاولاتٍ فاشلة في استئناس ممثلي المؤسسة الدينية “مشائخ التصوف” ، إلى  (محاصصة  غير مكتوبة) بين ملوك مملكة الفونج من ناحية ، و بين “الأولياء” – الوصف الشائع لمشائخ الطرق الصوفية في ذلك العهد – حيث تجلَّت مبرِّرات ذلك الحلف بين السلطتين السياسية و الدينيّة في ما أشار إليه الأستاذ عبدالله الشيخ في كتابه (التصوُّف بين الدروشة و التثوير) بقوله :
(كان للأولياء – بل المُتطرِّقين بصفة عامة – حظوة عند العامة تثير غيرة الحكام، وكان الولي هو الطليعة التي تخافها السُلطَة وترى فيها تهديداً لمصالحها. والحكام في لهفتهم وسكرتهم بالسُلطَة، غالباً ما يندفعون إلى البطش بالطليعة، فيكون ذلك العُنْف بداية العد التنازلي لسطوتهم.
هناك اعتقاد شائع في مُجتمع السودان، أنه وبعد كل حادثة ظلم تقع على أحد الأولياء، تقع الهزة العنيفة التي تطيح برأس النظام السِياسي.. هذا الحال يبدو كأحد سنن التجربة، حيث دوَّنَ وَدْ ضيْف الله في طبقاته ما معناه، أن الذهن السُّودَاني تعارفَ على: (عسَى أن يكونَ قتل فقير، بخراب أمير).
فكان من ثمرات التجربة المحضة أن استسلم ملوك الفونج لشراكةٍ ما، في الحُكم ، مع (الأولياء) فأثمر
ذلك الموقف بذرة الإسلام السياسي ، التي أينعت بعد ذلك مع قيام الدولة المهديّة..
و مع أن الثورة المهديَّة مثّلت ، أوَّل أمرها ، حركة تحرُّر وطني جديرة بالاحترام ، في بعديها  الجهادي و الأخلاقي ، إلا إنها، في بعدها الديني ، أفرزت كثيراً من الخراب ، حين استبدَّ المهدي بأمر الدين و الدنيا فأخرج من الدين – و استباح دماء – كل من لم يؤمن بمهديَّته ، فشهد انتصاره مصارع كثير من العلماء الذين كانت جريرتهم العظمى عدم اعترافهم بمهديّة المهدي. ثم جاءت الانتكاسة الأعظم  بعد وفاة المهدي ، في تحوُّل الثورة إلى محض متاجرةٍ بالدين، تمثّلت في كثير من مواقف خليفة المهدي الموثّقة ، في استناده إلى شرعيّة دينيّة (ميتافيزيقيّة) موروثة عن المهدي ، مثل ادِّعائه أنّ روح المهدي حلَّت فيه بعد ابتلاعه شعرة من شعر المهدي ، و مثل اعتماده على الأحلام و الرؤى المناميّة في تصريف شؤون دولته ، بما في ذلك أمور الحرب، بالأخص تلك الأحلام التي يتوهّمُ فيها ، أو يدّعي غيره ، أنه رأى النبي عليه السلام يأمره بأمر أو ينهاه عن أمر ، فقد كان يجمعُ بين (مكيافيليّة) مسعورة ، و بين جهلٍ بالدين عظيم، و إيمانٍ بقدرته – انطلاقاً من “مهديَّته” الموروثة – على تحقيق المعجزات .
للحديث بقيَّة.
(المواكب)

[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..