
كتب الأديب السوداني الطيب صالح، في نقده لجماعة المؤتمر الوطني، عبارة ستظل واحدة من أدق وأقسى التشخيصات للحالة السودانية:
«يحبونه وكأنهم يكرهونه، ويسعون إلى إعماره وكأنهم مسخرون لخرابه».
لم تكن الجملة مجرد رأي أدبي أو موقف سياسي عابر، بل كانت قراءة مبكرة لمسار حكمٍ رفع شعارات كبرى، لكنه قاد البلاد، خطوةً بعد أخرى، إلى التفكك والانهيار. فقد تحدثت السلطة طويلًا عن حب الوطن وبنائه، غير أن سياساتها على الأرض كانت تعمّق الانقسام، وتضعف مؤسسات الدولة، وتفرغ مفهوم الوطنية من معناه.
على مدى سنوات، جرى الخلط بين الدولة والحزب، وبين الوطن والجماعة. أُقصيت الكفاءات، وتراجع دور الخدمة المدنية، وتسيّست المؤسسات العسكرية والأمنية، بينما جرى استخدام الخطاب الديني والأخلاقي لتبرير سياسات التمكين والاحتكار. وهكذا، كان “الإعمار” المعلن في الخطاب، يقابله خراب صامت في الواقع.
لم يكن انهيار الدولة السودانية حدثًا مفاجئًا، بل نتيجة منطقية لمسار طويل من إدارة الخلاف بالقوة، وبناء النفوذ بالسلاح، وإضعاف فكرة الدولة الجامعة. ومع غياب المؤسسات القادرة على ضبط الصراع، تحولت التناقضات المتراكمة إلى مواجهة مفتوحة، انفجرت في شكل حرب دامية لم تترك مدينة أو أسرة إلا وطالها أثرها.
الحرب الجارية اليوم ليست قطيعة مع الماضي، بل امتداد له. إنها ثمرة سنوات من الحكم الذي تحدث عن الوطن، لكنه لم يؤسس لدولة؛ وتحدث عن السلام، لكنه لم يعالج جذور الصراع؛ وبنى قوى مسلحة خارج منطق الدولة، ثم فقد السيطرة عليها.
في هذا السياق، تبدو عبارة الطيب صالح وكأنها شهادة مكتوبة قبل وقوع الكارثة. فقد لخّصت مأساة بلدٍ أُدير بحبٍ في الشعارات، وبتدميرٍ في الممارسة. وما لم يُعاد الاعتبار لمعنى الدولة، وللمواطنة، وللمؤسسات التي تحمي الجميع، سيظل الخراب يتوالد، مهما تغيّرت الوجوه والشعارات.



