مقالات وآراء

حول خروج السودان من قائمة الإرهاب الأميركية

أصدر وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، في الثامن من الشهر الجاري، قرارا ينص على إزالة اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب التي ظل متواجدا بها، منذ أغسطس 1993، إبان فترة إدارة الرئيس الأميركي الأسبق، بيل كلنتون.

وجاء في نص القرار الذي تم نشره في الجريدة الرسمية : “وفقا للبندين 1754 (ج) و 1768 (ج) من قانون الدفاع الوطني للسنة المالية 2019 (50 يو أس سي (سي) 4813 و 4826 (سي) فأنا ألغي بموجبه قرار، 12 أغسطس 1993، بشأن السودان، اعتبارا من 14 ديسمبر 2020. يستند هذا الإجراء إلى الاعتبارات الواردة في المذكرة المصاحبة ‏للتقرير الرئاسي، في 26 أكتوبر 2020، بشأن السودان”.

لا شك أن هذا القرار التاريخي قد نزل بردا وسلاما على السودان الذي عانى لأكثر من 27 عاما من قيود وعقوبات دولية أدت لإنهاك اقتصاده بشكل كبير، بسبب العزلة المتطاولة وانعكس ذلك في العديد من المؤشرات الاقتصادية التي يبرز في مقدمتها الديون الخارجية التي فاقت 56 مليار دولار إلى جانب الارتفاع الكبير في معدل التضخم الذي تجاوز 200 في المئة فضلا عن ارتفاع نسب البطالة والفقر وغير ذلك من المؤشرات.

سيسمح قرار إزالة اسم السودان من قائمة الارهاب باعادة دمج البلد في الاقتصاد الدولي وهو الأمر الذي سيترتب عليه إمكانية إلغاء الديون الخارجية واستعادة العلاقات مع المؤسسات المالية الدولية وما يعنيه ذلك من استئناف الحصول على القروض والمنح إلى جانب تدفق الاستثمارات الخارجية المباشرة، فضلا عن انسياب المعاملات البنكية مع المصارف العالمية.

كذلك سيفضي القرار إلى انفتاح السودان على الأسواق الكبرى (تصديرا واستيرادا) وحصوله على التكنولوجيا الحديثة وقطع الغيار التي حرم منها طويلا، مما أدى إلى تراجع الصادرات بسبب التدهور في أداء العديد من القطاعات الانتاجية. كما أنه سيؤدي أيضا لزيادة فرص التبادل التجاري المباشر دون وسطاء وهو الأمر الذي يكلف السودان مليارات الدولارات سنويا.

قد مثل قرار رفع اسم السودان من قائمة الإرهاب علامة فارقة في مسار العلاقة مع الولايات المتحدة الأميركية، وكانت هذه العلاقة قد تدهورت بشكل كبير خلال فترة حكم الجنرال المخلوع، عمر البشير، وأدت لفرض العديد من العقوبات الاقتصادية والسياسية إلى جانب التصنيف المتأخر للسودان في قوائم و سجلات حقوق الإنسان والحريات.

وبدأ التحسن التدريجي في العلاقة بين البلدين بعد اندلاع الثورة السودانية وسقوط نظام الجنرال البشير، في أبريل من العام الماضي، حيث قام رئيس الوزراء السوداني، عبد الله حمدوك، بأكثر من زيارة لأمريكا تلتها زيارات لكبار المسؤولين الأميركيين للسودان، كانت أبرزها زيارة بومبيو للخرطوم، في أغسطس الماضي، واجتماعه مع رئيسي مجلسي السيادة والوزراء.

وظهر هذا التحسن في العلاقات في عدد من القرارات صدرت هذا الشهر كان أبرزها شطب اسم السودان من قائمة الدول التي تخضع للمراقبة بشأن الحريات الدينية، والذي بررته وزارة الخارجية الأميركية بقولها إن “الإصلاحات الشجاعة التي اتخذتها الحكومة (السودانية) في إصلاح القوانين والممارسات الفعلية يصلحان نموذجا تستهدى به دول أخرى”.

كذلك أصدر بومبيو هذا الشهر قرارا بفك الحظر عن دخول المسؤولين الحكوميين وأفراد القوات المسلحة السودانية للولايات المتحدة بناء على قرارات فك الحظر الصادرة عن الأمم المتحدة و “التحول الكبير في سياسة الولايات المتحدة تجاه السودان بعد تشكيل حكومة سودانية جديدة يقودها مدنيون” كما جاء في نص القرار.

من ناحية أخرى فقد أجاز الكونغرس، في الحادي والعشرين من الشهر الجاري، “السلام القانوني” الذي تم بموجبه شطب القضايا المرفوعة حاليا ضد السودان ( 14 قضية) تحت قانون استثناء الحصانات السيادية، الذي يعرف بـ (أ 1605) عدا القضايا المرتبطة بضحايا سبتمبر 2011، كما أنه منح السودان حصانة ضد أي دعاوى مستقبلية يمكن أن ترفع ضده مستندة على صفته السابقة كدولة راعية للإرهاب.

كذلك صادق الكونغرس ضمن تشريع “السلام القانوني” على حزمة من المساعدات المالية المباشرة وغير المباشرة للسودان بلغت في مجملها 1.1 مليار دولار، فضلا عن التزام الولايات المتحدة بدفع مبلغ مليار دولار لسداد متأخرات السودان المستحقة للبنك الدولي.

هذا التطور الكبير في علاقة السودان بالولايات المتحدة، ومن ثم الاقتصاد العالمي, يتطلب من الحكومة الانتقالية أن تقوم بالعديد من الإجراءات التي من شأنها تعظيم الفوائد التي ستعود على الاقتصاد السوداني ومن بينها تهيئة المناخ الاستثماري عبر تطوير القوانين والتشريعات وكذلك تفعيل الإصلاح المؤسسي من أجل رفع كفاءة أداء مختلف الجهات ذات الصلة بالعملية الاقتصادية (ماديا وبشريا) في مختلف مراحلها فضلا عن تطوير البنيات الأساسية المرتبطة بعمليات الإنتاج والتسويق والتصدير وغيرها.

وبما أن الاقتصاد يمثل الوجه الآخر للسياسة فإنه يصبح من الضروري أن تمضي الحكومة قدما في تقوية هياكل السلطة الانتقالية وتعزيز الحريات وترسيخ الاستقرار السياسي وإكمال مسيرة السلام مع بقية الحركات المسلحة التي لم تنضم للاتفاق الذي تم توقيعه في جنوب السودان، في أكتوبر الماضي، وذلك حتى يتمكن السودان من الاستفادة القصوى من عملية الاندماج في الاقتصاد العالمي وتحسن علاقته مع الولايات المتحدة الأميركية.

زر الذهاب إلى الأعلى