مقالات وآراء

الديمقراطية الاقتصادية السودانية: إعادة تعريف السلطة من منظور الشعوب المنتِجة

 

مقدمة تأسيسية وإعلان القطيعة
هذه الورقة تنطلق من قطيعة واعية مع السرديات النخبوية التي صاغت تاريخ السودان الحديث، وخصوصًا تلك التي اختزلت مسألة الديمقراطية في إجراءات شكلية (انتخابات، برلمانات، تداول نخب)، بينما تجاهلت سؤال من يملك الثروة ومن يقرر مصيرها. نقترح قراءة السودان من منظور الشعوب المنتِجة للخيرات المادية، لا بوصفها كتلة سكانية أو جمهورًا انتخابيًا، بل باعتبارها الفاعل الحقيقي الذي بُنيت عليه الدولة دون أن يُمنح حق إدارتها.

هذه الورقة تقوم على ثلاث خطوات مترابطة: إعادة بناء السرد التاريخي من أسفل (1947–1955 كنموذج بنيوي)، تفكيك الديمقراطية الليبرالية العددية بوصفها أداة هيمنة في السياق السوداني، وتأسيس مفهوم سودنة الديمقراطية كبراكسس سوداني يعيد تعريف السلطة ذاتها ويحوّل الديمقراطية إلى ممارسة مادية، يومية، مرتبطة بالواقع الاقتصادي والاجتماعي.

نعلن صراحة أن هذه الورقة لا تتعامل مع الديمقراطية كطقس أو شعار. نحن نقول بصراحة: الديمقراطية يجب أن تُسود على الأرض، في الإنتاج، وفي حياة الإنسان. مفهوم سودنة الديمقراطية يوحد بين السلطة والاقتصاد، الإنسان والأرض، الإنتاج والقرار، ويضع أساسًا لفهم جديد للدولة السودانية.

أولًا: من التاريخ الرسمي إلى تاريخ الشعوب
التاريخ السوداني كما كُتب رسميًا هو تاريخ انتقال السلطة من استعمار خارجي إلى نخبة محلية، لا تاريخ تحرر شعوب. مؤتمر جوبا 1947 يمثل لحظة كاشفة، ليس لأنه فشل، بل لأنه أُفرغ من محتواه تدريجيًا عبر سلسلة التفافات واعية (لغوية، مؤسسية، إدارية، دولية، انتخابية، هوياتية) انتهت بانفجار 1955. هذه اللحظة ليست استثناءً، بل نموذجًا تكرر لاحقًا في دارفور، الشرق، الجنوب، وحتى في المركز نفسه.

ثانيًا: نقد الديمقراطية الشكلية في السودان
الديمقراطية التي مورست في السودان كانت ديمقراطية بلا اقتصاد، وبلا عدالة اجتماعية، وبلا تمكين مادي. استخدمت آليات حديثة (انتخابات، دساتير) لإعادة إنتاج بنية قديمة: تركيز الأرض في يد قلة، تركيز الدولة في المركز وننتبه للالغام هذا المركز اقتصادي لا ثقافي ولا هوياتي ، وتحويل الشعوب المنتِجة إلى وقود سياسي وعسكري. الديمقراطية هنا لم تكن حكم الشعب بالشعب، بل حكم من يملك التنظيم والمال والإعلام بمن لا يملك سوى صوته.

ثالثًا: من هم أصحاب المصلحة الحقيقيون؟
نقترح مفهوم الشعوب المنتِجة للخيرات المادية بوصفه حجر الزاوية لأي تصور ديمقراطي جديد. وهم: المزارعون، الرعاة ومجتمعات الاقتصاد الحيواني، عمال التعدين التقليدي، العمال الهشّون في المدن، الجنود والرتب الدنيا. هؤلاء ينتجون القيمة ويدفعون كلفة الدولة، لكنهم محرومون من القرار السياسي والاقتصادي معًا.

رابعًا: فصل تأسيسي – الديمقراطية الاقتصادية السودانية

تعريف الديمقراطية الاقتصادية
الديمقراطية الاقتصادية ليست سياسة رفاه، ولا اشتراكية بيروقراطية، بل:
سلطة المنتجين على شروط إنتاج الثروة وتوزيعها واتخاذ القرار بشأنها.

لماذا لا تكفي الديمقراطية السياسية؟
لأن التصويت لا يغيّر علاقات الملكية، والتداول لا يفكك المركز، والحقوق السياسية بلا حقوق اقتصادية تتحول إلى وهم. في السودان، الديمقراطية السياسية بلا ديمقراطية اقتصادية تعني إعادة إنتاج نفس الدولة كل مرة.

مرتكزات الديمقراطية الاقتصادية السودانية
الأرض: مورد جماعي تاريخي، حمايتها قانونيًا، سلطة المجتمعات المحلية في إدارتها.
الثروة: إعادة توزيع عادل، أولوية الصرف على مناطق الإنتاج، تفكيك الاقتصاد الريعي.
السلطة المحلية: لا مركزية حقيقية، ميزانيات محلية مستقلة، ربط القرار بالمنتجين.
التمثيل: تمثيل اقتصادي إلى جانب التمثيل السياسي، مجالس منتجين حقيقية.

الديمقراطية كبراكسس لا كشعار
الديمقراطية هنا ممارسة يومية في الحقل، السوق، مواقع التعدين، والوحدة الإدارية. ليست حدثًا كل أربع سنوات، بل علاقة سلطة متغيرة باستمرار.

خامسًا: من صراع الهويات إلى صراع العلاقات
أحد أخطر أسباب استمرار الأزمة السودانية هو تحويل الصراع من علاقات قوة مادية إلى صراع هويات. هذا التحويل لم يكن بريئًا، بل أداه الاستعمار أولًا، ثم أعادت إنتاجه النخب والمثقفون المرتبطون بها، لأنه يخفي السؤال الجوهري: من يملك الأرض؟ من يتحكم في الإنتاج؟ من يستفيد من الدولة والحرب؟

عندما يُعرَّف الصراع على أنه قبلي أو إثني أو ديني، فإنه يُحوِّل الضحية إلى متهم جماعي، ويُبرِّئ بنية الدولة وعلاقات الملكية، ويُبقي علاقات النهب خارج المساءلة. هذه الورقة لا تدخل في جدل الهوية، بل تتجاوزه وتنقل التحليل من: من نحن؟ إلى: كيف نعيش؟ من نُنتج؟ ومن يقرر؟

بنقل الصراع إلى علاقات الأرض والإنتاج، تفقد الهوية وظيفتها التعبوية، وتسقط لغة الكراهية، ويتحوّل الصراع إلى سؤال قابل للحل السياسي. السودان الممكن لا يُبنى على تشابه الدم أو اللغة، بل على علاقات مادية عادلة تجمع بين أناس مختلفين لكنهم شركاء في الأرض والعمل والمصير. هذه النقلة لا تُنكر التعدد، لكنها تنزع عنه وظيفته التدميرية، وتؤسس لعتبة سودانية جديدة قوامها الأرض كحق مشترك، الإنتاج كأساس للسلطة، والإنسان كغاية لا كأداة.

سادسًا: استعادة جوبا كمستقبل لا كماضٍ
مؤتمر جوبا لم يكن خطأً تاريخيًا، بل فرصة أُجهضت. استعادته اليوم تعني الاعتراف بالالتفافات السابقة، إعادة فتح سؤال الشراكة الحقيقية، وربط الوحدة بالعدالة لا بالهوية، وتجسيد سودنة الديمقراطية في الواقع.

خاتمة مفتوحة
دعوا هذه الورقة تفتح أفقًا لدولة تُحكم من منتجيها، وديمقراطية تُقاس بالعدالة لا بعدد الأصوات، وسودان يُعاد بناؤه من أسفل. الديمقراطية الاقتصادية ليست ترفًا فكريًا، بل شرط بقاء، وسودنة الديمقراطية هي طريقنا لإعادة تعريف السلطة والدولة في السودان.

دعوا هذه الورقة تضع الأسس لنقاش عميق حول إعادة بناء الدولة السودانية من منظور الشعوب المنتِجة.

 

 

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..