كسر التوغّل المصري في السودان- معركة الوعي قبل السياسة

زهير عثمان حمد
ليس أخطر ما يواجه السودان اليوم هو التدخل الخارجي، بل اعتيادنا عليه
فالنفوذ الذي ينجح في تقديم نفسه كأمر “طبيعي” و”منطقي” يتجاوز كونه مشكلة سياسية، ليصبح أزمة وعي. ومن هنا، فإن التوغّل المصري في السودان لا يمكن فهمه فقط عبر البيانات والمواقف، بل عبر السؤال الأعمق: كيف تشكّلت الطريقة التي نفكر بها في علاقتنا مع مصر؟
هذا مقال لا يناقش السياسة بمعناها الضيق، بل يحاول الاقتراب من الجذر الفكري للمسألة- الهيمنة حين تتحول إلى طريقة تفكير.
حين لا تبدو الهيمنة هيمنة
يقول المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي إن أخطر أشكال السيطرة ليست تلك التي تُفرض بالقوة، بل التي تُمارَس بالقبول. أي حين يتبنى الطرف الأضعف رؤية الطرف الأقوى للعالم، ويعتبرها بديهية لا تحتاج إلى نقاش
في العلاقة السودانية–المصرية، كثيراً ما تُقدَّم الرؤية المصرية باعتبارها-
الأكثر واقعية،الأكثر خبرة، والأقدر على “فهم تعقيدات السودان”.
المشكلة هنا ليست في طرح الرؤية، بل في تحولها إلى المرجع الوحيد المقبول
حين تصبح زاوية واحدة هي “العقلانية”، وكل ما عداها يوصف بالمغامرة أو السذاجة، نكون أمام هيمنة ناعمة لا تحتاج إلى ضغط مباشر
من استعمار الأرض إلى استعمار العقل
فرانز فانون، أحد أبرز مفكري ما بعد الاستعمار، حذّر من لحظة أخطر من الاحتلال نفسه ,و لحظة أن يبدأ المستعمَر في رؤية نفسه بعين المستعمِر. عندها يتحول الاستعمار من قوة خارجية إلى حالة داخلية
في السياق السوداني، يظهر هذا الاستعمار الداخلي في صور غير صريحة
حين نستعير مفاهيم جاهزة لتفسير أزماتنا، حين ننتظر الاعتراف من “الأخ الأكبر”، أو حين نعرّف أمننا ومصالحنا بعيون غيرنا
فكرة أن السودان “عمق إستراتيجي” لدولة أخرى لا تصبح خطيرة حين تُقال فقط، بل حين تُستعاد محلياً دون مساءلة، وتتحول إلى مسلّمة تُقيّد التفكير المستقل
المعرفة ليست بريئة دائماً
يذكّرنا إدوارد سعيد بأن المعرفة قد تكون أداة هيمنة
في كتابه الاستشراق، أوضح كيف أن وصف الآخر، وشرح تاريخه، وتحليل واقعه، ليست أفعالاً محايدة، بل مرتبطة بالقوة
حين يُكتب تاريخ السودان، أو تُفسَّر أزماته، أو يُتحدث باسمه في المحافل الدولية من خارج تجربته، يصبح السودان حاضراً بلا صوت. وهذا شكل خطير من التوغّل: أن تُدار صورتك، وتُحدَّد مصالحك، دون أن تكون صاحب الكلمة الأولى.
وكسر هذه الحلقة لا يعني الانغلاق أو رفض التعاون، بل يعني استعادة حق التسمية ,أن نعرّف أنفسنا، ومشاكلنا، وحلولنا بلغتنا ومن زاوية تجربتنا
الهوية وسؤال أُسيء استخدامه
من أكثر الأسئلة خداعاً في العلاقة السودانية–المصرية سؤال الهوية
هل أنتم عرب؟ أفارقة؟ أقرب لمن؟
هذا السؤال لا يُطرح بدافع الفضول، بل يُستخدم أحياناً كميزان تفاضل، يضع مركز الهوية في الخارج، ويدفع السودان إلى موقع الدفاع الدائم
لكن الهوية، في جوهرها، ليست شهادة انتماء تُمنح، بل تجربة تُعاش
السودان بتعدده الثقافي ليس حالة ناقصة تبحث عن اكتمال، بل كيان كامل بتناقضاته
التحرر يبدأ حين نتوقف عن طلب الاعتراف، ونبدأ في تعريف أنفسنا من داخل تجربتنا التاريخية
من منطق الوصاية إلى معنى الندية
الخطاب الذي يتخفى في لغة “الأخوّة” قد يكون أكثر خطورة من الخطاب العدائي
ففكرة “الأخ الأكبر” تحمل في داخلها تراتبية صامتة طرف يعرف أكثر، ويرى أبعد، ويقرر أفضل
البديل ليس القطيعة، بل الندية
والندية هنا ليست شعاراً سياسياً، بل موقفاً ذهنياً و أن يرى السودان نفسه قادراً على إنتاج المعنى، لا مجرد استهلاكه أو ترجمته
المعركة على المعنى
كسر التوغّل المصري في السودان لا يبدأ بإلغاء اتفاق، ولا بتغيير خطاب رسمي، بل بتحرير العقل من البداهات المفروضة
حين يستعيد السوداني حقه في السؤال، وفي الشك، وفي تعريف ذاته خارج ظل أي مركز خارجي، يصبح التوغّل مكلفاً، والهيمنة صعبة، والوصاية غير مقبولة
فالأوطان لا تُستباح فقط حين تُهزم سياسياً،بل حين تتوقف عن التفكير بنفسها
ومن هنا، فإن معركة السودان الحقيقية هي معركة على الوعي… وهي معركة لا تُخاض إلا بالفكر.




👍
حياك الله يا أواب
فقد وضعت يدك علي موضع الحرح
((((مخاوف القاهرة من قيام حكومة مدنية سودانية قادرة على المطالبة بحصتها من النهر وإعادة ترتيب أولوياتها الوطنية.)))
بعد هزيمة السودان في معركة كرري ومقتل الألاف من أبطاله
تم إستعمار السودان ثنائيا من قبل دولتين هما مصر وبريطانيا
المفارقة أنه كان نوعين من الإستعمار في جلباب واحد
إستعمار بريطاني من طبعه أن يعمر (ومنه جاءت كلمة إستعمار) ليستفيد (ويفيد)
فلذلك أنشأ مشروع الجزيرة ليمد مصانع نسيجه بالقطن
(و طبعا السودان إستفاد كثيرا وما زال من مشروع الجزيرة والمشاريع المروية)
وإستعمار مخرب (مصري) رأي في قيام مشروع الحزيرة تغولا علي حقوق له يراها مقدسة في مياه النيل
إستعمار إستراتيجيته أن في عز السودان ذل مصر وعمار فدان في السودان يعني خراب فدان في مصر
شرب السودان مقبلا في الإستقلال
إذ أنه إستقل عن الدولة التي عمرت وتعمر وظل مستعمرا من الدولة التي تراه منافسا تعمل علي تحطيمه
فعسكر مصر الذين إنقلبوا علي الديمقراطية في بلدهم
بالتزامن مع حركة الوطنيين السودانيين للإستقلال
إضافوا لهذا الإستراتيحية حرب ضروس علي الديمقراطية الناشئة في السودان
وذلك لأنهم علي يقين أن الشعب الحر سيمتلك السيادة علي أرضه ومياهه
ولذلك عملوا إنشاء تنظيم الضباط الأحرار للإنقلاب لاحقا علي الديمقراطية السودانية
عسكر مصر أرادوا الإستمرار في إستعمار السودان ولكنهم كانو أذكأ من أن يحكموا السودان يجيشهم
فأختاروا أن يحكموه بالجيش السوداني الذي ساهمو في تكوينه وتدريب ضباطه
لذلك كل إنقلابات السودان كانت من صنع عسكر مصر ومخابراتهم
في كل تاريخ السودان الحكومات الديمقراطية تحافظ علي حق الشعب وسيادته علي أرضه ومياهه
والحكومات العسكرية تبيع مقدرات البلد بثمن بخس …. شقة شقتين في القاهرة والأسكندرية
وفد محادثات مياه النيل من قبل أول حكومة ديمقراطية بقيادة محمد زيادة أرباب عاد غاضبا من القاهرة من هول المطامع المصرية
فعمل عسكر مصر علي إنقلاب عبود في ١٩٥٨ الذي وقع إتفاقية مياه النيل وأغرق حلفا وملايين النخلات والإثار التاريخية التي لا تقدر بثمن
وجاءت الحكومة الديمقراطية بعد ثورة اكتوبر وواصلت في نهج الندية فلم يرض بها عسكر مصري فقاموا بإنقلاب مايو تسعة وستين
وجاءوا بكل عملاءهم في السودان كوزراء، حطم بعضهم التعليم الممتاز الذي نافس خريجوه المصريين في سوق العمل العالمي
وعملوا إتفاقيات الدفاع المشترك والتكامل
وثار الشعب وأسترد سيادته في إنتفاضة خمسة وتمانين
برضو عسكر مصر ما رضو وما سكتو
فدعموا بكل جد إنقلاب الكيزان علي الديمقراطية في ١٩٨٩
في زمن الكيزان إحتلت مصر حلايب وشلاتين وأستغلت حتي الثمالة موارد السودان
وفي ثورة ديمسبر رجعت تاني السيادة للشعب وقال حمدوك بلسان الشعب عن حلايب وتصنيع المنتجات الخام السودانية ما أغضب مصر
وكان وفد السودان في محادثات سد النهضة مثالا حيا للموقف الوطني المدافع عن بلده وشعبه
وهذا أيضا لم يرق للمصريين
فحدث إنقلاب البرهان الكيزاني المدعوم مصريا علي الحكومة الإنتقالية في اكتوبر ٢٠٢١
وبعد إنقلاب البرهان رجع الخنوع والذل والموقف التابع لمصر من قبل حكومة البرهان
فتنازل السودان عن حلايب وشلاتين وقال صراحة أن موقفه في مياه النيل هو كل ما تريده مصر
فواصل يا أواب فإنت من رواد وعي وطني يتشكل رغم كل غمامات التغبيش الكيزانية المصرية