مقالات سياسية

“في ذكري ثورة ۱۹ ديسمبر.. الحلم والواقع”

علي محجوب النضيف

ناضل شعبنا عبر تاريخه الطويل من أجل تحقيق الديمقراطية والعدالة ودولة الرفاة التي تضمن العيش الكريم للجميع. تقاطعت طموحات الغالبية العظمي مع أطماع قوى سياسية واجتماعية تعاقبت علي حكم السودان بقيادة نخب عسكرية ومدنية، ولكن ظل جوهر الصراع واحد وواضح هو الطبيعة الطبقية لهذه النخب والأحزاب وإنحيازتها لقوي سياسية واجتماعية في المجتمع السوداني.

ثورة ديسمبر ليست نبتا شيطانيا أو مقطوعة من شجرة، كما يحاول البعض تصويرها. رغم تفردها وطابعها الخاص في سلميتها وتنظيمها الدقيق إلا أنها تحمل في طياتها سمات التقاء أساسية مع ثورات شعبنا السابقة وثورات الشعوب الأخري. المؤتمر الوطني غطاءه الايديولوجي ديني، ينطلق من فكر الإخوان المسلمين ولكن كحزب سياسي يمثل مصالح طبقية لفئات اجتماعية معينة تجمع دعاة الدولة الثيوقراطية (الدينية) بمختلف مفاهيمها وارتباطاتها والمستفيدين من نظامها.

الإنقاذ جسدت سلطة الرأسمالية الطفيلية بعد عمل ممنهج بدأ بمصالحتهم نظام نميري عام ۱۹۷۷ وجلب وتأسيس النظام القانوني للرأسمالية المالية في النظام المصرفي الإسلامي وشركات توظيف الأموال في السودان. النشاط الطفيلي كأسلوب للإنتاج أضعف القوي المنتجة في الريف والتي كانت تعتمد علي نشاط اقتصادي مغاير. في نفس الوقت أضعف بنائها السياسي في أحزاب الأمة والاتحادي وسط المشاريع الزراعية والقطاع التقليدي والرأسمالية المستثمرة في الإنتاج الصناعي البسيط. فكانت الهجرة من الريف للمدن الناشئة للكادحين والمنتجين وايضاً الزعامات والسياسيين لحزب الطفيلية.

هذا الوضع خلق التناقض الثنائي بين الطابع الاجتماعي للإنتاج والشكل الرأسمالي الطفيلي للتملك والمنظم للاقتصاد. هذا الوضع انتج صراعا طبقيا حادا وأصبح لا فكاك من حل هذا التناقض إلا بتغيير في البنيات الأساسية للاقتصاد والاجتماع والسياسة. بتراكم الأزمات وفقد النظام مقومات بقائه وبفعل التفاعل الجدلي تشكل التنظيم والفعل المعارض، وبهذا الوضع الجديد بدأ العد التنازلي وأصبح النظام يبحث عن ركائز يتعكز عليها كي يظل واقفاً وقائماً ما أمكن ذلك. بذلك نجحت الإنقاذ في تدجين أحزاب الأمة والاتحادية عبر تفكيكها واستخدام الجزرة والعصا لاستيعابها في نظامها السياسي والاقتصادي وخلق ودعم حزب الوسط المستقل ليتسع الحلف الطبقي الاجتماعي الداعم للسياسات والنشاطات الاقتصادية الطفيلية.

هذا الوضع أحدث فرزاً طبقياً واضحا، حيث أصبحت المؤسسات القائمة في أشكال علاقاتها عائقاً أمام الجماهير المتطلعة لأخذ حقوقها والدفع بحياتها إلى الأمام. بتراكم الأزمات نشأت أزمة وطنية شملت النظام الذي أصبح غير قادر على التحكم في السلطة وإدارتها بالشكل الذي دأبت عليه في السابق، كما رفضت الجماهير الاستمرار بالشكل ذا الأفق المسدود.

في تلك الفترة نشطت الدوائر الإقليمية والدولية التي لها مصالح في التغيير الذي بدأت ملامحه تتخلق، علها ترسم توجهاته ليضمن بقاء وتنفيذ مصالحها في السودان وعبره في المنطقة والقارة. السياسة الخرقاء الداعمة للإرهاب وقضية الحرب العبثية وأثارها الاجتماعية والاقتصادية كانت هي المدخل لتوطيد وجودها قائداً للصراع وإدارته ورسم توجهاته والحلول المتسقة مع مصالحها المستقبلية. فكانت الإيغاد بثقل شركائها الأوروبيين وأمريكا ومحور السعودية والإمارات ومصر وخاصة المحور اختبر فعاليته في المنطقة بالدور الكبير الذي لعبه بإتقان في إجهاض ثورات الربيع العربي وايضاً قطر بأفق سياسيها الضيق الذين أصبحوا معوال الحراك لتنفيذ هذه السياسات.

اتفاقية جوبا للسلام، النسخة الثانية لنيفاشا التي كانت رغم حجم التدخل الخارجي في تصميمها وإخراجها بالطريقة التي تقود وقادت لنهاياتها إلا أنها أحد العوامل التي أدت إلى تفكيك نظام الإنقاذ واختراق المنظومة الصماء التي كانت محصنة ومضروب حولها سياج أمني مربوط بحلقات ضيقة لتأمينها وصعوبة الوصول لها.

رغم اختلاف البعض معي حول توصيف ما حدث، ولكن أعتقد جازم ليس كل إطاحة بالسلطة هي ثورة. الثورة تعني ببساطة التغيير، والثورة هي محصلة لصراع طبقي داخل مجتمع معين، بعد أن يشهد تناقضا بين قوى الإنتاج، القطاع الأعظم من الشعب وعلاقات الإنتاج ورأس المال المحرك، وعليه تكون الثورة هي الطريق الناجح لحل تلك التناقضات، لذا تعني على المستوى السياسي انتقال السلطة من طبقة معينة، أو حلف طبقي معين إلى طبقة أخرى، أو حلف طبقي آخر يمثل بوضوح ومن غير مواربة مصالح الثوار، أي القوى التي قامت بها. كما أن الفعل الثوري هو تلاقح مكونات القوى المنظمة التي قادت الثورة وهو ما يمكن تسميته بالعامل الذاتي، مع الواقع ومقوماته إي يعني العامل الموضوعي وإدارته بحنكة لا تفّرض في اللحظة الثورية التي تحكم مسار تنفيذ أهداف ومطالب الثورة. كما هو معلوم الطريقة التي تمت بها الثورة تحكم مستقبلها والثبات على تنفيذ مهامها. وبنجاحها لا بد أن تحدث الثورة تحولات حاسمة في البنية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للمجتمع ، بإحداث انقلاب جذري في حياة المجتمع، والعمل على ترسيخ أسس ومبادئ للإدارة بطريقة حياة جديدة، والبدء ببناء مؤسسات اجتماعية حديثة تحمل سمات الوضع الجديد المنشود.

الوضع الحالي يعكس أن نظام الانقاذ لا زال قائم بحراسة شرسة من قيادة الجيش (اللجنة الأمنية) وملشياته بقيادة الدعم السريع والفصائل المختلفة في الشرطة والأمن (الخلايا النائمة) وهذا هو عنصر القوة للنظام القديم (الدولة القديمة). الحلقة المهمة في هذا الصراع الطبقي سيطرت هذه الشريحة على الإقتصاد بكل فروعة ولازالت ترسم سياسته المستقبلية بتنسيق محكم من الرأسمالية العالمية عبر مؤسساتها المالية وحلفائها في المحور الإقليمي والقوي السياسية التي تم تدجينها لاختطاف قيادة الثورة عبر المجلس المركزي للحرية والتغيير والتنازع الشرس لأخذ “شليتهم” من هذا الوطن الهامد المنهك. ولا يخفي علي الجميع أن ما يحدث الاَن هو الخطة “ب” التي ظل نظام الإنقاذ يسعى لتحقيقها بعد أن تأكد له عدم قدرته أن يحكم كما إعتاد عليه في السابق. فما تغير الاَن هو حلم شركاء الأمس في تسوية الهبوط الناعم وانتخابات عشرين عشرين بتمني أنفسهم ورثة النظام السابق (حزمة كاملة) بعلاقاته وفق التحسينات التي أحدثتها أمريكا ووكلاء المحور.

الوضع الاَن يسير وفق خطى مدروسة ومرتبة يلعب فيها كل فصيل دوره بإتقان كامل ومنسق بينهما، حمدوك يلعب دور الشاطر، العارف دهاليز وخبايا المجتمع الدولي والإقليمي ليقدم لهم البلد على طبق من ذهب. أصحاب سلام جوبا، يتم تطبيق سيناريو سلام نيفاشا، يتنازعون الفتات في العاصمة ويدورون في فلك وأوهام الوعود، تاركين أهلهم وقضاياهم في المعسكرات والأطراف طعماً سائقاً لهجمات الجنجويد ومليشيات النهب. أما القوميين والساسة الجدد فدورهم قدر طاقتهم، حلم البرجوازية الصغيرة التي عينها دوماً علي وهم العش الكبير ولا تدري إن كان سراباً أم حقيقة، مع العلم أن الثورة وحلم استدامة الديمقراطية بالسلام والحرية والعدالة عمل شاق يستمد وجوده من صراع تحتي وسط المجتمعات التحتية المنتجة المهضومة حقوقها وليس سباق حول المناصب والمحاصصات الحزبية الضيقة.

الثورة طريقها واحد رغم الانتكاسات ووضع العراقيل، التغيير معلوم يحدثه الشعب من خلال أدواته، فالقوات المسلحة هي أزمة السياسة في السودان، أما عن الثورة المضادة رغم تبيان تشكلّها، فهي تعبير عن أفكار وقوى ومصالح تتعارض مع مصالح الأغلبية، وتنسجم مع الطبقات والفئات الاجتماعية التي ارتبطت مصالحها مع نظام الانقاذ، التي تضم الإسلاميين، والمؤسسة العسكرية، لكن الثورة المضادة محكوم عليها بالفشل، من حيث انسداد الآفاق التاريخية أمامها، ولأنها عملية اجتماعية ناقصة.

علي محجوب النضيف

[email protected]

‫2 تعليقات

  1. مقال كارب يا علي وعميق وأعتقد لخص الموضوع كله بإيجاز غير مخل. أتفق معك تماما في مفهوم الثورة وبرغم أكتوبر 1964م ومارس/إبريل 1985م وديسمبر 2018م إلا أن الثورة السودانية لا زالت في مسيرتها المعقدة نحو التغيير الجذري لعلاقات الإنتاج التي لا زالت منذ الإستقلال وحتي الآن تعبر عن طبقات قليلة مهيمنة علي الثروة برغم التغيرات الطفيفة هنا وهنالك في بعض القطاعات الإنتاجية ولكنها تغيرات تصب في مصلحة الطبقة نفسها. أعتقد أن ديسمبر 2018م تختلف عن سابقاتها في كونها لا زالت مستمرة ولم تحسم بعد وأن القوي الاجتماعية صاحبة المصلحة والتي تجسد نمو غير معتاد في تطور ونمو القوي المنتجة لم تستسلم بعد ولا زالت تقاوم وتناضل من أجل استعادة شعاراتها ووضعها في مسارها الاجتماعي الجديد الذي يشتمل علي درجة متقدمة من التغير (لا تعتبر تغيرا جذريا) ولكنه مسار من شأنه أن يحدث تطورا كبيرا جدا في مستوي نمو قوي الإنتاج وما يستتبعه ذلك بالضرورة من تطور أو تغير في علاقات الإنتاج السائدة لمصلحة قطاعات واسعة من قطاعات الشعب يمكن أن تشكل أساس وقاعدة صلبة لحدوث تحول جذري مستقبلا في علاقات الإنتاج. ديسبر 2018م هي مرحلة من مراحل الثورة السودانية يبرز فيها التناقض بين مستوي نمو القوي المنتجة وعلاقات الإنتاج السائدة واضحا جليا مختلفا عما سبق وأن موازين القوي أو الصراع برغم نشاط قوي الثورة المضادة وحلفائها في الداخل والخارج يصب في مصلحة القوي المنتجة وفي مصلحة النهوض الجماهيري الواسع غير المسبوق وكل المؤشرات تؤكد إنتصاره الوشيك في موجة ثورية تصحيحية قريبة تحمل شعارات 19 ديسمبر الأصلية

زر الذهاب إلى الأعلى